برتراند بادي يفكك الهندسة الاجتماعية والسياسية لاحتجاجات إيران (1-2)

المفكر الفرنسي من أصل إيراني لـ"المجلة": الطبقة الوسطى محورية، والخيار الإصلاحي هو الأضعف... ماذا عن التدخل الأميركي وسيناريو الانقلاب؟

فيسبوك
فيسبوك
المفكر الفرنسي من أصل إيراني برتراند بادي

برتراند بادي يفكك الهندسة الاجتماعية والسياسية لاحتجاجات إيران (1-2)

باريس- أسئلة كثيرة حملناها إلى أشهر علماء السياسة في فرنسا، الأستاذ الفخري في "معهد باريس للدراسات السياسية"، برتراند بادي (Bertrand Badie). فالأزمات المعقدة التي يشهدها العالم والمتغيرات التي يواجهها النظام الدولي تحت وطأة هذه الأزمات واندفاعة أميركا دونالد ترمب للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة على المسرح الدولي، كل ذلك يدفع إلى البحث عن أجوبة عن مستقبل العالم والنظام الدولي.

ولذلك كان لا بد من اللقاء مع برتراند بادي الذي نشر في 14 يناير/كانون الثاني الجاري كتابه: "ما وراء القوة والحرب.. الطاقة الاجتماعية الغامضة"، والذي يبين فيه كيف أن "الطاقة الاجتماعية" تلعب دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل العالم والسياسات الدولية.

لكن ليس هذا وحسب ما دفعنا إلى الحوار مع بادي، فأصوله الإيرانية وحفاظه على العلاقة مع بلده الأم واطلاعه عن قرب على تحولاته والمخاطر التي يواجهها، سبب كاف جدا للقائه الآن في محاولة لفهم الحدث الإيراني المفتوح على شتى السيناريوهات.

أكثر ما يركز عليه بادي في قراءته للاحتجاجات الحالية في إيران، هو أن دوافعها اقتصادية- اجتماعية ومن جانب الطبقة الوسطى تحديدا. يقول: "إذا أفضى الحراك في النهاية إلى نتيجة، فسيكون ذلك عائدا بالدرجة الأولى إلى أنه حراك الطبقة الوسطى".

سألناه: بماذا تختلف هذه الاحتجاجات عن سابقاتها؟ وعن الاستراتيجية الأميركية الحالية للتعامل مع الملف الإيراني؟ وعن احتمال أن يتكرر "نموذج فنزويلا" في إيران؟

إحدى خلاصاته أن "الخيارات الإصلاحية ليست هي التي تملك أكبر فرص النجاح. عندما نكون في وضع خطر مرتفع، فإن ما يسود هو السلوك القمعي، الذي لا ينسجم مع دينامية إصلاح توافقي مقبول من الجميع".

ماذا قال عن مخاطر الفوضى واحتمالات التقسيم في إيران، عن إصلاح النظام من الداخل، وعن احتمال حدوث انقلاب عسكري؟

الإجابات في الحوار التالي:

* هل هناك خطر حقيقي برأيكم لسقوط النظام؟ هل إيران ضعيفة من الداخل إلى الحد الذي يمكن أن يؤدي إلى انهيار النظام؟

- بلا شك، الخطر موجود. لأننا نشعر أن القاعدة الاجتماعية للنظام الإيراني أصبحت أكثر هشاشة، ولكنها أيضا ليست منعدمة. وهنا تكمن كل تعقيدات الوضع. فهذا النظام لا يزال يملك مؤيديه، لأنه عرف أيضا كيف يُنشئ شبكة كاملة تربط جزءا من السكان، وديمومة هذا الجزء من السكان، بعمل النظام السياسي الإيراني نفسه. كما أن لديه قدرة قمعية قوية للغاية، لأن "الحرس الثوري" على وجه الخصوص يحتل في هذا النظام مكانة مهمة تتجاوز بكثير وظائفه العسكرية والأمنية، إذ إن له أيضا وظائف اقتصادية تمنحه موارد حقيقية داخل البلاد.

