طبول الحرب الأميركية مجددا في الشرق الأوسط

هل يستطيع لاريجاني إعادة بناء "شرعية النظام" من الداخل والخارج؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد فورد" راسية في خليج سودا في جزيرة كريت اليونانية في البحر الأبيض المتوسط، في 24 فبراير 2026

طبول الحرب الأميركية مجددا في الشرق الأوسط

أصبح من الواضح أن لا شيء يؤخر الضربة العسكرية الأميركية ضدّ إيران سوى اتمام مفاعيلها وكأنها وقعت فعلا وحققت أهدافها. ما عدا ذلك فالضربة مسألة وقت وليست خاضعة على ما يبدو للتأجيل لأي سبب كان، حتى تلك الأسباب التي قيل خلال الأيام والأسابيع الماضية إنها تدفع دونالد ترمب إلى التريث والعد إلى العشرة أو المئة أو الألف قبل تنفيذ الهجوم، ومنها أن إيران ليست فنزويلا نيكولاس مادورو، وليست عراق صدام حسين، وبالتالي هناك خشية من أن تطول الحرب فتكثر تداعياتها داخل الولايات المتحدة وفي المنطقة، وربما يحصل نقص في الذخائر خصوصا الصواريخ الاعتراضية التي استهلك الكثير منها خلال الدفاع عن إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي والتي أرسل الكثير منها إلى أوكرانيا أيضا وسط تعقيدات في الإنتاج.

والخشية أيضا من أن تدفع "الصفعة التحذيرية" إلى نشوب حرب إقليمية كما هدد "المرشد" علي خامنئي، فتحداه ترمب بأن "سنرى ماذا سيحصل". لكن يبدو أن الرئيس الأميركي أصبح مقتنعا بأنه لا يمكنه أن يعود في منتصف الطريق من دون تحقيق "نصر" على إيران أو بالأحرى على خامنئي نفسه. والأرجح أنه أصبح مقتنعا بأن كلفة الإحجام عن استخدام "الأرمادا" الضخمة في المنطقة والتي لم يحشد مثلها منذ غزو العراق في عام 2003 صارت أكبر من كلفة استخدامها أيا تكن هذه الكلفة، ولاسيما على أبواب انتخابات نصفية في الولايات المتحدة. وربما كان في ذهن ترمب أن هذه الضربة فرصة انتخابية أساسية وليس العكس.

إذن كل التحضيرات الأميركية للحرب أصبحت مكتملة في انتظار "ساعة الصفر": حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد فورد" وصلت إلى جزيرة كريت اليونانية، لتنضم إلى حاملة الطائرات الأخرى "يو إس إس أبراهام لينكولن"، وعشرات الطائرات المقاتلة والقاذفات وطائرات التزويد بالوقود، وبطاريات مضادة للصواريخ. وتشير تقارير إلى أن هذا الحشد العسكري يمثل ما بين 40 إلى 50 في المئة من القوة الجوية الأميركية القابلة للنشر حول العالم، و"لم يسبق للولايات المتحدة أن نشرت هذا القدر من القوة من دون استخدامها". كذلك بث الرئيس الأميركي منشوراً على منصته "تروث سوشيال"، مساء الاثنين، نفى فيه تقارير وأخبارا تحدثت عن تحذيرات أصدرها الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة من شن هجوم على إيران ومعارضته لهذا الهجوم بسبب نقص الذخائر والدعم من الحلفاء واحتمالات تعرض القوات الأميركية لمخاطر كبيرة، وكأن ترمب بهذا النفي يحسم النقاش داخل الإدارة لصالح شن ضربة عسكرية ضد نظام الحكم في إيران.

الاستسلام في القاموس الأميركي الراهن يعني أولا أن يعلن النظام الإيراني أنه مستعد لتجرع "كأس السم" الثانية خلال 47 عاما من عمره، بعد أن تجرعه بقبول وقف إطلاق النار مع العراق نهاية الثمانينات

وقبل ذلك صرّح المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إلى أن دونالد ترمب يتساءل عن سبب عدم "استسلام" طهران حتى الآن، وهي دعوة صريحة لها لتلقف الفرصة الأخيرة والقبول بـ"الاستسلام الطوعي"، قبل توجيه ضربة عسكرية ستدفع الحكم الإيراني إلى "الاستسلام القسري"، وفق المنطق الأميركي الراهن.

ومن المؤشرات على "ميل" ترمب إلى الخيار العسكري ضد إيران أن واشنطن أمرت الدبلوماسيين غير الأساسيين بمغادرة بيروت، وأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أجّل زيارته التي كانت مرتقبة في نهاية الأسبوع إلى إسرائيل إلى مطلع الشهر المقبل.

إلى ذلك فإن تسريبات "نيويورك تايمز"‏ عن أن "ترمب يدرس توجيه ضربة محدودة لإجبار إيران على التخلي عن برنامجها النووي، وإذا فشلت فسيسقط النظام"، هي بمثابة محضر اجتماع داخل البيت الأبيض لبحث الخيارات المطروحة للتعامل مع "الملف الإيراني"، ولم تكن مجرد سبق صحافي، بل هي رسالة مباشرة إلى القيادة الإيرانية لتلقف الفرصة الأخيرة التي ستكون على الأرجح الخميس المقبل في جنيف، فإما الإقدام على تنازلات جدية في الملف النووي والقبول بـ"التخصيب الرمزي"، وإما فإن على طهران الاستعداد لحملة عسكرية لا يبدو أن ترمب يخشى من أن تطول، بل على العكس تماما فإن تسريبات "نيويورك تايمز"‏ توحي بأن ترمب لا يسقط من عقله أن تستمر الحرب مع إيران لأشهر وربما طيلة الفترة المتبقية من ولايته الثانية والأخيرة، وعلى مراحل ربما، في حال لم "تستسلم" إيران. فبحسب الصحيفة الأميركية أبلغ ترمب مستشاريه المقربين بأنه سيشن ضربة كبيرة ضد إيران خلال الأشهر المقبلة، في حال لم تنجح الدبلوماسية، أو ضربة افتتاحية قصيرة تدفع طهران نحو التخلي عن برنامجها النووي".

