هل ستساعد الضربات الأميركية المحتجين الإيرانيين أم تلحق الضرر بهم؟

يتوقف الأمر على طبيعة الضربة، وعلى استعداد ترمب للتحرك بعدها، وقدرته على وضع خطة لليوم التالي

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ناشطون يشاركون في مسيرة "إيران حرة" في لوس أنجلوس، كاليفورنيا، في 11 يناير 2026

هل ستساعد الضربات الأميركية المحتجين الإيرانيين أم تلحق الضرر بهم؟

عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى التهديد بتوجيه ضربة عسكرية إلى النظام الإيراني في حال واصل الأخير استخدام القوة المميتة ضد حركة الاحتجاج المتنامية داخل إيران. وقال خلال اجتماع حديث مع عدد من كبار مسؤولي شركات النفط: "أقول للقادة الإيرانيين: من الأفضل أن لا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنطلق النار نحن أيضا".

والسؤال هو: هل سيكون ترمب- إذا قرر تنفيذ تهديده- داعما لقضية الحرية في إيران أم يضر بها؟ الإجابة ليست سهلة، إذ يتوقف الأمر على طبيعة الضربة، وعلى استعداد ترمب للتحرك بعدها، وقدرته على وضع خطة لليوم التالي.

حتى أقرب مستشاري ترمب للأمن القومي يناقشون جدوى استخدام القوة العسكرية، إذ نقل عن مسؤول أميركي قوله إن كثيرين يعتقدون أن عملية عسكرية واسعة في هذه المرحلة قد تقوّض الاحتجاجات. كما حذر كبار القادة العسكريين الأميركيين الرئيس من أن الأمر يتطلب وقتا أطول للتحضير لمثل هذه الضربات.

في المقابل، تعهدت إيران بالرد على أي ضربة أميركية عبر مهاجمة إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية وأهداف أخرى في المنطقة.

وبغض النظر عن قانونية أي ضربة أميركية محتملة، يظل السؤال الأهم مطروحا: هل ستكون خطوة حكيمة؟ وهل ستخدم فعلا هدف المحتجين الإيرانيين في إسقاط النظام؟ الجواب الصريح هو أننا لا نعرف. فالنتائج قد تتراوح بين كارثة وخلاص.

ومن المرجح أن تكون الضربة ضارة بالمحتجين، إذ قد تعزز من تماسك النظام وتدفع قاعدته الشعبية، التي لا تزال واسعة في أنحاء البلاد، إلى الالتفاف حوله. ولن يكون مستبعدا أن نشهد ظاهرة "الالتفاف حول العلم"، خصوصا إذا كانت الضربة رمزية أو لمرة واحدة فقط. كما قد تصيب المحتجين بالإحباط، وتبعث برسالة إلى النظام مفادها أنه قادر على التصرف بحرية داخل البلاد من دون خشية جدية من تدخل خارجي.

سيكون من بالغ الصعوبة على النظام أن يواجه خصمين في آن واحد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تماسكه الداخلي ومنع الانشقاقات

لكن هذا لا يعني أن ضربة أميركية أشد إيلاما أو أكثر تدميرا ستؤدي تلقائيا إلى نتائج إيجابية. فلو قُتل المرشد الأعلى علي خامنئي، على سبيل المثال، فإن البديل المرجح سيكون نظاما عسكريا يقوده "الحرس الثوري"، الذي سيكون في موقع أفضل لتولي السلطة، نظرا لغياب التنظيم والقيادة داخل حركة الاحتجاج. فهل سيكون ترمب مرتاحا لهذا السيناريو؟ وهل ستنصحه أجهزته الاستخبارية، كما فعلت في فنزويلا، بالإبقاء على بعض عناصر النظام لتجنب الفوضى؟ سيكون ذلك بمثابة هزيمة قاسية للمحتجين.

ومع ذلك، سواء كانت الضربة رمزية أو موجعة، فقد تؤدي إلى تشجيع المحتجين وإرباك النظام، ما قد يجبره على تحويل جزء من اهتمامه وموارده بعيدا عن قمع المتظاهرين نحو مواجهة التهديدات الخارجية. فكل ما يحتاجه ترمب هو أن يطلق النار لزرع الذعر داخل النظام. إذ لن يعرف خامنئي ورجاله ما إذا كانت الضربة لمرة واحدة أم بداية حملة أوسع، ما قد يدفع بعض المسؤولين الإيرانيين إلى إعادة النظر في ولاءاتهم حفاظا على أنفسهم. وقد تظهر تصدعات من الداخل.

