أوروبا تخوض حربا خاسرة ضد الصين

بروكسيل تطارد مصانع الأمس، فيما بكين تستثمر في صناعات الغد

أ.ف.ب
أ.ف.ب
رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ (وسط اليمين) ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (وسط اليسار) خلال قمة قادة الأعمال بين الاتحاد الأوروبي والصين في قاعة الشعب الكبرى في بكين، 24 يوليو/تموز 2025

أوروبا تخوض حربا خاسرة ضد الصين

في الرابع عشر من يوليو/تموز، نشرت الإدارة العامة للجمارك الصينية رقما بدا، في نظر كثيرين، كفيلا بحسم الجدل الدائر في بروكسيل حول التجارة مع الصين. فقد بلغ الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي خلال يونيو/حزيران مستوى قياسيا قدره 32.9 مليار دولار، بزيادة بلغت 27 في المئة على أساس سنوي.

خلف هذا الاندفاع اللافت في الصادرات، يبرز تباين حاد في مسار التجارة مع أكبر اقتصادين أوروبيين. فقد تضاعف الفائض التجاري الصيني مع ألمانيا، القلب الصناعي للقارة، إلى أكثر من مثليه، بينما هوى فائضه مع فرنسا بنسبة 81 في المئة. يكشف هذا التباين، في الوقت نفسه، عمق التصدع الداخلي الذي يعانيه الاتحاد الأوروبي.

جاءت هذه الأرقام بعد أيام قليلة من بدء تطبيق أحدث الإجراءات الدفاعية الأوروبية، وفي مقدمها رسم جمركي ثابت قدره ثلاثة يوروهات على طرود التجارة الإلكترونية المنخفضة القيمة، إلى جانب تشديد الحصة المعفاة من الرسوم على واردات الصلب. ويشكل المجالان جزءا مهما من التبادل التجاري مع الصين. مع ذلك، وبعد سنوات من الإعداد، تبدو هذه التدابير التنظيمية الأوروبية بعيدة عن جوهر المشكلة.

بلغ العجز التجاري الأوروبي مع الصين نحو 360 مليار يورو في عام 2025، أي ما يقارب مليار يورو يوميا، ثم واصل اتساعه بمعدلات من خانتين. ومن أصل 21 تحقيقا يجريها الاتحاد الأوروبي في شأن الإغراق والدعم الحكومي، يستهدف 18 منها منتجين صينيين.

بلغ الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي خلال يونيو مستوى قياسيا قدره 32.9 مليار دولار، بزيادة بلغت 27 في المئة على أساس سنوي

ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، يفرض الاتحاد رسوما جمركية على السيارات الكهربائية الصينية. كما اقترح قانونا لتسريع الصناعة (Industrial Accelerator Act) يمنح أفضلية للسلع الأوروبية في المشتريات العامة، وطرح تعديلا على قانون الأمن السيبراني يستبعد الموردين المصنفين ضمن الفئات العالية المخاطر من شبكات الاتصالات، فضلا عن مناقشة أداة لمواجهة فائض الطاقة الإنتاجية (Overcapacity Instrument) عبر فرض سقوف على واردات قطاعات محددة.

وحدد مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل مهلة للتوصل إلى إعادة توازن تجاري عبر التفاوض. أما مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، فقال بوضوح إن الإخفاق في تحقيق ذلك في أكتوبر/تشرين الاول سيدفع الطرفين إلى مرحلة من الصراع.

رويترز
سفينة تحمل علم هونغ كونغ، تروسو في ميناء هامبرغ، ألمانيا 7 أبريل/نيسان 2025

غير أن أيا من هذه السياسات العلاجية لن تحقق الغاية المرجوة منها. فالمشكلة لا تكمن في افتقار أوروبا إلى الأدوات، وإنما في أنها تصوب نحو أهداف تجاوزتها الصين بالفعل.