لكننا نعيش زمنا حيث الأنظمة تستطيع أن تصمد أمام هجمات خارجية، ويمكنها أيضا أن تصمد أمام إخفاقات سياسية داخلية، لكنها تجد صعوبة متزايدة في الصمود أمام الطاقة الاجتماعية، وقد كرست لهذا الأمر كتابي الأخير. لذلك، فالأمر يكاد يكون مسألة توازن قوى: أيهما سيكون الأكثر حسما في إيران، الطاقة الاجتماعية أم القدرة القمعية؟

ومن هذه الزاوية، أعتقد أن المقارنة مع زمن "الربيع العربي" قوية جدا، حيث كان هناك سيناريو مشابه. ففي فترة "الربيع العربي"، كانت الأنظمة المهددة تمتلك قدرة قمعية جرى استخدامها بدرجات متفاوتة. فقد استخدمها النظام البعثي في سوريا، مما أدى إلى احتواء الحركة الاجتماعية. أما نظاما حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، فلم يتمكنا من تعبئة هذه القدرة القمعية بشكل كامل، فسقطا.

إضافة إلى ذلك، في إيران كما في البلدان العربية آنذاك، لم تكن حركات التعبئة هذه تملك قائدا، ولا تنظيما، ولا عقيدة واضحة، وكانت تتغذى في الوقت نفسه على المعاناة الاجتماعية وعلى التواصل الاجتماعي المعمم. وهذان هما الوقودان الأساسيان للتعبئة في إيران.

أعتقد أن النظام لم يكن يوما بهذه الهشاشة، لأنه ضحية التآكل، وهو بالدرجة الأولى ضحية عجزه عن تجديد نفسه

فالمعاناة الاجتماعية كبيرة جدا، وترتبط أولا وقبل كل شيء بوضع اقتصادي كارثي تماما. فسعر البيضة اليوم يعادل السعر الذي كان يُشترى به سيارة في بداية القرن. لا ينبغي أن ننسى ذلك. وما هو مهم جدا، هو التحول نحو الهشاشة والمعاناة الاقتصادية، ليس فقط لدى الفئات الأكثر فقرا، بل أيضا لدى الطبقات الوسطى الإيرانية.

وفي حال أفضى هذا الحراك في النهاية إلى نتيجة، فسيكون ذلك عائدا بالدرجة الأولى إلى أنه حراك الطبقة الوسطى. وهو يشبه في ذلك أيضا الربيع العربي، وهو من هذه الزاوية يشكل تهديدا للنظام. لكن، مرة أخرى، فالأمر مسألة توازن شديد الصعوبة بين القدرات القمعية والطاقة الاجتماعية، أكثر بكثير من كونه مرتبطا بأخذ التدخلات الخارجية بعين الاعتبار، والتي قد تتحول، على نحو مفارِق، إلى طوق نجاة للسلطة الإيرانية. لأن اللعب على وتر التهديد الخارجي لردع الناس عن النزول إلى الشارع أكثر فعالية من الإعلان من الخارج عن نية التدخل، وهو ما يؤدي بالأحرى إلى تخويف المتظاهرين.

* بماذا تختلف هذه الاحتجاجات عن سابقاتها؟ وهل يمكن أن تعود الأمور في إيران إلى الوراء بعد هذه الاحتجاجات؟

- إذن، قبل الحديث عن الاختلاف، لا بد أولا من الحديث عن أوجه الشبه، لأن هناك استمرارية. لا تنسوا أبدا أن إيران، فارس، تشكّل البلد الذي يمتلك أقدم وأعمق تقليد ثوري، وهو تقليد منقوش في أسطورته الوطنية، في "الشاهنامه" للفردوسي، حيث يُعدّ فريدون بطلا وطنيا لأنه تحدّى "الضحّاك"، ذلك الوحش المستبد الذي كان يتغذّى على أدمغة الشباب. إذن، هناك في المخيال الفارسي هذه الإحالة إلى الثورة، والتي انطلقت مع الثورة الدستورية في مطلع القرن العشرين، وظهرت مجددا في عام 1979 عندما أُطيح بالشاه، ثم عادت بشكل دوري في عام 2009 مع الحركة الخضراء، ثم لاحقا في عام 2022 مع حركة "زن، زندگي، آزادي". إذن، هناك هذا التقليد في إيران، وهو تقليد ممتد.

