عدد أعضاء مؤتمر "الحزب الشيوعي الصيني" الـ20 عام (2022) بلغ 2300 مندوب، مثلوا 100 مليون عضو في الحزب، في 5 ملايين منظمة قاعدية، أي لكل 20 عضوا منظمة قاعدية، يعبرون عن أنفسهم فيها، وينشطون عبرها، في بلد بات القوة الثانية في العالم، عدد سكانه مليار ونصف المليار نسمة، بيد أن عدد المشاركين في مؤتمر "فتح" الثامن من باب المقارنة، والذي يعقد هذه الأيام، بلغ 2580 عضوا (مرشحا للزيادة)، وعدا عن تلك المفارقة العددية، ثمة مفارقات في النوعية، ومعايير اختيار المندوبين، والقضايا المطروحة للنقاش.
مع ذلك فإن المؤتمر الذي تعقده هذه "الحركة" يستقطب اهتمام معظم الفلسطينيين بكافة اتجاهاتهم، بالرغم من أوضاعهم الصعبة والمعقدة، والفجوة بينهم وبين قياداتهم، وقناعتهم بإخفاق الخيارات السياسية والكفاحية التي انتهجتها حركتهم الوطنية، طوال العقود الستة الماضية، وضمن ذلك تآكل مكانة الفصائل بين الفلسطينيين في الداخل والخارج.
ثمة أسباب عديدة تضفي أهمية على تلك "الحركة"، وتاليا على مؤتمرها، فهي بالنسبة للفلسطينيين، الرائدة في إطلاق حركتهم الوطنية المعاصرة، وصانعة هويتهم الوطنية، والأكثر شبها بشعبها، بتمثلها حال التنوع والتعددية فيه، ثم إنها الحركة التي تبوأت مكانة القيادة في كفاحهم الوطني، في المنظمة والسلطة، في الكفاح المسلح وفي التسوية بما لها وما عليها.
هكذا فإن مناسبة المؤتمر يفترض أن تشكل لـ"فتح"، بقياداتها وكوادرها وأعضائها، فرصة لمواجهة الحقيقة، بشكل جريء وصريح، فهي ليست في أحسن أحوالها، بل إنها فقدت، منذ زمن، كثيرا من عناصر تميّزها وقوّتها، وباتت من الناحية التنظيمية غير واضحة المعالم، وتفتقد للطابع المؤسسي، والعلاقات الديمقراطية والقيادة الجماعية، وهي لم تتحول إلى حزب، ولم تعزز ذاتها كجبهة، تتعايش فيها تيارات فكرية أو سياسية متعددة، على النحو الذي كانته في السبعينات والثمانينات، مثلا.
بعد عقد اتفاق أوسلو (1993) وإقامة كيان السلطة في الضفة والقطاع، ولا سيما بعد رحيل مؤسسها ومهندسها ياسر عرفات، فقدت "فتح" كثيرا من طبيعتها، أو هويتها السياسية، كحركة تحرر وطني، بتغليبها ذاتها كسلطة وكحزب للسلطة
وبعد عقد اتفاق أوسلو (1993) وإقامة كيان السلطة في الضفة والقطاع، ولا سيما بعد رحيل مؤسسها ومهندسها ياسر عرفات، فقدت "فتح" كثيرا من طبيعتها، أو هويتها السياسية، كحركة تحرر وطني، بتغليبها ذاتها كسلطة وكحزب للسلطة، وهذا بدوره أثر على بناها التنظيمية، وعلى أهليتها النضالية، في مواجهة العدو، كما أثر ذلك سلبا على طبيعة علاقتها بشعبها، في الداخل والخارج، وعلى طريقة إدارتها لـ"منظمة التحرير الفلسطينية".
