طقس الحرائق... أربعة كتب تشرح لماذا يحترق العالم

سوء الإدارة والممارسات البيئية السيئة والمغالطات الإعلامية

AP Photo/Noah Berger
AP Photo/Noah Berger
رجال إطفاء يحرقون الغطاء النباتي لمنع امتداد حرائق الغابات في ولاية أوريغون الأميركية.

طقس الحرائق... أربعة كتب تشرح لماذا يحترق العالم

لم تعد حرائق الغابات مجرد كوارث موسمية تتكرر كل صيف، بل غدت إحدى أكثر الظواهر تعبيرا عن التحولات العميقة التي يشهدها مناخ كوكب الأرض. فقد تغيرت طبيعة النار نفسها، إذ أصبحت أشد حرارة، وأسرع انتشارا، وأكثر قدرة على تجاوز الحدود الطبيعية التي كانت تكبحها، كما باتت تستمر لأيام أو أسابيع، وتندلع في مناطق كانت تعد، حتى وقت قريب، بمنأى من خطرها.

ولم يعد الحديث اليوم يقتصر على حرائق الغابات بالمعنى التقليدي، بل يشمل حرائق عملاقة تولد أنظمتها الجوية الخاصة، وطقسا للحرائق يهيئ الظروف لاشتعالها واتساعها، بل وحتى عصرا جيولوجيا جديدا أطلق عليه بعض العلماء اسم ”البايروسين“ (Pyrocene)، في إشارة إلى مرحلة أصبحت فيها النار إحدى القوى الرئيسة التي تعيد تشكيل الكوكب.

والمفارقة أن هذه الحرائق ليست نتاج الطبيعة وحدها، بل هي، إلى حد بعيد، ثمرة عقود من النشاط البشري الذي غير المناخ، وبدل النظم البيئية، وجعل العالم أكثر قابلية للاشتعال.

وفي محاولة لفهم هذا الواقع المتحول، صدرت مجموعة من الكتب في الولايات المتحدة تناولت عصر الحرائق من زوايا معرفية مختلفة، اخترنا منها أربعة كي نسلط عليها الضوء.

فهم السكان الأصليون طبيعة الرياح والرطوبة ودورات نمو النباتات، وتعلموا متى وأين وكيف يشعلون النار كي تحقق فوائدها البيئية

وعلى الرغم من اختلاف منطلقات مؤلفيها وخلفياتهم، فإنها تتكامل في رسم صورة شاملة لعالم باتت الحرائق تشكل إحدى سماته الأساس. فالأنثروبولوجي الأميركي جوردان توماس يقارب الظاهرة من خلال معايشته خطوط النار وما تكشفه من تحولات بيئية وثقافية، بينما يدرس الصحافي الأميركي جاكوب سوبوروف الحرائق بوصفها أزمة تتداخل فيها السياسة والإعلام وإدارة الكوارث. أما الكاتب الأميركي فيليب كونورز، فيدرس العلاقة التاريخية بين الإنسان والبرية، وما طرأ عليها من تغيرات عميقة، في حين يقدم الكاتب والصحافي الكندي جون فاليانت رؤية فكرية أوسع تفسر كيف دخل العالم مرحلة أصبح فيها أكثر هشاشة وقابلية للاشتعال.

عندما يحترق كل شيء: مكافحة الحرائق في عالم متحول

جوردان توماس: الحرق الموجه

في كتابه "عندما يحترق كل شيء: مكافحة الحرائق في عالم متحول"، لا يراقب الأنثروبولوجي الأميركي جوردان توماس الحرائق من بعيد، بل يواجهها مع فرق "الهوتشوت"، وهي وحدات النخبة المتخصصة في مكافحة أكبر حرائق الغابات في ولاية كاليفورنيا. يرى أن إحدى أكبر المغالطات في فهم حرائق كاليفورنيا هي الاعتقاد بأن النار عدو يجب القضاء عليه. ذلك أن كاليفورنيا ليست مجرد أرض تتعرض للحرائق، بل نظام بيئي تطور عبر آلاف السنين متعايشا مع النار. ويشير توماس إلى أن سكان أميركا الأصليين كانوا يقومون بما يعرف بـ"الحرق الخير"، أو "الحرق الموجه". فقد كانوا يشعلون الحرائق عمدا في أوقات محددة وفي ظروف مناخية مدروسة، وكانوا يبقونها منخفضة الشدة كي لا تتحول إلى حرائق مدمرة. وهدفت هذه العملية إلى الحد من تراكم الأعشاب والأغصان الجافة التي تتحول لاحقا إلى وقود يغذي الحرائق الكبرى.