أ.ف.ب
أميركيون من أصل إيراني في مسيرة احتجاجية تكريمًا لآلاف المتظاهرين الذين قُتلوا في إيران، أمام البيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 16 يناير 2026

أما ما يميز هذه الاحتجاجات فأقول إن هناك على الأرجح ثلاث نقاط تميزها. أولا، كما قلت سابقا، هي مظاهرات ناتجة عن معاناة اقتصادية. في عام 2009، كان الناس يتظاهرون لأنهم اعتبروا أن الانتخابات مزوّرة. في عام 2022، لأن حقوق النساء لم تكن محترمة. أما الآن، فهي فعلا انتفاضة جوع.

وقد أظهر التاريخ أن هذا النوع من الانتفاضات هو الذي، عموما، يفضي إلى النتائج الأكثر حسما. لأنه عندما يجوع الإنسان، يكون مستعدا للمخاطرة بكل شيء، لأنه، نوعا ما، لم يعد لديه ما يخسره. هذه هي النقطة الأولى.

النقطة الثانية، هي بطبيعة الحال السياق الدولي. أي إن هذه المظاهرات تجري داخل شرق أوسط مضطرب بالكامل، في سياق تهديدات خارجية بالتدخل، وهي في الواقع أكثر من مجرد تهديدات. نرى بوضوح نشاط الأجهزة الإسرائيلية داخل إيران، ونرى بوضوح الضغط الممارس مباشرة من الولايات المتحدة، والمفارقة أن هذا يضرّ بالحراك الحاصل، لأنه يمنح مبررات للقمع الحكومي، ولأنه يثير الخوف.

فالاتصالات التي كانت لي مع الإيرانيين اليوم تتمحور حول سؤال واحد: "ماذا سيحدث إذا وقعت الحرب بين إسرائيل وإيران؟". أعتقد أنه، وفق معرفتي التاريخية والمقارنة بالحركات الثورية، لم يتشكّل أيّ تحرك ثوري في التاريخ تحت تهديد اللعبة الدولية بهذا الشكل.

ثم هناك الفرق الثالث، أو الخصوصية الثالثة، وهي حالة النظام. أعتقد أن النظام لم يكن يوما بهذه الهشاشة، لأنه ضحية التآكل، وهو بالدرجة الأولى ضحية عجزه عن تجديد نفسه. عندما تم انتخاب الرئيس مسعود بزشكيان في يوليو/تموز 2024، كان من اللافت أنه انتُخب في مواجهة سياسي محافظ هو سعيد جليلي. ونحن نعلم أن الانتخابات في إيران تخضع لرقابة سلطة المرشد علي خامنئي.

إذا تدخلت الولايات المتحدة، فأعتقد أنها ستتدخل عبر ضربات لا تعرّض "أبناءها" للخطر، وليس عبر تدخل بري

إذن السماح بانتخاب إصلاحي في مواجهة محافظ كان على الأرجح لأن النظام كان يسعى إلى إعطاء قليل من الأكسجين، بعد اضطرابات خريف 2022، لهذه الجمهورية الإسلامية، وربما إلى إصلاحها. كان هناك بالفعل أمل حقيقي في رؤية شخص مثل بزشكيان باعتبار أنه يمكن أن يعيد إنتاج ما كان عليه الإصلاحيون في زمن سابق، مثل الرئيس محمد خاتمي والرئيس حسن روحاني، أي كل هؤلاء رجال الدين من الإصلاحيين.

بزشكيان ليس رجل دين، لكنه إصلاحي، ويجب الاعتراف بأن انتخابه لم يفضِ إلى شيء. ولم يفضِ إلى شيء على الأرجح بسبب عجز داخلي، لا أنكره، ولكن أيضا لأن الضغط الدولي منع هذا النظام فعليا من أن يُصلح نفسه، ولم يمنحه تلك الفرصة للتنفّس القادمة من الخارج.

النتيجة، أننا أمام نظام سياسي إيراني لا مثيل له، في حالة الشلل، وفي حالة التخشّب، وفي عجزه عن الإصلاح. لكن التاريخ أظهر أيضا أنه عندما لا يعرف نظام ما كيف يُصلح نفسه، فإنه ينغلق في تشدّدات سلطوية. وهنا كان القمع هائلا، وأدّى على الأرجح إلى سقوط آلاف القتلى، ولذلك لا يمكن العثور على ما يشبه احتجاجات 2026 مقارنة بعامي 2009 أو 2022.