بمعنى آخر، لا يستقيم الحديث عن أزمة في الحركة الوطنية الفلسطينية، وخياراتها السياسية والكفاحية، وفي الشرعية الوطنية، وفي بناء المنظمة وبناء السلطة، دون تعيين مظاهر الأزمة في "فتح" ذاتها، أو من دون الإقرار بوجود هذه الأزمة فيها، من قبل قيادتها وكوادرها وأعضائها قبل أي أحد آخر، سيما أنها تؤكد باستمرار، أنها قائدة الحركة الوطنية الفلسطينية، ما يفرض أن تتحمل بذات القدر، مسؤوليتها عن مآلات تلك الحركة.
هذا يأخذنا إلى الحديث عن مؤتمر "فتح"، وهو الثالث من نوعه الذي يعقد في الداخل الفلسطيني، منذ إقامة السلطة (1994) في الضفة والقطاع، ضمن ثمانية مؤتمرات عقدتها منذ تأسيسها (1965-2026)، بواقع مؤتمر كل (7- 8) سنوات، ما يفيد بعدم انتظام الحياة الداخلية فيها، فالفترة بين المؤتمر الخامس (تونس 1988)، والسادس (بيت لحم 2009)، كانت 21 عاما، وبين المؤتمر السابع (رام الله 2016) والثامن (رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، 2026) عشرة أعوام.
تشكيلة المؤتمر تتوقف على قرار القيادة، في تجاوز حتى للمعايير الفضفاضة المتضمنة في النظام الداخلي للحركة، ما يفيد بأن القيادة هي التي تنتخب ناخبيها، أي تعين أعضاء المؤتمر الذين بدورهم ينتخبون قيادتهم
لا يقف الأمر عند هذا الحد إذ إن تشكيلة المؤتمر تتوقف على قرار القيادة، في معظم الأحوال، في تجاوز حتى للمعايير الفضفاضة المتضمنة في النظام الداخلي للحركة، ما يفيد بأن القيادة هي التي تنتخب ناخبيها، أي تعين أعضاء المؤتمر الذين بدورهم ينتخبون قيادتهم، علما أن أغلب هؤلاء لا يمارسون حقا أي دور سياسي، أو لا ينضوون في أي إطار تنظيمي، باستثناء المرشحين، المنتخبين بطريقة أو بأخرى، من الأقاليم، إذ تتمثل الضفة الغربية بنحو 200 عضو، وقطاع غزة بنحو 150 عضوا، والأقاليم الخارجية 200 عضو؛ يضاف إليهم، أعضاء اللجنة المركزية (19 عضوا) والمجلس الثوري (80 عضوا)، فهؤلاء يمثلون تنظيم "فتح"، وينضوون في إطار علاقات سياسية- تنظمية.
أما غير المنتخبين، المعينون من قبل القيادة في جميع المناصب في السلطة والمنظمة والاتحادات، فثمة 80 عضوا للمجلس الاستشاري، وهو إطار وجاهي وغير فاعل، و130 عضوا من الحكومة، و51 وزيرا ووكلاء وزراء، و134 عضوا من "منظمة التحرير"، و45 سفيرا، و200 عن النقابات والاتحادات، و150 من الشبيبة، و150 لكتلة المرأة، و100 من مفوضيات الحركة، وثمة لأجهزة الأمن 400 عضو، وهذا يفيد أولا، أن عضوية المؤتمر لا تخضع لمعايير قانونية وفق النظام الداخلي. ثانيا، إن التنسيب للمؤتمر يجري ضمن توظيفات معينة. ثالثا، أن قيادة "فتح" تتصرف على أساس أن الحركة بمثابة حزب للسلطة، بمشاركة وزراء ووكلاء وزراء، وسفراء وموظفين في الحكومة والأجهزة الأمنية.
وللتذكير، فقد تشكل المؤتمر السابق (السابع) من 1400 عضو، أما المؤتمر السادس فتشكل من 2400 عضو، ما يؤكد الطابع الاعتباطي لزيادة أو إنقاص عدد أعضاء المؤتمر، باعتبار ذلك رهنا بقرار من الرئيس، وهو رئيس المنظمة والسلطة و"فتح" في آن واحد.
