إيران بين عقيدة نتنياهو ولحظة ترمب

وصلت القوة الضاربة الأميركية تتقدمها حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، إلى بحر العرب على قرب إيران... هل الهدف الضغط أم الضربة؟

رويترز
رويترز
رجل يسير في أحد شوارع طهران، إيران، 24 يناير2026

إيران بين عقيدة نتنياهو ولحظة ترمب

بعدما اهتزت إيران تحت وطأة موجة من الاضطرابات الشعبية، راقبت إسرائيل والولايات المتحدة الموقف عن بُعد. ما بدأ باحتجاجات لتجار البازار في طهران اعتراضا على انهيار الريال، تطور إلى واحدة من أعنف موجات العنف منذ ثورة عام 1979. وتشير بعض التقديرات إلى مقتل ما بين خمسة آلاف واثني عشر ألف إيراني خلال حملة قمع واسعة النطاق، ما زعزع النظام ودفعه إلى فرض حجب شامل للإنترنت لمدة أسبوع، إلى جانب نشر قوات عسكرية في أنحاء البلاد.

غير أن أهمية هذه اللحظة لا تتأتّى من اتساع رقعة الاضطرابات وحده، فإيران شهدت في السابق انتفاضات أوسع وأكثر صمودا، بل تنبع من البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. إذ تقف "الجمهورية الإسلامية" على عتبة مشهد استراتيجي مختلف جذريا. فقد تعرضت عقيدة الدفاع الأمامي، المعروفة بـ"محور المقاومة"، لضربات أخرجتها إلى حد بعيد من معادلة القدرة على التأثير، كما دُمرت الدفاعات الجوية الإيرانية خلال حرب استمرت اثني عشر يوما مع إسرائيل. وما فاقم المخاوف أن ترمب أبدى استعدادا واضحا لمواجهة إيران مباشرة حين قصف العام الماضي مواقع نووية إيرانية، ثم عزز الرسالة بخطوة لا لبس فيها عندما انتزع حليف طهران نيكولاس مادورو من سريره في كاراكاس.

ومع تصاعد الاحتجاجات، دعا الرئيس الأميركي الإيرانيين إلى الاستمرار في التظاهر، محذرا من احتمال استخدام القوة. وعلى الرغم من أنه ألمح لاحقا إلى احتمال تغير في الموقف ثم قال إن الإعدامات "توقفت"، مشيرا إلى أن الحملة القمعية الوحشية "تتوقف"، فقد أوضح في الوقت ذاته أن الخيار العسكري لا يزال مطروحا.

وتشتد هذه الضغوط بفعل تحول عميق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي نفسه. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تخلت إسرائيل عن منطق إدارة الصراع وعن عقيدة "الحملة بين الحروب" التي قامت على مبدأ الاحتواء والتصعيد المحسوب. أصبحت الحروب تُخاض فعلا، ولم يعد نطاق الدفاع عن البلاد في التصور الإسرائيلي يمر عبر حدودها، بل بات يمتد إلى عمق أراضي الخصوم. ولم تعد إسرائيل تكتفي بتحقيق مكاسب تكتيكية مثل تدمير مستودع أسلحة هنا أو اغتيال عالم نووي هناك، بل باتت تتطلع إلى هدف أشد طموحا يتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر الدفع نحو انهيار الجمهورية الإسلامية نفسها. وترى إسرائيل أن نظاما إيرانيا أنهكه الانهيار الاقتصادي والإهانة العسكرية والعزلة الإقليمية يمكن دفعه إلى حافة السقوط إذا مورِس عليه الضغط بدقة وفي التوقيت الملائم تماما.

سؤال الكتلة الحرجة

ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات وضخامة حملة القمع الإيرانية، فإن ما يميز الموجة الراهنة عن سابقاتها هو أنها تجري على خلفية هشاشة واضحة في بنية النظام. ففي أعوام 2009 و2018 و2022–2023، واجه المحتجون سلطة لا تزال تحظى باحترام إقليمي وتبث هالة من القوة. أما اليوم، فهم يقفون أمام حكومة أُهينت علنا، تراجعت قدراتها العسكرية، وتصدعت مكانتها الإقليمية. وهذا التحول يبدل حسابات المحتجين وأجهزة الأمن معا.