ما هي أدوات الصين للرد؟

جاء ردّ بكين على الرسوم المفروضة على السيارات الكهربائية محسوبا ومتدرجا، إذ فتحت تباعا تحقيقات في شأن البراندي الأوروبي ولحوم الخنزير ومنتجات الألبان. واستهدفت هذه الإجراءات قطاعات ذات حساسية سياسية مرتفعة داخل الاتحاد الأوروبي، اختيرت بعناية لتضغط على منتجي الكونياك الفرنسي، ومصدّري لحوم الخنزير، ولا سيما في إسبانيا، إضافة إلى برامج الدعم الزراعي الأوروبية، من دون توجيه ضربة واسعة إلى مجمل التجارة الأوروبية مع الصين. على سبيل المثل، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي من لحوم الخنزير ومنتجاته إلى الصين نحو 2.7 مليار يورو في 2023، وكانت إسبانيا أكبر المتضررين، إذ تصدر بقيمة 1.3 مليار يورو من هذه المنتجات، بينما استهدفت تحقيقات الألبان برامج الدعم في السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CAP) وعددا من برامج الدعم الوطنية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، خفضت الصين بهدوء الرسوم على واردات لحوم الخنزير من سقف أولي بلغ 62.4 في المئة إلى أقل من 20 في المئة، في خطوة بدت مكافأة على زيارة بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، إلى بكين وتمسكه باعتبار الصين شريكا لا خصما. وكانت الرسالة الموجهة إلى العواصم الأوروبية واضحة: ابتعدوا عن خط بروكسيل واستعيدوا سيادتكم التجارية.

أدخل تعديل قانون مكافحة الاحتكار عام 2022 آلية "إيقاف الساعة" (stop-the-clock)، وبدأت الهيئة الصينية لتنظيم السوق (SAMR) باستخدامها في قضايا الاندماج المعقدة، خاصة تلك التي تتطلب مناقشة تعهدات أو علاجات تنظيمية

تقع الرسوم الجمركية في الدرجة الدنيا من سلم الرد الصيني. أما الدرجة الوسطى، فتضم أدوات تنظيمية وقانونية أكثر مرونة، مثل إطالة مراجعات بعض صفقات الاندماج والاستحواذ الحساسة، وتكثيف تحقيقات مكافحة الاحتكار أو المنافسة في قطاعات معينة، إلى جانب توظيف قواعد أمن سلاسل الإمداد والأمن القومي بما يمنح السلطات الصينية هامشا أوسع للتأثير في أنشطة الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في السوق الصينية، ولا سيما خلال فترات التوتر التجاري والجيوسياسي.

فقد أدخل تعديل قانون مكافحة الاحتكار عام 2022 آلية "إيقاف الساعة" (stop-the-clock)، وبدأت الهيئة الصينية لتنظيم السوق (SAMR) باستخدامها في قضايا الاندماج المعقدة، خاصة تلك التي تتطلب مناقشة تعهدات أو علاجات تنظيمية. تتيح هذه الآلية للهيئة تعليق فترة مراجعة صفقات الاندماج في حالات محددة، تشمل إذا أخفقت الأطراف في تقديم المعلومات أو المستندات المطلوبة، وإذا استجدت وقائع أو ظروف جديدة تستدعي إجراء مزيد من التحقيق أو التحقق، وإذا طلبت الأطراف تعليق المراجعة لإتاحة الوقت للتقييم أو التفاوض في شأن التعهدات أو التدابير العلاجية المقترحة لمعالجة المخاوف التنافسية.

أ.ف.ب
ألواح شمسية كبيرة في محطة للطاقة الشمسية بمدينة هامي في منطقة شينجيانغ شمال غرب الصين، 8 مايو/أيار 2013

 أسهم اللجوء إلى هذه الآلية برفع زمن مراجعة الصفقات التي تُفرض عليها شروط تنظيمية إلى متوسط يزيد على 13 شهرا، بارتفاع تجاوز 50 في المئة، مقارنة بالفترة السابقة.

وبدأت الهيئة كذلك بإدراج ضمانات خاصة بسلاسل الإمداد ضمن شروط الموافقة على عمليات الاندماج. ظهر ذلك في موافقتها المشروطة عام 2025 على استحواذ "بونجي" على "فيتيرا"، إذ ألزمت الهيئة الكيان المندمج بالاستمرار في تنفيذ العقود القائمة، وتوريد فول الصويا والشعير وبذور اللفت إلى العملاء الصينيين وفق شروط عادلة وغير تمييزية، والإبلاغ عن أي نقص عالمي في المحاصيل، وبذل أقصى الجهود للحفاظ على إمدادات مستقرة وكافية للسوق الصينية حتى في أوقات شح المحاصيل عالميا.

