الاحتجاجات في الإعلام الإيراني... الموجة مختلفة داخليا وخارجيا

الموجة الحالية تختلف عن سابقاتها

أ.ف.ب- أ.ب
أ.ف.ب- أ.ب

الاحتجاجات في الإعلام الإيراني... الموجة مختلفة داخليا وخارجيا

تناولت الصحافة الإيرانية استمرار موجة الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في 28 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية.

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات والإضرابات في الكثير من المدن الإيرانية، ازداد مستوى القمع والعنف الذي تمارسه قوات الشرطة والأمن بحق المحتجين، حيث هاجمت عناصر الأمن عدة مراكز طبية حسب "وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان الإيرانية" (هرانا). وأضافت في تقرير لها بأن الاحتجاجات عمت 27 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية. وتابعت "هرانا" أن "هذه الموجة الاحتجاجية دخلت مرحلة جديدة بسبب التجمعات في الشوارع وعدد من التحركات النقابية واتساع رقعة الاعتصام وإضراب البازار والتجار واحتجاجات طلابية في عدد من الجامعات".

وترى ‍"بي بي سي" الفارسية في تقرير لها حول الاحتجاجات الجارية "بغض النظر عن حجم الاحتجاجات الأخيرة واستمراريتها فإن استمرار المشاكل الهيكلية الاقتصادية والسياسية وتداعيات العقوبات الدولية وانتشار الفقر والبطالة وانخفاض أمل الشعب بتحقق الحد الأدنى من مطالبه أسباب تجعل الاحتجاجات السياسية والاجتماعية والاستياء العام تستمر في إيران".

من جهتها، قالت "هرانا" إن "هناك تقارير صدرت قبل بضعة أيام من انطلاق الاحتجاجات حول الارتفاع غير المسبوق في سعر الدولار والهبوط الكبير في سوق رأس المال وتصاعد هروب رؤوس الأموال من البلاد وانخفاض الثقة بالسياسات الاقتصادية مما أدى إلى إغلاق أو شبه إغلاق لقطاعات تجارية واسعة وتنامي الصعوبات لاستمرارية نشاط الأعمال والمصانع الصغيرة والذي أسفر في النهاية إلى اتساع رقعة الاحتجاجات والإضرابات في الكثير من المدن. ليست هذه الاحتجاجات الجديدة ردة فعل على أسباب مؤقتة بل هي نتيجة تراكمات طويلة للضغوط المعيشية وتدهور مستوى الأمل في تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية".

النظام الإيراني "في أضعف حالاته" في الوقت الراهن بسبب تزايد الاحتجاجات الداخلية وانحسار نفوذه في خارج الحدود والحرب بينه وبين إسرائيل

كيف تواجه السلطات الاحتجاجات؟

وقد دعا "المرشد" الإيراني علي خامنئي إلى التفريق بين "الاحتجاج" و"الشغب". قائلا إن "الاحتجاج أمر صائب غير أن الاحتجاج يختلف عن الشغب. نحن نتحدث مع المحتجين ولكن التحدث مع من يقوم بأعمال الشغب غير مجد ويجب وضع حد له".

واعتبر خامنئي البازار وأصحاب البازار من أكثر الفئات ولاءً للنظام الإسلامي ولا يمكن مواجهة الجمهورية الإسلامية باسم البازار والتجار وأن "العدو" يقف وراء ارتفاع سعر العملة الصعبة، فيما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن "وضع البلاد وصل إلى ما وصل إليه بسبب البرلمان والحكومة معا وأننا كلنا نتحمل المسؤولية".