يؤكد توماس أن هذه الممارسات لم تكن بدائية أو عشوائية، بل ثمرة معرفة بيئية تراكمت عبر آلاف السنين، وانتقلت من جيل إلى آخر. فهم السكان الأصليون طبيعة الرياح والرطوبة ودورات نمو النباتات، وتعلموا متى وأين وكيف يشعلون النار كي تحقق فوائدها البيئية من دون أن تخرج عن السيطرة. لكن هذا النظام انهار مع وصول الأوروبيين واستعمار كاليفورنيا. ونتيجة لذلك، بدأت كميات هائلة من الأشجار اليابسة والأغصان والأعشاب الجافة تتراكم في الغابات لعقود طويلة. ثم جاءت سياسات القرن العشرين التي اعتمدت على إخماد جميع الحرائق فور اندلاعها، ففاقمت المشكلة بدلا من حلها، لأن الغابات فقدت الحرائق الصغيرة التي كانت تستهلك الوقود الطبيعي تدريجيا، وأصبحت مهيأة لاندلاع حرائق ضخمة وعنيفة يصعب السيطرة عليها. ولهذا يدعو توماس إلى إعادة النظر في ثقافة مكافحة الحرائق وإلى استعادة علاقة أكثر توازنا معها، من طريق إعادة دمج ممارسات الحرق الموجه الـذي كان يقوم به السكان الأصليون مع علوم إدارة الغابات الحديثة.

العاصفة النارية: حرائق لوس أنجليس الكبرى وبداية عصر الكوارث الأميركي الجديد

جاكوب سوبوروف: تغذية الحرائق بوقود إعلامي

في كتابه "العاصفة النارية: حرائق لوس أنجليس الكبرى وبداية عصر الكوارث الأميركي الجديد"، ينطلق جاكوب سوبوروف من تجربة شخصية، فقد احترق منزل طفولته في حرائق لوس أنجليس عام 2025 لكنه سرعان ما أدرك أن ما شاهده لم يكن خاتمة قصة شخصية محلية، بل بداية نموذج جديد للكوارث. يقول سوبوروف إن ما جعل تلك الحرائق مختلفة لم يكن المناخ وحده، بل اجتماع أربعة عوامل: الاحترار العالمي، تدهور البنية التحتية، التوسع العمراني، والانتشار غير المسبوق للمعلومات المضللة. ففي الوقت الذي كانت فرق الإنقاذ تكافح لإنقاذ السكان، انتشرت عبر وسائل التواصل روايات كاذبة حول أسباب الحرائق وطرق مكافحتها، مما زاد ارتباك الناس وأضعف الثقة بالمؤسسات. ويشير سوبوروف إلى أن بعض السياسيين الأميركيين ساهموا في تأجيج هذا المناخ بنشر معلومات لا تستند إلى حقائق، وهو ما اعتبره نوعا من "إلقاء الوقود الإعلامي على النيران الحقيقية".

يخلص سوبوروف إلى أن حرائق لوس أنجليس ليست استثناء، وإنما هي نموذج لما قد تواجهه مدن كثيرة في العقود المقبلة إذا استمرت الظروف المناخية الحالية في ظل ضعف الإدارة العامة وتراجع الثقة بالمؤسسات.

موسم الحرائق: ملاحظات من برج مراقبة في البرية

فيليب كونورز: النار جزء جوهري من الطبيعة

يخصص فيليب كونورز في كتابه "موسم الحرائق: ملاحظات من برج مراقبة في البرية" مساحة كبيرة لشرح العلاقة المعقدة بين حرائق الغابات وسلامة النظم البيئية، مستندا إلى خبرته العملية كمراقب للحرائق في غابة جيلا الوطنية. ويوضح أن النظرة التقليدية التي تعتبر جميع حرائق الغابات كوارث يجب إخمادها فورا لا تعكس الواقع البيئي في كثير من الغابات، إذ تؤدي الحرائق الطبيعية، خاصة تلك الناتجة من الصواعق، دورا أساسيا في الحفاظ على توازن النظام البيئي. فهي تزيل الأشجار والنباتات الميتة، وتعيد العناصر الغذائية إلى التربة، وتحد من انتشار بعض الآفات والأمراض، كما تهيئ الظروف لنمو نباتات جديدة تعتمد بعض أنواعها على النار لإتمام دورة حياتها.