ومع ذلك، يبقى السؤال: هل بلغت هذه الاضطرابات الكتلة الحرجة القادرة على إسقاط النظام؟ بعد حملة القمع الكبيرة، كان الجواب على الأرجح لا، إذ لم تُظهر المقاطع المصورة سوى مئات، وربما بضعة آلاف من المتظاهرين في كل مرة.

بصفته "صانع الصفقات الأول"، يتعامل الرئيس ترمب مع القوة لا كأداة للغزو، بل كورقة ضغط، وإشارة درامية تهدف إلى تغيير سلوك الخصم عبر الإكراه والإقناع، لا عبر الهزيمة الكاملة

قبل ذلك، لا شك أن المشهد كان قد تبدل جذريا في تلك الليلة بعد دعوة رضا بهلوي، نجل شاه إيران، إلى التظاهر. خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين في كبريات المدن، بينها طهران ومشهد، في مشهد لم يُر منذ عام 2022، وربما منذ عام 2009 خلال احتجاجات الحركة الخضراء التي حشدت الملايين. لقد تحول الحراك بوضوح إلى ما يمكن أن يشكل خطرا على النظام. بعد ذلك، أظهرت المقاطع الواردة من إيران مشاهد لم تُشهد منذ عام 2009: آلاف يعودون إلى الشوارع ليلة بعد ليلة رغم ارتفاع عدد القتلى. وقد استدعى النظام كامل ترسانته المضادة للثورات. حاول الرئيس بزشكيان بداية تهدئة المحتجين عبر مناشدات وتنازلات محدودة، لكن "المرشد" علي خامنئي أغلق سريعا هذه النافذة القصيرة، ووصم المتظاهرين بالإرهابيين والعملاء. وسرعان ما التزم الرئيس بزشكيان الخط نفسه مع شروع الدولة في خنق الإنترنت وشن حملة قمع واسعة هدفها الجرح والقتل والترهيب. كما حشد النظام قاعدته الشعبية، فنظم تجمعات مضادة ضخمة لطمس صوت الاحتجاجات وإظهار استمرار شرعية الجمهورية الإسلامية.

هذا السباق لخنق الحركة لم يهدف إلى إخماد الاضطرابات داخليا فحسب، بل تحركه أيضا عوامل خارجية، وفي مقدمها العامل المتعلق بالرئيس ترمب.

عامل ترمب: الردع الغامض

من الممكن أن تكون دعوة بهلوي أحد أبرز العوامل التي فجرت عقودا من الغضب المكبوت ضد "الجمهورية الإسلامية"، لكن لا ينبغي إغفال تأثير لاعب آخر لا يقل أهمية: الرئيس ترمب. فقرار الرئيس توجيه تهديد علني لإيران ربما آخر رد النظام العنيف ومنح المحتجين أملا في أن واشنطن لن تقف متفرجة. والتهديد حقيقي، إذ أثبت الرئيس ترمب استعداده لاتخاذ خطوات تترجم أقواله إلى أفعال.

أ.ف.ب
ترمب يستقبل ونتنياهو في البيت الأبيض في واشنطن العاصمة في 29 سبتمبر 2025

فخلال عملية "مطرقة منتصف الليل" في يونيو/حزيران الماضي، قرر الرئيس الأميركي الانضمام إلى إسرائيل في ضرب منشآت إيران النووية. ولم تكن تلك سوى واحدة من سلسلة قرارات، بينها قتل قاسم سليماني، واستهداف بشار الأسد في سوريا، ومؤخرا اعتقال مادورو في فنزويلا، تؤكد أن ترمب وإن كان لا يحب الحروب، فهذا لا يعني أنه ينفر من استخدام القوة. وتعتمد إدارة ترمب خطابا متحديا، مؤكدة أن الرئيس رجل يفي بكلمته. وقد ورد في أحد منشورات البيت الأبيض مؤخرا: "العب وسترى النتيجة". سواء كان ذلك استعراضا أم لا، فثمة أسباب تدعو للاعتقاد بأن التهديد ليس مجرد خدعة، وهذا بحد ذاته أمر مهم.

