نذر العاصفة تتجمع فوق الهيمنة المالية الأميركية

شركات الدفع الأميركية قد تكون أول المتضررين

(رويترز)
(رويترز)
أفق مانهاتن قبل شروق الشمس في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة، 17 يوليو 2019.

نذر العاصفة تتجمع فوق الهيمنة المالية الأميركية

اشتكى جيميسون غرير، كبير المسؤولين التجاريين في الولايات المتحدة، الشهر الماضي من أن نظام "بيكس" البرازيلي للدفع الفوري يضر بالمصالح التنافسية لشركات أميركية مثل "فيزا" و"ماستركارد" على نحو غير عادل، ولوحت واشنطن ردا على ذلك بفرض تعريفة جمركية إضافية بنسبة 25 في المئة على البرازيل، لكن البرازيليين لم يُظهروا اكتراثا كبيرا، وقال الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف بانتقاداته المتكررة للنفوذ الأميركي: "بيكس إنجاز برازيلي ولن نتخلى عنه"، وحتى خصمه اليميني فلافيو بولسونارو رفض فكرة التخلي عن النظام، مقترحا بدلا منها تسوية تتعهد البرازيل بموجبها بعدم ربط "بيكس" بشبكات دفع عابرة للحدود تنافس الشبكات الأميركية.

وتختصر هذه المواجهة ملامح الواقع الجيوسياسي الجديد الذي يتشكل في عالم المال، ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تطبيق ما وصفه سكوت بيسنت، وزير الخزانة، أخيرا بأنه "فن إدارة الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين"، حيث "لم يعد الوصول إلى الدولار والاقتصاد الأميركي متاحا عالميا من دون شروط"، وبينما تحاول دول أخرى الرد بالمثل، بدأ النظام المالي العالمي يتفتت إلى منظومات إقليمية ووطنية، ويبدو أن قطاع المدفوعات سيكون نقطة البداية، ما يضع "فيزا" و"ماستركارد"، القطبين الأميركيين المهيمنين على القطاع، أمام تحديات متزايدة.

وفي يناير/كانون الثاني، حذرت أورور لالوك، رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي، من أن الولايات المتحدة، في حال تبنيها موقفا عدائيا، قد تحرم القارة بسهولة من الوصول إلى البنية التحتية للدفع الفوري، وقالت: "لن يمكنكم أن تقولوا إن أحدا لم يحذركم"، مؤكدة ضرورة أن تطور أوروبا بدائلها الخاصة، وبعد أسابيع، أفادت تقارير بأن عددا من رؤساء المصارف البريطانية اجتمعوا في لندن لبحث إنشاء شبكة بريطانية تنافس "فيزا" و"ماستركارد".

(رويترز)
بطاقتا "فيزا" و"ماستركارد" على لوحة مفاتيح... صورة تعبيرية، 24 سبتمبر 2025.

وقالت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، في مقابلة إذاعية أجريت في وقت سابق من هذا العام: "من المهم لنا جميعا أن تكون المدفوعات الرقمية تحت سيطرتنا".

المواجهة مع واشنطن تختصر الواقع الجيوسياسي الجديد... والنظام المالي يتفتت إلى منظومات إقليمية

حتى وقت قريب، كان القلق من شبكات المدفوعات الخاضعة للقيادة الغربية يقتصر إلى حد كبير على الدول التي تربطها بالولايات المتحدة "علاقات جيوسياسية مضطربة"، بحسب جون كوليسون من شركة "سترايب" للمدفوعات، وبعدما حرمت العقوبات الأميركية والأوروبية روسيا من الوصول إلى البنية التحتية الدولية للمدفوعات، لجأت موسكو إلى نظام المراسلة الخاص بها "إس بي إف إس" (SPFS)، وإلى شبكة بطاقات "مير" ، كما أنشأت الصين بنيتها الخاصة للمدفوعات العابرة للحدود، سواء من خلال مبادرات حكومية أو عبر توسع الشركات الخاصة العملاقة، وفي مقدمتها "علي باي" و"ويتشات باي"، مدفوعة بمخاوف من الهيمنة الأميركية.