يستورد الاتحاد الأوروبي 98 في المئة من احتياجاته من مغانط العناصر الأرضية النادرة من الصين، فيما حذرت شركات السيارات الأوروبية من أن استمرار القيود الصينية على التصدير قد يعطل أو يوقف بعض خطوط الإنتاج

وباتت القدرة على تشغيل أدوات الضغط التنظيمي وتعليقها أكثر وضوحا. ففي أبريل/نيسان 2025، فتحت الهيئة الصينية لتنظيم السوق تحقيقا لمكافحة الاحتكار في أعمال "دوبونت" داخل الصين، قبل أن تعلن تعليق التحقيق في يوليو/تموز من العام نفسه، بالتزامن مع عودة المفاوضات التجارية بين بكين وواشنطن. ولم تعلن السلطات الصينية أسباب التعليق، إلا أن توقيته عُدّ على نطاق واسع مؤشرا إلى ارتباط الأدوات التنظيمية بسياق العلاقات التجارية بين البلدين.

رويترز
صفوف من السيارات الكهربائية الصينية قبل تصديرها في ميناء شنغهاي، الصين، 13 أبريل/نيسان 2025

وتأتي قيود تصدير العناصر الأرضية النادرة المعالجة والمغانط الدائمة في أعلى درجات سلم الرد. فاحتكار الصين شبه العالمي لهذه المواد يمنحها القدرة على تعطيل إنتاج السيارات والمعدات الدفاعية في أوروبا خلال أسابيع.  فحسب وكالة الطاقة الدولية (IEA)، تبلغ حصة الصين 60 في المئة من إنتاج العالم من العناصر الأرضية النادرة المغناطيسية (التعدين) و91 في المئة من الإنتاج العالمي للعناصر الأرضية النادرة المكررة/المعالجة، و94 في المئة من الإنتاج العالمي للمغانط الدائمة، ولا سيما  النيوديميوم والحديد والبورون (NdFeB ) في عام 2024. وتكتسب هذه المواد أهمية استراتيجية لأنها تدخل في تصنيع محركات السيارات الكهربائية والمغانط الدائمة العالية الأداء، فضلا عن الرادارات والسونارات وأنظمة التوجيه العسكرية.

ويستورد الاتحاد الأوروبي 98 في المئة من احتياجاته من مغانط العناصر الأرضية النادرة من الصين، فيما حذرت شركات السيارات الأوروبية من أن استمرار القيود الصينية على التصدير قد يعطل أو يوقف بعض خطوط الإنتاج، في وقت يؤكد فيه الاتحاد الأوروبي أن صناعاته الدفاعية تعتمد بالكامل على المواد الأرضية النادرة المكررة القادمة من الصين.

وصرّح مفوض الصناعة في الاتحاد الأوروبي ستيفان سيجورنيه في مارس/آذار 2025، عند إطلاق مشروعات المعادن الاستراتيجية: "لا يمكن أن تكون هناك صناعة دفاعية من دون العناصر الأرضية النادرة، التي تُستخدم في الرادارات والسونارات وأنظمة التوجيه، ونحن نعتمد بنسبة 100 في المئة على المواد الصينية المكررة".

تكمن معضلة الاتحاد الأوروبي في أن قدرته الصناعية لا تؤهله لتحقيق الغلبة في حرب تجارية متسعة مع الصين، فيما يواصل مع ذلك الدفع نحو سياسات أكثر تشددا

وفي يناير/كانون الثاني 2026، شددت بكين ضغوطها على طوكيو بعد تصريحات رئيسة الوزراء سانائي تاكائيتشي في شأن تايوان، فحظرت تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج إلى الجهات العسكرية اليابانية وأي مستخدمين قد يسهمون في تعزيز القدرات العسكرية لليابان، ولوّحت بتشديد القيود على بعض صادرات العناصر الأرضية النادرة. وبعد أشهر، وسعت هذه الإجراءات بإدراج 40 شركة يابانية على قوائم الرقابة على الصادرات.

وشيدت بكين كذلك بنية قانونية تمنح طابعا مؤسسيا لما كان يجري في السابق عبر إجراءات ظرفية ومتفرقة. فلوائح أمن السلاسل الصناعية وسلاسل الإمداد تمنح السلطات صلاحية التحقيق مع الدول أو الشركات الأجنبية التي تتخذ إجراءات تمييزية أو تقطع المعاملات التجارية على نحو يهدد أمن سلاسل الإمداد الصينية، واتخاذ تدابير مضادة في حقها. كما يوفر قانون مكافحة العقوبات الأجنبية أساسا قانونيا للرد على العقوبات التي تفرضها دول أخرى على الشركات الصينية. وبذلك أصبحت التدابير التجارية الانتقامية الصينية جزءا من منظومة مؤسسية، واكتسبت قدرا أكبر من الصدقية والقدرة على الردع.