وبصفته "صانع الصفقات الأول"، يتعامل الرئيس ترمب مع القوة لا كأداة للغزو، بل كورقة ضغط، وإشارة درامية تهدف إلى تغيير سلوك الخصم عبر الإكراه والإقناع، لا عبر الهزيمة الكاملة. وهو يميل إلى استخدامها بسرعة وبأسلوب استعراضي، على طريقة الضرب والانسحاب، تجنبا للانخراط الطويل. لكن هذا النهج يضيق خياراته في إيران، حيث قد يتطلب تغيير النظام أو الضغط المستمر التزاما طويل الأمد. ومع ذلك، فإن سلسلة محدودة من الضربات الأميركية ضد أجهزة الأمن الرئيسة قد تكون كافية لإضعاف قدرة "الجمهورية الإسلامية" على قمع الاحتجاجات. وحتى من دون تنفيذ أي ضربة، فإن مجرد احتمال تدخل ترمب، كان قد عطل آلة القمع المحكمة للنظام، وفرض عليه التأخير والتردد وإعادة الانتشار بتكاليف عالية.

على الرغم من حديث النظام الإيراني المتكرر عن "متسللي الموساد"، لم يقدم جهاز الاستخبارات الإسرائيلي على أي عمليات دراماتيكية. فلا نشهد موجة اغتيالات، ولا انفجارات غامضة

لكن المشهد تبدل منذ ذلك الحين. فقد يكون العامل الذي نجح في البداية في كبح رد النظام قد انتهى ربما إلى تسريع وتيرته في الواقع. ومع إدراك طهران أن ترمب قد يتدخل، ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، تحركت إيران بسرعة أكبر لقمعها. والهدف واضح: ضمان أن تكون حركة الاحتجاج قد خمدت بحلول الوقت الذي قد يقرر فيه ترمب توجيه ضربة، وبالتالي إسقاط المبرر لأي تدخل أميركي.

هل نجح ذلك؟ لقد توقفت مقاطع الاحتجاجات عن الوصول إلى العالم الخارجي بعد أن بدا أن "الجمهورية الإسلامية" عطلت خدمة "ستارلينك"، شبكة الأقمار الاصطناعية التي سمحت لبعض الإيرانيين بتجاوز قطع الإنترنت. وبعد رسائل أوحت بأن ضربة أميركية وشيكة، يبدو أن ترمب تراجع الآن. والسؤال هو ما إذا كان هذا التراجع مجرد مناورة لشراء الوقت وحشد مزيد من القدرات في المنطقة، أم إنه تراجع حقيقي نابع من تقدير بأن الضربة لن تسقط النظام.

حسابات إسرائيل

الطرف الآخر الذي يراقب المشهد عن كثب هو إسرائيل، التي تستثمر في هشاشة إيران الراهنة مستخدمة مزيجا معقدا من الأدوات. فعلى مستوى أول، هناك الضغط الدبلوماسي العلني، من خلال تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الداعمة للمحتجين الإيرانيين، وبيانات مكتبه التي تقول إن "إسرائيل تتماهى مع نضال الشعب الإيراني". وتؤدي هذه المواقف أدوارا متعددة، فهي تبعث برسالة للإيرانيين بأنهم ليسوا وحدهم، وتربك النظام، وتمهد لخطوات لاحقة محتملة.

أ.ب
متظاهر يحرق ملصقًا مشوهًا للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي خلال مسيرة دعم للاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران، أمام السفارة الإيرانية في سانتياغو، تشيلي، 20 يناير2026

وبالطبع يمكن القول إن انخراط إسرائيل يسهل مهمة الجمهورية الإسلامية عبر إتاحة الفرصة لها لتصوير الاحتجاجات على أنها مؤامرة خارجية يديرها خصمها الأول. غير أن القادة الإسرائيليين يتعاملون مع هذا الاعتراض بوصفه غير ذي صلة، إذ يفترضون أن طهران كانت ستوجه الاتهام نفسه مهما فعلت إسرائيل. فاتهام "الموساد" بإثارة الاضطرابات الداخلية لم يعد كشفا، بل أصبح رد فعل تلقائيا. أما الذين يصرون على أن الغضب الشعبي "مصطنع"، فهم إما سذج، أو يروجون بسخرية لرواية تخدم رؤيتهم المسبقة للعالم.