أ.ف.ب
قوات الأمن الإيرانية وهي تستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين في سوق طهران، في 6 يناير 2026

ويرى المراقبون في إيران أن النظام الإيراني يواجه موجة احتجاجية مختلفة عن سابقاتها بسبب الأزمة الاقتصادية والتهديدات والضغوط الدولية على إيران بينها تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومحاولات إسرائيلية لاستغلال الوضع الداخلي وأيضا العقوبات الدولية الخانقة وتقليص قدرات وكلائها في المنطقة مما قد يحول هذه الاحتجاجات إلى التحدى الأكبر للجمهورية الإسلامية، حسب "بي بي سي" الفارسية التي أضافت أن ملفات فساد كبار المسؤولين وعائلاتهم أججت الغضب الشعبي وأن الشعب بات يؤمن بأن أجزاء من السلطة الحاكمة تنتفع من الأزمة القائمة والالتفاف حول العقوبات والسيطرة على الواردات والتصدير ونقل الإيرادات النفطية إلى خارج البلاد والحصول على أموال طائلة من خلال غسل الأموال.

وزادت أن النظام الإيراني "في أضعف حالاته" في الوقت الراهن بسبب تزايد الاحتجاجات الداخلية وانحسار نفوذه خارج الحدود والحرب بينه وبين إسرائيل في يونيو/حزيران 2025 لأن الحرب التي انتهت بضربات عسكرية أميركية ألحقت خسائر بالقدرات الدفاعية والبنى التحتية النووية وعدد من المنشآت العسكرية والصناعية. كما ألحقت إسرائيل ضربات قاسية لقدرات "حزب الله" في لبنان. وأدى اعتقال الرئيس الفنزويلي إلى تقليص نفوذ إيران وحضوره العابر للحدود. وبناء عليه فإن القدرات الإقليمية والدولية للجمهورية الإسلامية تعرضت لتحول أساسي وأن الجمهورية الإسلامية لم تعد تملك عددا كبيرا من الحلفاء لدعمها في الصراعات الإقليمية ولم تعد تملك قنوات عديدة لتهريب النفط.

الاحتجاجات الراهنة كانت متوقعة الحدوث خلافا للاحتجاجات السابقة ولكن المراقبين لم يتوقعوا بأن تكون الاحتجاجات بهذا الحجم

ما أوجه الخلاف مع الاحتجاجات السابقة؟

ونشرت صحيفة "اعتماد" في 7 يناير/كانون الثاني، تقريرا بعنوان "أوجه الخلاف بين الاحتجاجات 2023 والاحتجاجات الراهنة"، بقلم مهدي بيك أوغلي. وقال التقرير إن "هناك تساؤلات عديدة تشغل أذهان الرأي العام الإيراني منها ماذا حصل ولماذا تحول كل ذلك الاتحاد والانسجام بعد الحرب الإسرائيلية على البلاد إلى الاحتجاجات الراهنة؟ ما تكون نهايتها؟".

ويرى المحلل السياسي عباس عبدي في حوار مع "اعتماد" بأن "كل الحركات الاحتجاجية في إيران لديها القابلية للتحول إلى احتجاجات سياسية ترفع هتافات كبيرة تطالب بسقوط النظام لأن السلطة الحاكمة لا تسمح بالاحتجاجات القانونية. لم يستغل النظام والحكومة الوحدة الوطنية بعد حرب إسرائيل على البلاد كفرصة للقيام بالإصلاحات التي تلبي مطالب الشعب بل أصر النظام على استمرار سياساتها غير السليمة وبالتالي فإن المزاج الشعبي سرعان ما تغير وعاد إلى ما قبل الحرب".

رويترز
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي يتحدث خلال اجتماع في طهران، إيران، 3 يناير 2026