لكن هذه الدول لم تعد تمثل حالات استثنائية، يقول إسوار براساد من جامعة كورنيل إن تنويع البدائل بعيدا عن الولايات المتحدة أصبح اليوم "رغبة ملحة لدى صانعي السياسات في كل بلد تقريبا" ، ورغم أن جانبا كبيرا من النقاش انصب على دور الدولار، بات صانعو السياسات ينظرون على نحو متزايد إلى البنية التحتية  للمدفوعات بوصفها مسارا أكثر واقعية نحو تحقيق الاستقلال،  وفي مايو/أيار، رأى شو قاو، الخبير الاقتصادي في بنك الصين الدولي، أن على الصين أن تمنح الأولوية إلى "ضمان امتلاكها قنوات دفع دولية آمنة" و"توسيع شبكة مدفوعات الرنمينبي عالميا" ، بدلا من التركيز على تحويل التدفقات العابرة للحدود إلى اليوان.

تتعدد المسارات المتاحة أمام الدول الراغبة في تنويع الشبكات التي تمر عبرها مدفوعاتها الدولية، ويأتي في مقدمتها بناء أنظمة محلية مستقلة، وفي هذا السياق، تبرز مشاريع أوروبية حديثة استعادت زخمها بعد سنوات من التعثر، إذ توسعت منطقة المدفوعات الموحدة باليورو "إس إي بي إيه" (SEPA)، التي تضم شبكات مخصصة للمدفوعات المقومة باليورو، لتشمل 41 دولة، كما يدعم تحالف من المصارف وشركات التكنولوجيا المالية نظام "ويرو" ، وهو محفظة رقمية تهدف إلى دمج أنظمة الدفع الوطنية السريعة، مثل منصة "آي ديل" الهولندية، ويتباهى موقع النظام بالقول: "إنه بسيط وسلس وصنع في أوروبا" ، وفي موازاة ذلك، يأمل البنك المركزي الأوروبي في إطلاق يورو رقمي بحلول عام 2029.

بنت موسكو شبكاتها الخاصة، وضمت الصين عشرات الدول لليوان الرقمي المخصص للمدفوعات العابرة للحدود خوفا من الهيمنة الأميركية

يتمثل المسار الثاني في الابتعاد عن الأنظمة الأميركية والتوجه نحو شبكات ترتبط بالقوة العظمى المنافسة، ويشير جوش ليبسكي من المجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث، إلى أن بنك الصين ضم أخيرا عشرات الدول إلى نظام اليوان الرقمي المخصص للمعاملات العابرة للحدود، وفي مارس/آذار، مرر نظام المدفوعات الصيني بين المصارف عبر الحدود "سي آي بي إس" (CIPS)، الذي يقدم نفسه بديلا لشبكة "سويفت" المصرفية التي تتخذ من بلجيكا مقرا لها وتخضع لهيمنة أميركية، تدفقات يومية بلغ متوسطها مستوى قياسيا قدره 920 مليار يوان، أي ما يعادل 134 مليار دولار، بزيادة نسبتها 20 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، وفي أبريل/نيسان، سجل النظام رقما قياسيا جديدا لحجم المعاملات المنفذة خلال يوم واحد، بلغ 1.2 تريليون يوان، بحسب شركة "إف إكس سي إنتيليجينس" (FXC Intelligence) المتخصصة في توفير البيانات.

أما المسار الثالث، فيقوم على تجاوز المشاريع الدولية الواسعة لمصلحة اتفاقات ثنائية، وفي هذا السياق، تعمل واجهة المدفوعات الموحدة الهندية "يو بي آي" (UPI)، وهي نظام دفع يعتمد على رموز الاستجابة السريعة، حاليا في تسع دول، فيما تستعد دول أخرى لاعتمادها، ويقول ريتيش شوكلا، من شركة "إن بي سي آي إنترناشيونال" المشرفة على توسيع النظام خارج الهند، إن فريقه يمتلك "خارطة طريق حافلة" لمزيد من التوسع، سواء عبر ربط الأنظمة القائمة أو مساعدة الدول على بناء أنظمتها الخاصة، ويضيف: "تتعهد علامتنا بأن نمنحكم السيادة، كي تتمكنوا من تلبية التزاماتكم المحلية ودفع أجندتكم الوطنية".

(رويترز)
شخص يدفع مالا بهاتفه المحمول عبر نظام الدفع الإلكتروني الفوري "بيكس" داخل متجر في ريو دي جانيرو في البرازيل، 1 أبريل 2024.

ورغم أن الغالبية العظمى من المدفوعات العابرة للحدود لا تزال تمر عبر شبكات أميركية، أو عبر شبكات تستطيع الولايات المتحدة الوصول إليها، فإن السيد براساد يرى أن الاتفاقات الثنائية والمتعددة الأطراف التي تربط أنظمة الدفع الوطنية، مثل "بيكس" وواجهة المدفوعات الموحدة الهندية، قد تتيح للدول توجيه تدفقات مالية كبيرة بعيدا عن شبكات البطاقات والمصارف المراسلة التقليدية.