رويترز
المرشد الإيراني علي خامنئي يتحدث خلال اجتماع في طهران، إيران، 3 يناير 2026

سيكون من بالغ الصعوبة على النظام أن يواجه خصمين في آن واحد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تماسكه الداخلي ومنع الانشقاقات. فإذا نجحت الضربة في تقليص أدوات القمع التي يستخدمها النظام، من خلال القضاء على عناصر من قوات "الباسيج" وتدمير قدراته الأمنية في أنحاء البلاد، فقد يتمكن المحتجون من مواصلة تحركاتهم، وربما مع مخاطر أقل على حياتهم.

لكن لا يمكن استبعاد احتمال أن لا تكون الضربة ذات أثر يذكر في مسار الانتفاضة، فلا تضر المحتجين ولا تدعمهم. فليس هناك عامل أكثر حسما في هذه المواجهة بين النظام والمحتجين من ديناميات الأرض في كل محافظة وكل حي وكل شارع.

ما سيجري على الأرض في إيران خلال الأيام والأسابيع المقبلة قد يرجح الكفة لترمب في هذا الاتجاه أو ذاك. فإذا واصل الحراك الاحتجاجي تمدده وبدأت الانشقاقات داخل النظام، قد يجد ترمب الضربة أكثر إغراء

يجب التعامل بجدية مع تهديدات ترمب، لكن إيران ليست فنزويلا. إنها دولة يبلغ عدد سكانها نحو تسعين مليون نسمة، ونظام صلب لا يزال قادرا على إلحاق الأذى داخليا وخارجيا. فإسقاط نظام مادورو شيء، وإسقاط النظام الثيوقراطي في طهران أمر آخر تماما. فهل يملك ترمب، الذي تبنى سياسة خارجية تقوم على مبدأ "أميركا أولا"، الرغبة في خوض حرب قد تكون مفتوحة مع إيران؟ وهل هو مستعد للتعامل مع ما سيكون، على الأرجح، يوما تاليا فوضويا؟

قد يكرر النظام الإيراني ما يشاء من خطاب حول استعداده للرد على أي هجوم أميركي، لكنه يدرك جيدا أن التهديد الوجودي الحقيقي يأتي من الداخل. وهذا ما ينبغي أن يكون أولويته، لا الدخول في مواجهة مع ترمب غير المتوقع أو مع إسرائيل الجاهزة دوما للضغط على الزناد.

أ.ب
متظاهرون يهتفون حول نار مشتعلة في طهران، إيران، الجمعة 9 يناير 2026

يدرس ترمب خياراته حاليا، وكثير من مستشاريه يوصون في هذه المرحلة باتخاذ إجراءات غير عسكرية، تشمل عمليات سيبرانية، وتشديد العقوبات الاقتصادية، وتزويد المحتجين بوسائل اتصال مثل "ستارلينك"، بعدما عمد النظام إلى قطع الإنترنت في البلاد.

ويبدو أن الاعتبار الأهم لدى ترمب سيكون شخصيا: كيف ستؤثر الضربة، سواء نجحت أو فشلت، في صورته داخل الولايات المتحدة وخارجها؟ وهذا ليس أمرا يخص ترمب وحده، إذ إن كل رئيس يضع في حسبانه التداعيات السياسية الداخلية والخارجية لأي عمل عسكري في سياق أزمة خارجية. غير أن لدى ترمب دافعا إضافيا، حيث يطغى البعد الشخصي لديه على ما عداه. فهو يريد أن يُنظر إليه بوصفه صانع سلام بارعا وصاحب صفقات ناجحة، رجلا حُرم من جائزة نوبل للسلام.

وبإطلاقه سلسلة من التحذيرات ضد النظام، يكون ترمب قد حشر نفسه في زاوية. ولكي يحافظ على مصداقيته، عليه أن يهاجم. ولا يبدو أن النظام سيتوقف عن استخدام العنف، بل قد يقدم على قتل مزيد من المحتجين.

وما سيجري على الأرض في إيران خلال الأيام والأسابيع المقبلة قد يرجح الكفة لترمب في هذا الاتجاه أو ذاك. فإذا واصل الحراك الاحتجاجي تمدده وبدأت الانشقاقات داخل النظام، فقد يجد ترمب الضربة أكثر إغراء. أما إذا استعاد النظام زمام المبادرة وبدأت الاحتجاجات في الخفوت، فقد يحجم عن الضرب، على الأقل إلى أن تصبح الظروف الداخلية أكثر ملاءمة.

font change

مقالات ذات صلة