وفي الواقع فإن عدد المؤتمر المتشكل من 2580 (مرشحا للزيادة)، يعزز من طبيعته كمهرجان، أو كمؤتمر شعبي لأنصار "فتح"، ويحدد وظيفته في انتخاب قيادة جديدة، وإضفاء شرعية عليها، لذا ففي وضع كهذا ليس ثمة مجال لمناقشات سياسية، فلو افترضنا أن واحدا من كل عشرة أعضاء سيتحدث في المؤتمر (3 أيام)، فهذا يعني أن ثمة 250 متحدثا، بواقع 75-80 متحدثا، في اليوم الواحد، ما يتعذر وجود مناقشات جدية، بخاصة أن كلمات بعض القياديين هي التي ستتصدر المشهد، أو ستهيمن على المؤتمر فقط لا غير، ما يؤكد أن جل الاهتمام يتركز على الانتخابات، وتاليا إضفاء الشرعية على القيادة الفتحاوية الجديدة.
كان يمكن للقيادة الفتحاوية، في الإعداد للمؤتمر الأخذ بخيارات أخرى، ضمنها، أولا عقد مؤتمرات فرعية في الخارج والداخل، وفي مختلف الأجهزة والإطارات، يتم خلالها مناقشة الخيارات السياسية والكفاحية، وأوضاع الحركة، كما يتم عبرها اختبار مندوبين عن كل إقليم، وعن كل إطار إلى المؤتمر الثامن، بحيث لا يتجاوز عدد أعضائه الـ200 أو 300 مثلا.
ثانيا، طرح رؤاها السياسية على النقاش العام، في الأطر الفتحاوية وخارجها، إذ يفيدها ويغنيها، أن تستمع لوجهات نظر أخرى، كونها تطرح نفسها كممثل للشعب وكقائد لكفاحه.
ثالثا، على أهمية مسودة "البرنامج السياسي" المطروحة إلا أنها ظلت قاصرة عن ملاحظة أسباب الأزمة الوطنية الفلسطينية، التي تشمل الخطابات والبنى وأشكال العمل والكفاح، كما لم تلحظ إخفاق الخيارات السياسية والكفاحية الفلسطينية، من فكرة التحرير إلى الدولة المستقلة إلى السلطة الوطنية، مرورا بخيارات الكفاح المسلح والتسوية والانتفاضة والمفاوضة، وضمن ذلك حالة تهميش "منظمة التحرير"، وحال التصدع في الإجماع الوطني الفلسطيني، مع صعود أولويات متباينة ومختلفة لكل مجتمع من مجتمعات الفلسطينيين.
مشكلة الحركة الوطنية الفلسطينية، وضمنها "فتح" أنها ظلت دائما تحيل الإخفاقات إلى عوامل خارجية، وأنها لا تضع نفسها في إطار المراجعة والمساءلة والمحاسبة
رابعا، مشكلة الحركة الوطنية الفلسطينية، وضمنها "فتح" أنها ظلت دائما تحيل الإخفاقات إلى عوامل خارجية، وأنها لا تضع نفسها في إطار المراجعة والمساءلة والمحاسبة.
باختصار هذا المؤتمر هو الثالث في الداخل، والثالث بعد رحيل ياسر عرفات، ولعل "فتح" في هذه الظروف الصعبة، وبعد النكبة الجديدة، بحاجة إلى تأكيد مشروعيتها بطريقة جدية ومسؤولة وكفاحية، بعيدا عن المهرجانات والاستعراضات والشعارات، فالشعب الفلسطيني ما زال بحاجة إلى "فتح" كحركة وطنية تعددية، تشبهه، وتعبّر عنه، وتقود كفاحه الوطني؛ لكن ذلك يتطلب أن تعي الحركة، كقيادة وكوادر وأعضاء ذلك وكيفية العمل عليه.