أ.ف.ب
رمز عملة اليورو خارج المقر الرئيسي للبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت، 25 يناير/كانون الثاني 2025

تكمن معضلة الاتحاد الأوروبي في أن قدرته الصناعية لا تؤهله لتحقيق الغلبة في حرب تجارية متسعة مع الصين، فيما يواصل مع ذلك الدفع نحو سياسات أكثر تشددا. وبدأت الشكوك تنتاب الدول الأعضاء ومسؤولي المفوضية في شأن امتلاك التكتل الإرادة السياسية اللازمة للتحرك إذا أخفقت الديبلوماسية.

كان يفترض أن يتحول اعتماد الصين على السوق الأوروبية إلى ورقة قوة في يد أوروبا، إلا أن ذلك لم يحدث. فبكين تراهن على قدرتها على إحباط أي تحرك جماعي عبر مخاطبة عواصم الدول الأعضاء، كل على حدة. وليست  بيانات التجارة لشهر يونيو/حزيران التي بدأنا فيها مقالنا سوى دليل على صواب هذا الرهان.

قطاعات تجذب أوروبا وتنفر الصين 

تكمن المفارقة في أن بروكسيل تبني أدواتها الدفاعية في مواجهة قطاعات لا تزال الصين تعتبرها استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه تحاول كبح فائض الطاقة الإنتاجية فيها. فبكين لم تتخل عن السيارات الكهربائية أو البطاريات أو الطاقة الشمسية، لكنها انتقلت من سياسة التوسع غير المحدود إلى إعادة هيكلة هذه الصناعات والحد من الاستثمارات الجديدة بعدما تجاوز العرض المحلي والعالمي مستويات الطلب.

بعد أقل من عامين، انتقد شي جين بينغ الإفراط في الاستثمار، متسائلا عما إذا كان ينبغي لجميع المقاطعات أن تتسابق إلى بناء صناعات الذكاء الاصطناعي والسيارات العاملة بالطاقة الجديدة

منذ عام 2023، دفعت الصين، في إطار الرؤية الصناعية المتجددة للرئيس شي جين بينغ، نحو مفهوم "القوى الإنتاجية الجديدة النوعية"، الذي يراه كثير من الباحثين تطورا طبيعيا لمسار "صنع في الصين 2025"، مع تركيز أكبر على الابتكار والتقنيات المتقدمة والاكتفاء التكنولوجي.

وبعد أقل من عامين، انتقد شي الإفراط في الاستثمار، متسائلا عما إذا كان ينبغي لجميع المقاطعات أن تتسابق إلى بناء صناعات الذكاء الاصطناعي والسيارات العاملة بالطاقة الجديدة. وفي الوقت نفسه، أطلقت بكين حملة واسعة ضد ظاهرة "الانطواء التنافسي" (نيجوان)، أي المنافسة الداخلية المحمومة التي دفعت قطاعات مثل السيارات الكهربائية والبولي سيليكون إلى حروب أسعار وفائض في الطاقة الإنتاجية وانكماش سعري هيكلي.

أ.ف.ب
قطار شحن محمّل حاويات البضائع قرب محطة دوستيك للسكك الحديد على الحدود الكازاخية‑الصينية، 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025

هذه المرة، خففت بكين اعتمادها على الدعم المباشر للسيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والبطاريات، وانتقلت إلى سياسة صناعية أكثر انتقائية تركز على الابتكار، ومعالجة فائض الطاقة الإنتاجية، وتشجيع الاندماجات، بدلا من التوسع الكمي.

وتكشف الأرقام ملامح المرحلة التي تمر بها الصين. ففي عام 2025، أشارت التقديرات الى أن متوسط استخدام الطاقة الإنتاجية في صناعة البولي سيليكون الصينية تراجع ما بين 35 و40 في المئة، انخفاضا من 57 في المئة في عام 2024، نتيجة سنوات من التوسع السريع التي خلفت فائضا كبيرا في المعروض.