رويترز
سيارات محترقة ملقاة على الطريق في مكان يُعتقد أنه طهران، إيران، 10 يناير 2026

* طالما تحدثتم عن التدخلات الخارجية، ما هي برأيكم الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران حاليا؟ وإذا كانت هناك استراتيجية واضحة. هل تتوقعون هجوما عسكريا، وربما سيناريو شبيها بفنزويلا، بحيث تؤدي أي عملية عسكرية إلى إعادة ترتيب هيكل السلطة؟ أم تتوقعون انطلاق مسار تفاوضي بين النظام والولايات المتحدة؟ وهل يمكن أن يؤدي هذا التفاوض إلى تغيير ما داخل النظام؟

- إذن، أولا، أنتم محقون في التساؤل عمّا إذا كانت هناك عقيدة أميركية تجاه إيران أو لا. لا توجد عقيدة ترمبية. ترمب ليس منظّرا في العلاقات الدولية، ولا يمتلك خطا ثابتا. إنه رجل ردود أفعاله دائما غريزية، يثق بحدسه الشخصي، ومتقلّب جدا، أي إنه يغيّر وجهة نظره بسهولة شديدة وبسرعة كبيرة.

والآن، بدل أن أبدأ بتحليل استراتيجية يُفترض أنها محددة سرا منذ فترة، أفضل أن أنطلق من القيود التي تُمارَس على دونالد ترمب حاليا. فالميثاق الترمبي مع ناخبيه يقوم على فكرتين متناقضتين تماما، وهو أسير لهما.

من جهة، هناك الرغبة في إعادة الفخر والهيمنة إلى الشعب الأميركي، شعار "لنجعل أميركا عظيمة من جديد"، وهو شعار مفهوم تماما في السياقات الشعبوية، حيث تشعر فئات من الشعب الأميركي بالإحباط وخيبة الأمل وبالتراجع، فتطالب بعودة القوة الأميركية. وهذا بطبيعة الحال يدفع نحو التدخل.

لكن في الوقت نفسه، لدى ناخبي ترمب أنفسهم رغبة في التوقف عن تحمّل المخاطر ودفع الأكلاف في الساحات الخارجية، سواء الأكلاف الاقتصادية أو البشرية. وبالتالي، فإن الرئيس الحالي للولايات المتحدة مطالب بتلبية توقعين متناقضين تماما، ليس فقط داخل المجتمع الأميركي، بل داخل قاعدته الانتخابية نفسها.

أي إظهار القوة، لكن من دون استخدامها كثيرا. وأعتقد أن هذه هي الصورة الأدق للمأزق الأميركي ولحيلة دونالد ترمب في سياسته الخارجية، والتي تقوم على إظهار القوة من أجل استعادة صورة الهيمنة الأميركية المرتبطة بزمن الحرب الباردة، مع الحرص على أن لا يؤدي عرض العضلات إلى أثمان كبيرة.

وعندما تكون هناك ضربات، فهذا يعود إلى فكرة أميركية قديمة تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، أي إلى نهاية الحرب الباردة نفسها، وكانت تُعرف بـ"الثورة العسكرية"، والتي تقوم على تصور تدخل خارجي وفق عقيدة "صفر قتلى"، أي ما كان يُسمى آنذاك "zero casualty".

وعليه، إذا تدخلت الولايات المتحدة، فأعتقد أنها ستتدخل عبر ضربات لا تعرّض "أبناءها" للخطر، وليس عبر تدخل بري.

انظروا إلى العالم منذ عام 1945، هل تجدون عددا كافيا من معاهدات سلام حقيقي ناجحة؟ لا يوجد. بل إن الأمر أصبح صحيحا إلى درجة أننا لم نعد نقول "معاهدة سلام"، بل "اتفاق"

لكن في قرارة نفسي، أعتقد أنه في اللعبة الرباعية التي تجري حاليا حول إيران، هناك ثلاثة أطراف لا مصلحة لها في تدخل أميركي، وطرف رابع له مصلحة في ذلك؛ من الواضح أن الحكومة الإيرانية لا مصلحة لها في استفزاز تدخل أميركي، مباشر أو غير مباشر، لأن أحداث يونيو/حزيران الماضي أظهرت بالفعل أن ذلك كان مكلفا جدا وخطيرا عليها.

