بعدما اهتزت إيران تحت وطأة موجة من الاضطرابات الشعبية، راقبت إسرائيل والولايات المتحدة الموقف عن بُعد. ما بدأ باحتجاجات لتجار البازار في طهران اعتراضا على انهيار الريال، تطور إلى واحدة من أعنف موجات العنف منذ ثورة عام 1979. وتشير بعض التقديرات إلى مقتل ما بين خمسة آلاف واثني عشر ألف إيراني خلال حملة قمع واسعة النطاق، ما زعزع النظام ودفعه إلى فرض حجب شامل للإنترنت لمدة أسبوع، إلى جانب نشر قوات عسكرية في أنحاء البلاد.
غير أن أهمية هذه اللحظة لا تتأتّى من اتساع رقعة الاضطرابات وحده، فإيران شهدت في السابق انتفاضات أوسع وأكثر صمودا، بل تنبع من البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. إذ تقف "الجمهورية الإسلامية" على عتبة مشهد استراتيجي مختلف جذريا. فقد تعرضت عقيدة الدفاع الأمامي، المعروفة بـ"محور المقاومة"، لضربات أخرجتها إلى حد بعيد من معادلة القدرة على التأثير، كما دُمرت الدفاعات الجوية الإيرانية خلال حرب استمرت اثني عشر يوما مع إسرائيل. وما فاقم المخاوف أن ترمب أبدى استعدادا واضحا لمواجهة إيران مباشرة حين قصف العام الماضي مواقع نووية إيرانية، ثم عزز الرسالة بخطوة لا لبس فيها عندما انتزع حليف طهران نيكولاس مادورو من سريره في كاراكاس.
ومع تصاعد الاحتجاجات، دعا الرئيس الأميركي الإيرانيين إلى الاستمرار في التظاهر، محذرا من احتمال استخدام القوة. وعلى الرغم من أنه ألمح لاحقا إلى احتمال تغير في الموقف ثم قال إن الإعدامات "توقفت"، مشيرا إلى أن الحملة القمعية الوحشية "تتوقف"، فقد أوضح في الوقت ذاته أن الخيار العسكري لا يزال مطروحا.
وتشتد هذه الضغوط بفعل تحول عميق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي نفسه. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تخلت إسرائيل عن منطق إدارة الصراع وعن عقيدة "الحملة بين الحروب" التي قامت على مبدأ الاحتواء والتصعيد المحسوب. أصبحت الحروب تُخاض فعلا، ولم يعد نطاق الدفاع عن البلاد في التصور الإسرائيلي يمر عبر حدودها، بل بات يمتد إلى عمق أراضي الخصوم. ولم تعد إسرائيل تكتفي بتحقيق مكاسب تكتيكية مثل تدمير مستودع أسلحة هنا أو اغتيال عالم نووي هناك، بل باتت تتطلع إلى هدف أشد طموحا يتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر الدفع نحو انهيار الجمهورية الإسلامية نفسها. وترى إسرائيل أن نظاما إيرانيا أنهكه الانهيار الاقتصادي والإهانة العسكرية والعزلة الإقليمية يمكن دفعه إلى حافة السقوط إذا مورِس عليه الضغط بدقة وفي التوقيت الملائم تماما.
سؤال الكتلة الحرجة
ورغم اتساع رقعة الاحتجاجات وضخامة حملة القمع الإيرانية، فإن ما يميز الموجة الراهنة عن سابقاتها هو أنها تجري على خلفية هشاشة واضحة في بنية النظام. ففي أعوام 2009 و2018 و2022–2023، واجه المحتجون سلطة لا تزال تحظى باحترام إقليمي وتبث هالة من القوة. أما اليوم، فهم يقفون أمام حكومة أُهينت علنا، تراجعت قدراتها العسكرية، وتصدعت مكانتها الإقليمية. وهذا التحول يبدل حسابات المحتجين وأجهزة الأمن معا.
ومع ذلك، يبقى السؤال: هل بلغت هذه الاضطرابات الكتلة الحرجة القادرة على إسقاط النظام؟ بعد حملة القمع الكبيرة، كان الجواب على الأرجح لا، إذ لم تُظهر المقاطع المصورة سوى مئات، وربما بضعة آلاف من المتظاهرين في كل مرة.


