هناك "ترمبان" يراقبان إيران، ولا تعرف الجمهورية الإسلامية ولا إسرائيل أيهما سيرفع سماعة الهاتف.
الأول هو "رئيس السلام"، الرجل الذي رُشّح لجائزة نوبل بعد وقف إطلاق النار عام 2025، والذي يسعى بإلحاح إلى تثبيت إرثه بوصفه صانع الصفقات الأبرز الذي روّض الشرق الأوسط من دون "حرب أبدية". وهو رجل ينفر من العنف لأسباب اقتصادية، إذ يراه تدميرا وهدرا للموارد والممتلكات والأرواح، وللفرص التي تتيحها الصفقات الجيدة.
أما الثاني فهو رئيس "تلاعبتَ، فتحمّلْ العواقب" (FAFO)، صاحب السجل في اللجوء إلى القوة العسكرية عند نهاية مفاوضات فاشلة. هو الرجل الذي أمر بغارة جريئة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعدما رفض النظام الفنزويلي تقديم تنازلات، وأرسل قاذفات "بي-2" لقصف منشآت إيران النووية العام الماضي في خضم محادثات نووية. وهو نفسه الذي قتل خلال ولايته الأولى الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وقصف ترسانة الأسلحة الكيماوية للرئيس السابق بشار الأسد. وهو الرجل ذاته الذي أمر لتوّه بإرسال مجموعة حاملة طائرات ثانية إلى الخليج، وحذّر قائلا: "منذ 47 عاما، وهم [الإيرانيون] يتحدثون ويتحدثون ويتحدثون، وفي الأثناء خسرنا كثيرا من الأرواح".
يعيش هذان "الترمبان" معا، وقد لا يكون الرئيس نفسه حسم مسار التحرك. وهذه الازدواجية المزعومة جزء من تكتيكات ترمب التفاوضية بقدر ما هي نتاج بيئته الداخلية والدولية. على الجبهة الداخلية، يتصدّع تحالف "ماغا" (اختصارا لشعار لنجعل أميركا عظيمة مجددا، الذي يشكّل قاعدة ترمب الشعبية)، بسبب احتمال التورط مجددا في الشرق الأوسط، مع تحذيرات من أن حربا مع إيران ستُعد خيانة لوعد "أميركا أولا". وفي المقابل، يدفع الصقور الرئيس إلى الوفاء بوعده الأولي للشعب الإيراني بأن "المساعدة في الطريق"، وقد أقرّ الرئيس نفسه بأن تغيير النظام سيكون "أفضل شيء يمكن أن يحدث".
وعلى الصعيد الدولي، يواجه ترمب ضغطا من إسرائيل التي التقى رئيس وزرائها لتوّه، لوضع خطوط حمراء واضحة من شأنها على الأرجح جعل المفاوضات الصعبة شبه مستحيلة. لكن في الوقت نفسه، تضغط مجموعة من الحلفاء الإقليميين، من الخليج إلى مصر وتركيا، على الرئيس لتجنّب سيناريو قد يشعل المنطقة.
الفخ الداخلي: "ماغا" والنفط وانتخابات منتصف الولاية
على الصعيد الداخلي، تقيّد ترمب اعتبارات تبدو واضحة، وأخرى لا تنال ما يكفي من الانتباه. وأبرز هذه القيود هو الانقسام داخل حركته نفسها. فمن جهة، يقف انعزاليون من تيار "ماغا" مثل تاكر كارلسون وستيف بانون ومارجوري تايلور غرين، ويجادلون بأن حربا جديدة في الشرق الأوسط ستخون الوعد بإنهاء "الحروب الأبدية"، وستصرف الانتباه عن أولويات الداخل، مثل الترحيل الجماعي للمهاجرين غير النظاميين ومعارك الثقافة المحلية. ومن الجهة الأخرى، يقف صقور مثل تيد كروز وتوم كوتون وليندسي غراهام، يرون فرصة للتخلص من الجمهورية الإسلامية، أحد أعداء أميركا، بعدما أضعفتها الحرب والاحتجاجات. ويقول هؤلاء إن ترمب يملك فرصة تاريخية لـ"إنهاء المهمة" ضد إيران، فرصة لا ينبغي مقايضتها بتنازلات، أيا تكن.
وقد كشفت ضربات يونيو/حزيران 2025 على المنشآت النووية الإيرانية هذا الشرخ. فعندما أمر ترمب بهجمات محدودة، هلّلت أجزاء من قاعدته، فيما انفجرت أجزاء أخرى غضبا، محذّرة من أن "المحافظين الجدد يختطفون نهج أميركا أولا". وتشير الاستطلاعات منذ ذلك الحين إلى أن ناخبي "ماغا" يظلون شديدي العداء لإيران، لكنهم متشككون أيضا في حروب كبرى جديدة. إنهم يريدون الردع وصناعة الصفقات، لا "عراقا" آخر. ويدرك ترمب أنه إذا خرجت مواجهة مع إيران عن السيطرة وتحولت إلى حملة طويلة مع خسائر أميركية، فسيتجه الغضب إليه هو، لا إلى جنرالات مجهولين.