وكما قلت سابقا، فإن المتظاهرين الإيرانيين ليست لهم مصلحة في تدخل خارجي قد يسلبهم حركتهم الاجتماعية، ويشلّها بالكامل، بل وقد يُغرقها في الفوضى والانقسام الحاد.

كما أن الولايات المتحدة نفسها ليس لها مصلحة في مثل هذا التدخل، لأنه قد يكون مكلفا لها ولا يحقق لها شيئا. ولا ينبغي أن ننسى أن هناك ذاكرة أميركية تُظهر أن جميع حروب التدخل انتهت بكوارث: فيتنام، العراق، أفغانستان، الصومال، وغيرها.

الطرف الوحيد الذي له مصلحة في ذلك هو إسرائيل. فاللعبة الإسرائيلية تقوم على خلق حالة فوضى عامة في كل محيط إسرائيل، أي أنظمة متداعية لا تشكل تهديدا لها. وقد كان هذا الحال في سوريا، وكان الحال كذلك في غزة وفلسطين، وهو الحال في لبنان. وباختصار، يحلمون بأن يفعلوا الشيء نفسه مع إيران. فإذا جرى تفكيك إيران يوما ما، فهم يعتبرون أنهم، في قلب هذه الفوضى، سيتمكنون من العيش بحرية تامة.

لذلك أعتقد أن كثيرين في محيط ترمب من تيار "ماغا" يمنعونه من التدخل العسكري في إيران لكل هذه الأسباب.

فيسبوك
المفكر الفرنسي من أصل إيراني برتراند بادي

لكن توجد اليوم صيغ وسيطة كثيرة بين القصف الشامل وعدم القيام بأي شيء. يمكن أن تكون هناك هجمات شديدة، ودقيقة جدا، ضد أهداف محددة، تتجنب إصابة السكان، في حين أن المدنيين كانوا قد تضرروا في يونيو/حزيران الماضي. وقد تكون هجوما سيبرانيا قويا جدا. وقد تكون تشديدا إضافيا للعقوبات الاقتصادية، لكن ذلك سيكون جنونا، لأنه قد يخنق إيران بالكامل، بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى لو كانت العقوبات موجهة ضد القادة فقط، لأن لها تأثيرا ارتداديا على السكان. إذن، نحن هنا.

* ماذا عن التفاوض بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، أو مع جزء من هذا النظام؟

- هناك أمران يجب أخذهما في الاعتبار. أولا، كان التفاوض لفترة طويلة في تاريخ العلاقات الدولية هو الصيغة السحرية. عندما يكون هناك نزاع، تُشنّ الحرب، ثم يتم التفاوض بين المتقاتلين، ثم يُوقّع اتفاق سلام. وأحيانا كان يتم التفاوض حتى قبل اندلاع الحرب، وهو ما كان يُسمى "التفاوض الوقائي".

انظروا إلى العالم منذ عام 1945، هل تجدون عددا كافيا من معاهدات سلام حقيقي ناجحة؟ لا يوجد. بل إن الأمر أصبح صحيحا إلى درجة أننا لم نعد نقول "معاهدة سلام"، بل "اتفاق".

ما قيمة اتفاق الدوحة مع طالبان، الذي مكن الولايات المتحدة من الانسحاب من أفغانستان؟ وما قيمة اتفاقات أروشا (تنزانيا) حول رواندا؟ وما قيمة حتى اتفاقات واشنطن، التي قيل إن السيد ترمب أنهى بها ثمانية نزاعات لا تزال تتجدد باستمرار؟

يجب أن نسأل لماذا لم تعد المفاوضات التي كانت تنجح سابقا تنجح اليوم؟ السبب هو أن النزاعات باتت تقوم أكثر فأكثر على أسس اجتماعية، أكثر من كونها استراتيجية. يمكن التفاوض مع دولة، مع حكومة، مع استراتيجيين، لكن لا يمكن التفاوض مع مجتمع. من يستطيع التفاوض مع المتظاهرين في إيران؟ كيف يمكن التفاوض مع الناس الموجودين في الشارع؟ هذا غير ممكن.