انتشرت عبر وسائل التواصل روايات كاذبة حول أسباب الحرائق وطرق مكافحتها، مما زاد ارتباك الناس وأضعف الثقة بالمؤسسات

يـذكر كونورز أن الولايات المتحدة تبنت في القرن العشرين سياسة تقوم على إخماد جميع الحرائق بأسرع وقت ممكن، انطلاقا من الاعتقاد بأن النار لا تجلب سوى الدمار للغابات والموارد الطبيعية. إلا أن هذه السياسة أدت، على المدى الطويل، إلى نتائج عكسية، إذ تسبب منع الحرائق الطبيعية في تراكم كميات كبيرة من الأشجار الميتة والأغصان والنباتات الجافة، وهي مواد تشكل وقودا كثيفا يزيد شدة الحرائق المستقبلية ويجعلها أكثر اتساعا ويصعب السيطرة عليها. بالتالي، فإن الحرائق التي كان يمكن أن تبقى محدودة أصبحت أكثر تدميرا بسبب تراكم هذا الوقود عبر عقود من الإخماد المستمر. ومن خلال ربط تجربته الشخصية بتاريخ إدارة الغابات، يبين كونورز أن التحول في فهم دور النار يمثل أحد أهم التطورات في علم البيئة الحديث. فقد أدرك الباحثون ومديرو الغابات أن النار ليست دائما قوة مدمرة، بل عملية طبيعية أسهمت في تشكيل كثير من الغابات عبر آلاف السنين.

طقس النار: قصة حقيقية من عالم أشد حرارة

جون فاليانت: عندما تصبح الحضارة نفسها وقودا للنار

حين اندلع الحريق الهائل الذي دمر مدينة فورت ماكموري الكندية عام 2016، لم ينظر إليه فاليانت في كتابه "طقس النار: قصة حقيقية من عالم أشد حرارة" بوصفه كارثة بيئية أخرى، بل كحدث يكشف عن تحول جذري في علاقة الإنسان بالنار.

يقول جون فاليانت إننا دخلنا عصرا جديدا يمكن أن نسميه عصر "المناخ المجهول" Clima Incognita، وهو مناخ لم يعد يشبه ذلك الذي نشأت في ظله الحضارة البشرية طوال آلاف السنين. لقد تجاوزنا الحدود التي جعلت الطقس والفصول وأنماط الحياة قابلة للتوقع، وأصبحنا نعيش في عالم تتزايد فيه الظواهر المتطرفة. وفي هذا العالم الجديد، لم تعد الحرائق مجرد أحداث طبيعية، بل تحولت إلى كائنات هائلة تكاد تمتلك إرادة خاصة بها.

AP Photo/Noah Berger
رجال إطفاء يحرقون الغطاء النباتي لمنع امتداد حرائق الغابات في ولاية أوريغون الأميركية.

يشبه فاليانت النار بالكائن الحي قائلا إنها، مثل الإنسان، تحتاج إلى الأوكسيجين لكي تعيش وتتنفس وتنمو وتنتشر. وكلما توفر لها الوقود والهواء، ازدادت قوتها وشراستها، حتى تبدو كأنها تبحث عن غذائها باستمرار، فتلتهم الغابات والمنازل والمدن، وتخلق بنفسها نظاما يجعلها أكثر قدرة على البقاء والتمدد. ومع ارتفاع درجات الحرارة الناتج من تغير المناخ، تصبح البيئة بأكملها أشبه بجسد جاف قابل للاشتعال، وتتحول الغابات إلى مخازن هائلة للطاقة الكامنة، لا تحتاج إلا إلى شرارة صغيرة لتطلق قوة تدميرية يصعب إيقافها.