وأضاف عبدي أن "الاحتجاجات الراهنة كانت متوقعة الحدوث وذلك خلافا للاحتجاجات السابقة ولكن المراقبين لم يتوقعوا أن تكون الاحتجاجات بهذا الحجم. لقد بدأت الاحتجاجات بمطالب اقتصادية غير أن الهتافات وكيفية الاحتجاج تشير إلى أن الاحتجاجات الراهنة سياسية. كان يعتقد الكثير من المراقبين بأن الحرب الإسرائيلية على إيران خلقت شكلا من الوحدة والتضامن بين المواطنين والنظام وأن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى حقيقة مفادها أن الرأي العام بعد الحرب تحول بشكل ملموس وبات ينظر بشكل إيجابي إلى الحكومة ولكن الحكومة لم تأخذ العبرة من الاحتجاجات السابقة.. كما أن تعامل الحكومة الإيرانية والرئيس بزشكيان مع الاحتجاجات يختلف عن الحكومات السابقة مما أدى إلى منع تصاعد الأزمة خاصة في المدن الكبرى غير أن كل شيء يمكن أن يتغير في حال قام النظام بارتفاع منسوب العنف والقمع إزاء المحتجين. الأمر الآخر هو أن النظام لا يسمح للاحتجاجات السلمية في إيران. عندما لا يستطيع الشعب الاحتجاج بشكل سلمي وقانوني وتتعرض وسائل الإعلام إلى ضغوط هائلة ورقابة ويواجه المجتمع المدني ضغوطا متزايدة من قبل المعسكر المتشدد فكيف يمكن للجماهير إيصال مطالبها إلى السلطة الحاكمة؟".

الاستياء يطال فئات واسعة على غرار التجار و"لا يملك المجتمع آفاقا مشرقة حول المستقبل ومنسوب الأمل الاجتماعي انخفض

ونشر موقع "عصر إيران" الإخباري في 4 يناير تقريرا حول خصائص الاحتجاجات الراهنة، قال فيه إن "انتشار الاحتجاجات في المدن الصغيرة والصمت شبه الكامل للمشاهير الإيرانية والإبهام في طبيعة المطالب المرفوعة يرسم صورة معقدة حول المشهد الراهن ويستلزم فهم الطبقات الخفية للمجتمع والابتعاد عن التحليل التقليدي عن أسباب الاحتجاجات".

وأضاف التقرير أن اندلاع احتجاجات في مدن صغيرة على غرار أزنا في محافظة لرستان ولردغان في تشارمحال وبختياري وملكشاهي في محافظة إيلام وني ريز في محافظة فارس يكتسب أهمية اجتماعية لأن المدن الصغيرة تتمتع عادة بصلات اجتماعية أوثق وصلات قرابة أكبر وطاقة أقل للعمل الاحتجاجي.  وزاد: "ردة فعل المشاهير أقل خلال الاحتجاجات الراهنة مقارنة مع الاحتجاجات السابقة وقد تكون أسباب ذلك كثيرة، منها طبيعة الاحتجاجات والظروف بعد الموجات الاحتجاجية السابقة. الأمر الآخر هو طبيعة الاحتجاجات".

يرى البعض أن الاحتجاجات ترفع مطالب بتحسين الظروف المعيشية فقط "غير أن فئة أخرى تعتقد أن مطلب هذه الاحتجاجات هو استهداف كل النظام. ويعتقد البعض أن الاحتجاجات ترفع مطالب متنوعة مما يشير إلى عدم الانسجام بين المحتجين. ولكن يبدو أن الاحتجاجات الراهنة تشمل فئات من أطياف فكرية واجتماعية واقتصادية متنوعة وأن هذا التنوع لا يسمح بتقديم تحليل وقراءة بسيطة وساذجة حول الأسباب والمآلات".

من جهته، قال عالم الاجتماع سعيد معيد فر لصحيفة "دنياي اقتصاد" إن الاستياء يطال فئات واسعة على غرار التجار و"لا يملك المجتمع آفاقا مشرقة حول المستقبل وأن منسوب الأمل الاجتماعي انخفض وأن المجتمع بات يشعر بالخوف من المستقبل وأن الانسجام الاجتماعي تعرض لضربات قوية. ولا يرى المجتمع مخرجا من الأزمات في الوقت الذي يريد فيه النظام استعادة السيطرة بأي وسيلة كانت. وفي هذه الظروف تزداد احتمالات العنف. عندما يتعرض النظام الاجتماعي والقيم الاجتماعية ومعتقدات الناس وكفاءة النظام لضربات مهلكة فإن الاستعانة بالعنف ستصبح الأداة الوحيدة للبقاء في السلطة".

font change