إيران مهيأة تماما للانقسام. ففي إيران، لا يشكّل الفرس سوى نحو 50 في المئة من السكان

لذلك، فإن أي شكل من أشكال التفاوض سيعيدنا، وهذا هو العنصر الثاني في جوابي على سؤالكم، إلى النموذج الفنزويلي، الذي ليس تفاوضا بقدر ما هو محاولة ترقيعية، أي محاولة تفاهم مع نائبة الرئيس نيكولاس مادورو، السيدة رودريغيز، التي كانت على رأس الجناح الأكثر راديكالية في الشافيزية، من خلال صفقات يمكن أن تحقق، في اللحظة نفسها، بعض المكاسب للطرفين.

في السياق الآني، يسمح هذا التفاوض بإيجاد حد أدنى من التوازن في فنزويلا. لكن ما قيمة هذه الالتزامات المرقّعة والغامضة بما يكفي لكي يتم التلاعب بها من الطرفين كما يشاءان؟ والأهم من ذلك: أين يقف المجتمع في هذه المسألة؟ أين هم الـ28 مليون فنزويلي إزاء هذا الترقيع؟ كيف سيتصرفون؟ علما أن ردود أفعالهم هي الدينامية الحقيقية للغد.

لذلك أعتقد أن هذه الأمور موجودة بالفعل في ذهن ترمب. ويقال كثيرا إن ترمب يفعل ذلك لأنه رجل أعمال. لا، ليس لأنه رجل أعمال، بل لأنه يعرف أن الحرب مكلفة ولا تجلب شيئا، وأن المفاوضات الحقيقية للسلام غير ممكنة. لذلك يتم ترقيع هذه الصيغ كما في فنزويلا أو غزة أو غيرهما من مناطق النزاع. وهي لا تمثل أي ضمانة للمستقبل. قد تشكّل، لنقل، وقفا لإطلاق النار، أو نقطة توقف، لكن ليس أكثر من ذلك. فالمشكلة الإيرانية لن تُحل بهذه الطريقة بالتأكيد. لكن على المدى القريب، أنتم على حق، هذا احتمال قائم، وربما هو الأكثر ترجيحا، لأنه سيكون ضمنيا، وربما، خلافا لفنزويلا، لن يُعلن عنه حتى بشكل صريح.

أ.ف.ب
مسيرة لدعم الاحتجاجات في إيران، في ساحة ماليفيلد بمدينة لاهاي في 10 يناير2026

كما يقال، على سبيل المثال، إن الكثير من دول الخليج تدخلت لإبلاغ الأميركيين بعدم قصف إيران، لأن ذلك كان سيكون كارثيا بالنسبة لهم. هكذا نحن اليوم في العلاقات الدولية: اتفاقات تحت الطاولة (under table agreement).

* دول إقليمية عدة تتخوف من أن تكون إيران أمام سيناريو فوضى وتقسيم على أساس طائفي وإثني؟ هل هذا احتمال وارد برأيكم؟ وماذا ستكون تداعيات ذلك على منطقة الشرق الأوسط ككل؟

- يُظهر التاريخ المعاصر أن أي تدخل يؤدي إلى هذا النوع من النتائج. فإذا انهار النظام، فإن فرص إعادة بناء نظام توافقي، أو على الأقل نظام متماسك وفعّال، تكون ضعيفة للغاية. انظروا إلى العراق بعد عام 2003، وانظروا إلى وضعه اليوم. وانظروا إلى ليبيا. كذلك انظروا إلى السودان واليمن ودول أخرى، وحتى، من زاوية معينة، أفغانستان. فأفغانستان تعطي مظهرا خادعا من الوحدة والتماسك، فقط لأن النظام الأفغاني يقوم على الميليشيات، وعلى المجموعات الأهلية، ولدينا بذلك صورة وهمية لنظام قائم. ثانيا، فإن إيران مهيأة تماما للانقسام، للأسباب التي أشرتم إليها. ففي إيران، لا يشكّل الفرس سوى نحو 50 في المئة من السكان. ويجب أن نأخذ في الاعتبار الأكراد، وهم عنصر مهم جدا، والأذريين، والخوزستانيين، وهم عرب سنّة ناطقون بالعربية في جنوب غرب إيران، والبلوش، وقبائل القشقائي، والبختياري، واللور، وغيرها.