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع في نادي مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، في 29 ديسمبر 2025

والاستسلام في القاموس الأميركي الراهن يعني أولا أن يعلن النظام الإيراني أنه مستعد لتجرع "كأس السم" الثانية خلال 47 عاما من عمره، بعد أن تجرعه بقبول وقف إطلاق النار مع العراق في نهاية الثمانينات، لكن إذا كانت الحرب مع العراق لمدة ثماني سنوات قد رسخت القواعد الاجتماعية والسياسية والعسكرية للنظام الإيراني، فإن الحرب مع الولايات المتحدة ستعيد، في أقل تقدير، إعادة إنتاج هذا النظام في "نسخة إسلامية مخففة"، على ما تذهب إليه بعض التقارير.

غير أن اللافت، أنه وفي مقابل التسريبات الأميركية المهمة والمليئة بالرسائل، فإن التسريبات الإيرانية لا تقل أهمية ودلالة وكأنها تؤكد أن نظام الحكم في إيران قد دخل من تلقاء نفسه في مرحلة انتقالية. فصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية نقلت عن مصادر مطلعة بأن الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني قاد تحركاً داخل النظام لمحاولة إبعاد "المرشد" وذلك قُبيل انطلاق حملة القمع ليلة 8 إلى 9 يناير/كانون الثاني، عندما كانت الاحتجاجات في ذروتها. وأفادت المصادر بأن هذه المحاولة لم تنجح، بعدما لم يحظَ التحرك بدعم علي لاريجاني، أمين عام مجلس الأمن القومي، الذي كان ممثلاً في الاجتماع.

استهداف القيادة الإيرانية بما يشمل "المرشد" ونجله مجتبى، من بين سيناريوهات عُرضت على ترمب ضمن حزمة واسعة من الخيارات العسكرية

ويأتي هذا التقرير بعدما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "المرشد" كلف لاريجاني، أحد أبرز رجاله الموثوق بهم، بإدارة شؤون البلاد في ظل الاحتجاجات وتصاعد احتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة، بما في ذلك احتمالات اغتيال القيادة وعلى رأسهم "المرشد"؛ وكان موقع "أكسيوس" نقل عن مصادر وصفها بالمطلعة، السبت، أن استهداف القيادة الإيرانية بما يشمل "المرشد" ونجله مجتبى، من بين سيناريوهات عُرضت على ترمب ضمن حزمة واسعة من الخيارات العسكرية.

ونقلت الصحيفة عن 6 مسؤولين إيرانيين كبار و3 أعضاء في "الحرس الثوري" ودبلوماسيين سابقين لم تذكر أسماءهم، أن لاريجاني يتولى عملياً إدارة الملفات السياسية والأمنية الحساسة منذ أوائل يناير/كانون الثاني، حين واجهت البلاد احتجاجات واسعة وتهديدات أميركية بضربات عسكرية. إلى ذلك أثارت وسائل إعلام إيرانية تكهنات بمساعٍ لتعيين خليفة "المرشد" الذي تولى مهامه في عام 1989 خلفاً لـ"المرشد الأول" (الخميني).

أ ف ب
رئيس البرلمان الإيراني السابق علي لاريجاني يظهر أوارق تسجيله إلى الانتخابات الرئاسية في طهران في 31 مايو 2024

كل ذلك يؤشر إلى "حراك ما" داخل هيكلية الحكم في إيران، أو بالأحرى إن ما يجري ليس أقل من عملية نقل صلاحيات الحكم إلى لاريجاني، وهذا على الأرجح لن يكون إجراء مؤقتا إلى حين "مرور العاصفة"، بل إنه، غالب الظن، إجراء دائم، وبمثابة إعلان عن مرحلة جديدة في مسار نظام الحكم في إيران بقيادة علي لاريجاني، والذي يقود على ما يبدو مسارا موازيا لـ"مسار جنيف". وعلى الأرجح فهو يخوض مفاوضات سياسية مع الأميركيين بوساطة عمانية وربما قطرية، تشمل محاولة الحصول على اعتراف واشنطن بـ"النظام الجديد".

لكن هل يحصل ذلك؟ الجواب حتما صعب وسط التعقيدات المحيطة بالملف الإيراني، من الداخل الأميركي إلى الهواجس الإقليمية، لكن في الوقت نفسه من الصعب التصور أن يستطيع لاريجاني وهو من صقور النظام الإيراني وأشرف على قمع الاحتجاجات الأخيرة، إعادة بناء الشرعية الداخلية والخارجية حول النظام الإيراني... فالأكيد أن ذلك ليس "استسلاما" إيرانيا كالذي ينتظره ترمب، بل سيكون بمثابة انتصار لنظام الحكم في إيران في أشد لحظاته ضعفا عبر تاريخه، وهذه مفارقة لا يبدو أنها قابلة للتحقق في اللحظة الإقليمية والدولية الراهنة، إلا إذا أعاد دونالد ترمب تعريف كلمة "استسلام".

font change

مقالات ذات صلة