 وفي السياق نفسه، تراجع هامش الربح الإجمالي لشركة "جينكو سولار"، أكبر مورد لوحدات الطاقة الشمسية في العالم، إلى 2.2 في المئة عام 2025، بالمقارنة مع 10.9 في المئة عام 2024. وبحسب البيان المالي للشركة، تحولت "جينكو سولار" من صافي دخل بلغ 13.5 مليون يوان (1.9 مليون دولار) في عام 2024 إلى صافي خسارة قدرها 7.11 مليارات يوان (نحو مليار دولار) في عام 2025، في ظل استمرار الضغوط الناجمة عن انهيار أسعار وحدات الطاقة الشمسية وفائض الطاقة الإنتاجية.

وتشير بيانات جمعتها مجلة "كايشين" من إفصاحات الشركات إلى أن الخسائر المجمعة لشركات الطاقة الشمسية الصينية المدرجة تجاوزت 50 مليار يوان (نحو 7.3 مليارات دولار) خلال عام 2025، في ظل استمرار حرب الأسعار وفائض الطاقة الإنتاجية.

تقوم أدوات الدفاع التجاري الأوروبية على الإثبات، ولا تُفعَّل إلا بعد توافر أدلة قانونية على وقوع ضرر مادي للصناعة الأوروبية أو وجود تهديد وشيك بوقوعه

 وفي المقابل، أولت الخطة الخمسية الخامسة عشرة أولوية متزايدة للاستثمار في الحوسبة الكمية، والفضاء، والاقتصاد المنخفض الارتفاع، والروبوتات الشبيهة بالبشر، في إطار سعيها إلى تعزيز الاعتماد التكنولوجي على الذات وقيادة الصناعات المستقبلية. وبذلك، تسعى بكين إلى الابتعاد عن القطاعات ذات الهوامش الربحية المنخفضة، والصعود مجددا إلى حلقات أعلى في سلسلة القيمة.

ولهذا تتأخر أوروبا بنيويا عن الصين. وستظل كذلك ما دامت تحصر اهتمامها في القطاعات التي أتقنتها الصين بالفعل. فأدوات الدفاع التجاري الأوروبية تقوم على الإثبات، ولا تُفعَّل إلا بعد توافر أدلة قانونية على وقوع ضرر مادي للصناعة الأوروبية أو وجود تهديد وشيك بوقوعه.

ويتعين على الاتحاد الأوروبي أولا أن يبني ملفا قانونيا متكاملا يثبت الإغراق أو الدعم غير المشروع والضرر الناجم عنه، ثم يحسب هامش الإغراق ويستكمل تحقيقا قد يستغرق أشهرا، قبل أن تمر التدابير عبر آليات القرار داخل الاتحاد.

رويترز
ناقلة بضائع عملاقة ترسو في ميناء روتردام، هولندا 18 مايو/أيار 2025

وتستغرق تحقيقات مكافحة الإغراق في الاتحاد الأوروبي عادة حتى 14 شهرا قبل فرض الرسوم النهائية. فعندما تفرض بروكسيل رسوما على السيارات الكهربائية الصينية، تكون بكين قد بدأت بالفعل تحويل ثقلها الصناعي نحو قطاعات المستقبل، مثل الروبوتات الشبيهة بالبشر والذكاء الاصطناعي.

وعندما تنتهي أوروبا من وضع أداة لمواجهة فائض الطاقة الإنتاجية في البطاريات والألواح الشمسية، قد تكون الأدوية والرقائق الإلكترونية هي الصادرات التالية التي تغمر أسواق الاتحاد.

هكذا تبدو بروكسيل في كثير من الأحيان وكأنها تواجه إنجازات السياسة الصناعية الصينية بالأمس، بينما تنشغل بكين ببناء مزاياها التنافسية للغد.

ترى بروكسيل في ظاهرة "الانطواء التنافسي" داخل قطاع التصنيع الصيني نقطة ضعف، بينما تبدو في جانب منها أيضا إحدى الآليات التي تصقل القدرة التنافسية للشركات الصينية

لا تتأخر أوروبا لأنها تفتقر إلى القوانين والرسوم الجمركية، وإنما لأنها تتحرك ببطء، فيما تنفذ الصين استراتيجياتها الصناعية بسرعة وتسبقها إلى القطاعات الجديدة، وتستطيع أن تدشن عقدا جديدا من السياسات الصناعية، وأن تطلق في وقت قياسي موجة جديدة من القطاعات الصناعية المتقدمة، على نطاق غير مسبوق.

