في حديث خاص مع "المجلة"، قدمت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين آغابكيان شاهين تقييما متزنا وحاسما في آن لموقع القضية الفلسطينية اليوم ومكانتها، وللمسار الذي ينبغي أن تمضي فيه. وتنطلق رؤيتها من فرضية واضحة ومتماسكة، مؤداها أن سلوك إسرائيل منذ توقيع "اتفاقات أوسلو" عام 1993 لم يقتصر على إنهاك عملية السلام، وإنما مضى في تقويضها وتفكيكها بصورة منهجية، عبر إجراءات أحادية متعمدة ومتواصلة.
وتؤكد شاهين أن "اتفاقات أوسلو" في ذاتها لم تكن أصل المشكلة. فالإطار كان سليما، لكن ما أخفق هو الالتزام به، أو بالأحرى الغياب الكامل لهذا الالتزام من الجانب الإسرائيلي. فكل تبدل ديموغرافي، وكل توسع استيطاني، وكل مناورة قانونية في الضفة الغربية المحتلة، يندرج في روايتها ضمن مسعى ممتد لجعل قيام الدولة الفلسطينية متعذرا ماديا وقانونيا. ولم تصنع هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول والحرب على غزة هذا الواقع، وإنما كشفت إلى أي مدى كان قد ترسخ وتجذر.
ومع ذلك، ترفض الوزيرة خطاب الهزيمة. فاعتراف 160 دولة بالدولة الفلسطينية، في تقديرها، حقيقة دبلوماسية لا رجعة فيها، ولا تستطيع أي حكومة إسرائيلية محوها. وبينما تقر بأن القانون الدولي يتعرض اليوم لضغط شديد، فإنها ترفض الاستنتاج القائل بوجوب التخلي عنه. وعلى العكس، ترى أن تآكله يجعل الدفاع عنه أكثر إلحاحا لا أقل. فالعالم بلا قانون دولي، كما تقول بصراحة، عالم يلتهم فيه الأقوياء الضعفاء.
وفي ما يتصل بالأزمة الإقليمية الأوسع المتمثلة في الحرب الإسرائيلية-الأميركية مع إيران، تتحدث الوزيرة بكثير من الحذر والاتزان. فالنزاع المرتبط بإيران، كما تشير، يترك تبعات حقيقية على الفلسطينيين، لا لأن فلسطين طرف فيه، وإنما لأن اشتعال الإقليم كان تاريخيا غطاء لتصعيد الضغوط على الأرض المحتلة. وهي لا تبالغ في عرض هذه النقطة، وإنما تكتفي بتسجيلها والدعوة إلى أن يصغي العالم إليها.
وهنا نص المقابلة كاملة:
* في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة، ثمة خشية من أن تتوارى الضفة الغربية عن الأنظار، فيما تمضي الحكومة الإسرائيلية في إحداث تغييرات بنيوية وقانونية عميقة في التركيبة السكانية والوضع القانوني للأرض المحتلة. هل تعتقدين أن إطار "أوسلو" وحل الدولتين ما زالا قابلين للحياة؟
- ما فتئت إسرائيل تعمل بصورة منهجية على تقويض "مسار أوسلو" منذ عقود، عبر تغييرات ديموغرافية وجغرافية صممت لفرض وقائع على الأرض تجعل حل الدولتين غير قابل للتطبيق. ولم تكن المشكلة في "أوسلو" ذاته أبدا. فقد صيغ هذا الإطار ليكون طريقا إلى السلام. أما الإخفاق، فيكمن في الانتهاك الإسرائيلي المتواصل لكل عنصر من عناصر ذلك المسار على مدى أربعة عقود.
ولم يحدث هذا بين ليلة وضحاها، وإنما جاء نتيجة تآكل تراكمي. ولا يعني ذلك أن الفكرة التي قام عليها "أوسلو" كانت خاطئة، وإنما يعني أن التنفيذ تعرض لتقويض قاتل بفعل الإجراءات الأحادية التي اتخذتها الدولة القائمة بالاحتلال. ولا يزال "أوسلو" اتفاقا ملزما بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل. لكن بعدما خنقت إسرائيل هذا المسار، صرنا نبحث عن مسارات أخرى. نحن نعمل على تدويل القضية على أوسع نطاق ممكن، ونسعى إلى توسيع الاعتراف بدولة فلسطين، ونرحب بإعلان نيويورك وبالتحالف العالمي من أجل حل الدولتين، كما نضغط في اتجاه إجراءات مساءلة لم يكن "أوسلو" قادرا على توفيرها. فقد منحت إسرائيل حصانة من المحاسبة في ظل "أوسلو"، ولهذا استمرت من دون رادع.