 

أسهم القطبين الأميركيان "فيزا" و"ماستركارد" تتراجع رغم الأرباح القوية، وأنظمة المدفوعات السيادية تضغط على هوامش تشغيلهما التي تتجاوز 50 في المئة

وقد يحد نقص السيولة في بعض العملات، على المدى القصير، من حجم المدفوعات التي يمكن تمريرها عبر هذه المسارات، أما على المدى الأبعد، فقد تسمح الابتكارات في مجال النقود الرقمية لجزء كبير من مدفوعات التجزئة بتجاوز القنوات المهيمنة حاليا بالكامل، ومع ذلك، يرجح أن تبدأ الشركات الراسخة في قطاع المدفوعات بالشعور بضغط هذه التحولات خلال الأجل المتوسط..

وقت الحساب

قد يؤدي صعود أنظمة المدفوعات "السيادية"، خاصة في أوروبا التي تشكل سوقا حيوية لشركتي "فيزا" و"ماستركارد" الدولية، إلى الضغط على هوامش تشغيلهما المرتفعة التي تتجاوز 50 في المئة، وحذرت الشركتان في أحدث تقاريرهما السنوية من أن منح "معاملة تفضيلية" للمنصات المحلية يمثل تهديدا مباشرا لأعمالهما؛ وهو ما يفسر جزئيا تراجع شهية المستثمرين تجاه هذين العملاقين مؤخرا رغم أرباحهما القوية المستمرة، فبعد موجة صعود متواصلة بدأت عام 2023، شهدت أسهم الشركتين تراجعا ملحوظا خلال العام الماضي.

ويقول أوليفر جينكين، رئيس الأسواق العالمية في "فيزا"، إنه يتنقل بين دول العالم لطمأنة الحكومات إلى أن الشركة تأخذ المخاوف المحلية على محمل الجد، وفي مايو/أيار، أعلنت "فيزا" استثمار 500 مليون يورو، أي ما يعادل 571 مليون دولار، في بنيتها التحتية الأوروبية، بما في ذلك إنشاء مركز تقني في بولندا من المقرر افتتاحه عام 2027، كما قال مسؤولو الشركة في أبريل/نيسان إنها تتعاون مع "يونيون باي"، شركة المدفوعات الصينية، لتوفير خدمات الدفع الفوري في الصين.

وتتحرك "ماستركارد" بدورها لحماية أعمالها من تداعيات التحولات الجيوسياسية، فقد كتبت كيلي ديفاين، رئيسة أعمال الشركة في القارة، عام 2025: "توجد اليوم شبكة مدفوعات أوروبية تعمل لمصلحة أوروبا، وهذه الشبكة هي ماستركارد"، ولتعزيز هذه الرسالة، تعمل الشركة على إنشاء ثلاثة مراكز بيانات في فرنسا بكلفة 250 مليون يورو، تضاف إلى أكثر من عشرة مراكز تديرها بالفعل في أنحاء أوروبا.

(أ.ف.ب)
شخص يستخدم تطبيق "ويرو"، نظام الدفع الأوروبي الجديد عبر الهاتف المحمول، 24 سبتمبر 2024.

غير أن التوجه نحو السيادة في مجال المدفوعات قد يثير مشكلات تتجاوز عمالقة بطاقات الدفع، إذ يرى مجلس الاستقرار المالي، وهو هيئة دولية تتابع التقدم في المدفوعات العابرة للحدود، أن تنامي التجزؤ سيحول على الأرجح دون تحقيق مجموعة العشرين أهداف المدفوعات الدولية التي وضعتها عام 2020، وفي مقدمتها تسريع التحويلات المالية وخفض كلفتها.

لكن الخطر الأشد، بحسب السيد ليبسكي، يكمن في احتمال أن يقود سعي الدول إلى ترسيخ سيادتها في مجال المدفوعات إلى ظهور أنظمة إقليمية غير متوافقة فيما بينها،  ومن شأن ذلك أن يزيد من الاحتيال المالي والتهرب من العقوبات، فضلا عن إلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي، ويقدر تقرير رعته "سويفت" وأعدته "إيكونوميست إمباكت"، أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 2.6 في المئة بحلول عام 2030، وقد تكتشف الدول أن كلفة السيادة في مجال المدفوعات تفوق ما تتوقعه، وربما تكتشف الولايات المتحدة الأمر نفسه أيضا.

font change

مقالات ذات صلة