وكذلك الجيلانيون على ضفاف بحر قزوين، الذين كانت لديهم دائما تقاليد قوية في الحكم الذاتي. وبالتالي، فإن الخطر هائل فعلا، لكنه ليس خطرا إثنيا-دينيا فقط، بل هو أيضا خطر سياسي. أي إننا إزاء طيف كامل من التوجهات والحساسيات: من مجاهدي خلق، ذوي المرجعية التروتسكية أو الإسلامية-اليسارية إن شئتم، الذين كانوا حلفاء لصدام حسين خلال الحرب الإيرانية-العراقية، وصولا إلى أنصار الشاه.

عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد، فلا يمكن إصدار مرسوم فوري من قبل جنرال يستولي على السلطة ويقرر فجأة أن الجميع سيأكلون حتى الشبع. الأمور لا تسير بهذه الطريقة

لذلك، من الصعب أن نرى كيف يمكن لانهيار مفاجئ لنظام مثل النظام الحالي أن يُنتج نوعا من دولة ديمقراطية ذات شرعية توافقية. نحن بعيدون جدا عن ذلك. والخطر كبير، وهو أيضا خطر طويل الأمد. أي إنه إذا ظهر مثل هذا الوضع، فانظروا إلى ليبيا: هذه الفوضى مستمرة منذ خمسة عشر عاما. وإذا نظرتم إلى العراق، فهي مستمرة منذ اثنين وعشرين عاما. وسوريا، التي نسيت أن أشير إليها، حتى وإن كان السيناريو فيها مختلفا قليلا لعدم وجود تدخل خارجي مباشر، إلا أن النظر إلى حالة تفكك النظام السياسي السوري لا يسمح بالحديث عن دولة فعلية. كذلك الأمر بالنسبة للبنان. ولهذا السبب، فإن ما يدور في أذهان الجميع، سواء تَمَنَّوه أو اعتبروه شرّا أقل، هو أن يتغيّر النظام الحالي من الداخل.

ولكن لا بد أيضا أن يكون ذلك ممكنا؛ فالخيارات الإصلاحية ليست هي التي تملك أكبر فرص النجاح. عموما، عندما نكون في وضع خطر مرتفع، فإن ما يسود هو السلوك القمعي. والسلوك القمعي لا ينسجم مع دينامية إصلاح توافقي مقبول من الجميع.

وبالطبع، هناك سيناريو بديل يتمثل في انقلاب عسكري. وبما أن "الحرس الثوري" يشكّل القوة الأكثر "اكتمالا" داخل النظام الحالي، فقد يكون أحد قادته هو من يقود هذا المسار. لكن هنا أيضا، لكي يقود أحد قادة "الحرس"، بداية لمرحلة انتقالية، ينبغي أن يكون مقبولا في الوقت نفسه من قبل المتظاهرين ومن الخارج، وهو أمر بالغ التعقيد.

وفوق كل ذلك، أعود إلى ما قلته سابقا: لا تنسوا أبدا أن نقطة انطلاق هذه الانتفاضة هي اقتصادية. ولتلبية مطالب المتظاهرين، لا يكفي مجرد مرسوم بسيط. فعندما كانت المطالب تتعلق بحقوق النساء، كان يكفي إصدار مرسوم يلغي إلزامية ارتداء الحجاب، مثلا. كان ذلك ممكنا فورا، وهو إصلاح ذو أثر مباشر. وبالفعل، كاد ذلك يحدث كليا، إذ نشهد اليوم واقعا فعليا لتحرر أنماط اللباس النسائي في إيران.

أما عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد، فلا يمكن إصدار مرسوم فوري من قبل جنرال يستولي على السلطة ويقرر فجأة أن الجميع سيأكلون حتى الشبع. الأمور لا تسير بهذه الطريقة. بل يتطلب الأمر تخفيف وطأة العقوبات، ويتطلب القدرة على إعادة توزيع الثروة داخل البلاد، وهذا يحتاج إلى وقت. ولهذا السبب، فإن السيناريوهات ليست متفائلة كثيرا.

font change

مقالات ذات صلة