يبقى السؤال: ما الذي يمكن أن تفعله إسرائيل أكثر؟ لقد أظهرت قدرتها على العمل داخل إيران خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوما، حيث استخدم عملاء "الموساد" لتعطيل الدفاعات الجوية الإيرانية وشل قدرة طهران على إطلاق وابل ضخم من الصواريخ الباليستية على إسرائيل. ومنذ حرب يونيو/حزيران، باتت الدفاعات الجوية الإيرانية في حالة خراب، ما يتيح لإسرائيل، إذا شاءت، العمل شبه يومي في الأجواء الإيرانية. وهذا يمنحها هامشا من حرية الحركة، ومساحة بين العمل المباشر العلني الذي قد يشعل حربا، وبين ضربات دقيقة يمكن أن تضعف النظام في أي صراع مقبل، أو تعرقل قدرته على قمع الاحتجاجات.

ومع ذلك، وعلى الرغم من حديث النظام الإيراني المتكرر عن "متسللي الموساد"، لم يقدم جهاز الاستخبارات الإسرائيلي على أي عمليات دراماتيكية. فلا نشهد موجة اغتيالات، ولا انفجارات غامضة. وقد يكون هذا "الصمت" مؤشرا إلى أن إسرائيل لا ترغب في خوض حرب مع إيران، لكنه قد يكون أيضا دليلا على أنها تنتظر اللحظة التي تكون فيها جاهزة تماما، وربما بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

إدارة ترمب تميل حاليا إلى تفضيل الفعل على الامتناع، على الأقل في خطابها. وقد تكون إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة، مدركة أن ترمب يريد استخداما سريعا للقوة، لا حملة طويلة

لكن لا يعني تجدد "حرية العمل" لدى إسرائيل أنها تعتقد أنها تتحكم بمصير النظام. فما يجري داخل إيران سيقرره الإيرانيون أنفسهم. بل إن حربا شاملة قد تأتي بنتائج عكسية بالنسبة لإسرائيل، لأنها قد توقف الاحتجاجات بدلا من تسريعها. فكثير من الإيرانيين الذين قد يكونون مفاتيح لأي تحول ثوري، خصوصا أبناء الطبقة الوسطى المتحفظون الذين لديهم ما يخسرونه، قد يحجمون عن النزول إلى الشارع إذا كانت الطائرات الإسرائيلية تحلق فوق رؤوسهم والبلاد تستعد للقصف.

وقد تختار إسرائيل توجيه ضربة، لكنها تملك دوافع لجعل أي حملة قصيرة، عملية تهدف إلى ترجيح الكفة، لا مواجهة واسعة النطاق توحد الجمهور خلف النظام وتخنق المعارضة. وبالطبع قد يأتي التدخل متأخرا جدا، في ظل حملة القمع الواسعة التي تشنها الجمهورية الإسلامية واستعدادها لاستخدام مستويات غير مسبوقة من العنف.

أ.ف.ب
مسيرة احتجاجية لأبناء الجالية الايرانية تحت عنوان "التضامن مع الشعب الإيراني" أمام مبنى البلدية في لوس أنجلوس، كاليفورنيا في 18 يناير 2026

أما ما تستطيع إسرائيل فعله على نحو أفضل، فهو إقناع الرئيس ترمب بتنفيذ تهديداته، وفي توقيت يضمن أقصى قدر من التأثير، سواء عبر حملة واسعة من الضربات الجوية ضد أجهزة الأمن الإيرانية، أو ضربة استئصالية، أو كلتيهما.

وكما ذُكر، فإن إدارة ترمب تميل حاليا إلى تفضيل الفعل على الامتناع، على الأقل في خطابها. وقد تكون إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة، مدركة أن ترمب يريد استخداما سريعا للقوة، لا حملة طويلة. إقناع الإدارة الأميركية سيفتح الباب أمام سلسلة أوسع من الضربات، مقرونة بتهديد بتحويل هذه الحملة القصيرة إلى هجوم أطول ضد النظام. هل سيكون هدفه هذه المرة ليس إزالة التهديد النووي، بل إزالة النظام نفسه؟

font change

مقالات ذات صلة