ما الذي تواجهه أوروبا فعليا؟

ترى بروكسيل في ظاهرة "الانطواء التنافسي" داخل قطاع التصنيع الصيني نقطة ضعف، بينما تبدو في جانب منها أيضا إحدى الآليات التي تصقل القدرة التنافسية للشركات الصينية. فالشركات التي تنجح في الصمود أمام حروب الأسعار في السوق المحلية غالبا ما تخرج أكثر كفاءة، وأقدر على خفض التكاليف، وأكثر استعدادا للمنافسة في الأسواق العالمية، حتى وإن جاء ذلك على حساب أرباحها في المدى القصير.

ثم تنطلق الشركات الوطنية الكبرى، بعدما اختبرت في واحدة من أقسى الأسواق في العالم، لتدفع بمنتجاتها إلى الأسواق العالمية. ونتيجة لذلك، تنتج الصين 54 في المئة من فولاذ العالم، وأكثر من 80 في المئة من خلايا بطاريات الليثيوم أيون في العالم عام 2025، ونحو 75 في المئة من السيارات الكهربائية.

أ.ف.ب
أذرع ألية تعمل على خط إنتاج المركبات الكهربائية في مصنع شركة ليب موتور (Leapmotor) بمدينة جينهوا في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين، 18 سبتمبر/أيلول 2024

وتبلغ حصة الصين من التصنيع العالمي عبر سلسلة القيمة الكهروضوئية نحو 85 في المئة وفق أحدث تقديرات وكالة الطاقة الدولية لعام 2026، فيما استحوذت بكين في 2025 على 56.1 في المئة من إنتاج السفن التجارية العالمي.

تتعامل الإجراءات الأوروبية مع صورة جامدة، فيما المشهد كله يتحرك. ولن تمنع الرسوم المفروضة على قطاعات الأمس موجة الإزاحة المقبلة. كما تكشف مهلة أكتوبر/تشرين الأول افتقار الاتحاد إلى الإحساس بالعجلة وإلى الرؤية الاستباقية اللازمة لمواجهة النسخة الجديدة من مشروع "صنع في الصين"، التي تمضي بها بكين تحت عنوان القوى الإنتاجية الجديدة النوعية.

وإذا أرادت بروكسيل أن تحتفظ بوزنها، فعليها التخلي عن دفاع قطاعي متأخر لا يتحرك إلا بعد وقوع الضرر. ويجب أن تبني أدوات تتفعل مع اشتداد المنافسة، وتستبق التحولات، وتعمل بصورة تلقائية.

تكمن الهزيمة في التفاوت في القدرة والرؤية الاستباقية، لا في حجم العجز التجاري

كما ينبغي أن تطبق السياسات على منظومة تكنولوجية متكاملة قبل وصول الموجة الصناعية التالية. وعليها أن تدرك أن الردع يتطلب قدرة على تعزيز القوة الذاتية، لا الاكتفاء بتقليص المخاطر.

ويبقى على بروكسيل أيضا حل المعضلة الألمانية. فأكبر اقتصاد في الاتحاد هو، في الوقت نفسه، من أكثر الاقتصادات الأوروبية تعرضا للمنافسة الصناعية الصينية، والأكثر انكشافا على السوق الصينية عبر استثمارات شركاته الكبرى. وتمنح هذه الازدواجية بكين هامشا لاستثمار تباين المصالح داخل الاتحاد الأوروبي كلما احتدمت الخلافات التجارية.

أ.ف.ب
موظف يعمل في خط إنتاج في مصنع شركة "بي إم دبليو" الالمانية، في دينفولوج، جنوب ألمانيا، 23 مارس/آذار 2021

قررت بروكسيل أخيرا مواجهة آلة التصدير الصينية، لكنها تواجه الآلة الخطأ. ولن تعيد الإجراءات الأوروبية المرتقبة ضبط العجز التجاري القياسي مع الصين، وإنما ستمنح أوروبا مزيدا من الوقت للاستكانة إلى منطقة الراحة.

لقد تجاوزت الصين بالفعل الصناعات التي تستهدفها بروكسيل حاليا، فيما لم تبن أوروبا في داخلها ما يكفي ليحل محلها. وتكمن الهزيمة في التفاوت في القدرة والرؤية الاستباقية، لا في حجم العجز التجاري.

لا يكسب الحرب التجارية الطرف الذي يبادر. حتى الآن، تمسك بكين بخيوط المشهد وتحركه. وما لم يتغير ذلك، ستظل كل أداة أوروبية إجابة محكمة الصوغ عن أسئلة الأمس.

font change

مقالات ذات صلة