أدرك الباحثون ومديرو الغابات أن النار ليست دائما قوة مدمرة، بل عملية طبيعية أسهمت في تشكيل كثير من الغابات

وهكذا لم يعد الإنسان يواجه حريقا منفردا، بل يواجه نظاما بيئيا جديدا تتفاعل فيه الحرارة والجفاف والرياح والوقود النباتي لتوليد حرائق ذات سلوك غير مألوف، حتى إن رجال الإطفاء والعلماء باتوا يصفون بعضها بأنها حرائق خارجة عن المألوف تولد بروقها ورعودها وصواعقها في إطار طقسها الخاص. والمفارقة المؤلمة أن هذا "الكائن الناري" لم ينشأ من تلقاء نفسه، بل ساهم الإنسان في خلق الظروف المثالية لازدهاره عبر عقود من حرق الوقود الأحفوري وإطلاق غازات الدفيئة.  

 THIBAUD MORITZ / AFP
رجال إطفاء يواجهون حرائق الغابات قرب كوتينياك جنوب شرقي فرنسا.

يؤكد فاليانت أن الأزمة ليست بيئية فحسب، بل سياسية واقتصادية أيضا. فهو ينتقد اعتماد العالم على الوقود الأحفوري، ويقارن سلوك شركات النفط بسلوك شركات التبغ التي أخفت طويلا الأدلة على مخاطر التدخين، معتبرا أن كثيرا من هذه الشركات كانت على علم منذ عقود بالعلاقة بين انبعاثات الكربون وارتفاع درجات الحرارة، لكنها واصلت إنتاج النفط وتسويقه. ورغم الصورة القاتمة، لا يدعو فاليانت إلى الاستسلام بل يرى أن الحرائق الحالية يجب أن تدفع البشرية إلى إعادة التفكير في نموذجها الحضاري، وفي علاقتها بالطبيعة، وأن التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل ضرورة وجودية.

الحرائق مرايا الحضارة

تجمع الكتب الأربعة على أن حرائق الغابات لم تعد مجرد كوارث طبيعية، بل أصبحت مرآة لعلاقة الإنسان المختلة بالطبيعة. إن الرسالة التي تنقلها إلينا هي أن مواجهة حرائق المستقبل لا تعتمد على تطوير وسائل الإطفاء فحسب، بل تتطلب إعادة التفكير في الطريقة التي ندير بها الغابات، ونبني بها المدن، ونخطط لاستخدام الأراضي، ونتعامل بها مع تغير المناخ. فإطفاء الحرائق بعد اندلاعها، مهما بلغت كفاءة فرق الإنقاذ، لن يكون كافيا إذا استمرت الظروف التي تجعل الغابات أشبه بمستودعات ضخمة من الوقود الجاف. والحل يبدأ من خلال الإدارة الوقائية للغابات، واستخدام الحرق الموجه في البيئات المناسبة، والحد من تراكم النباتات الجافة، وإعادة الاعتبار للمعرفة التقليدية التي أثبتت فاعليتها عبر قرون.

REUTERS/Yves Herman
غابة متفحمة بعد حرائق الغابات في منطقة جيروند الفرنسية.

تدعو هذه الكتب أيضا إلى تجاوز النظرة التي ترى الحرائق مشكلة تخص رجال الإطفاء وحدهم. فهي قضية تتداخل فيها علوم المناخ والبيئة والهندسة والأنثروبولوجيا والتخطيط العمراني والسياسات العامة وحتى الثقافة والإعلام.

بات رجال الإطفاء والعلماء يصفون بعض الحرائق بأنها خارجة عن المألوف تولد بروقها ورعودها وصواعقها في إطار طقسها الخاص

فالحرائق الكبرى هي نتيجة سلسلة طويلة من القرارات البشرية أيضا، ولذلك فإن الحد من آثارها يتطلب تعاون العلماء وصناع القرار والسكان المحليين والمجتمعات التي عاشت طويلا في هذه البيئات وراكمت معرفة عملية بكيفية التعايش مع النار. فالنار جزء من الطبيعة، أما الكوارث فغالبا ما تكون نتيجة خيارات بشرية.

 JOSE JORDAN / AFP
آثار الدمار التي خلفتها حرائق الغابات في لا فال دويشو بإسبانيا.

 وكلما ازداد العالم سخونة وجفافا، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحا إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية، ومن محاولة السيطرة المطلقة على الطبيعة إلى بناء علاقة أكثر تواضعا وتوازنا معها. ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي تقدمه تجارب مكافحة حرائق كندا وكاليفورنيا، كما يقول المؤلفون، وهو درس يهم كل مجتمع أصبح يعيش في عصر تتسع فيه رقعة الحرائق عاما بعد آخر.

font change