الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نقطة اللاعودة

الصراع أبعد عن أن يكون محدودا

المجلة/رويترز
المجلة/رويترز

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نقطة اللاعودة

في صباح يوم 28 فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما عسكريا منسقا على إيران، حمل الاسم الرمزي "عملية الغضب الجارف" (أميركيا) و"عملية الأسد المزمجر" (إسرائيليا)، واستهدف مواقع في أنحاء طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه. ووصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس العملية بأنها "ضربة استباقية" هدفها "إزالة التهديدات التي تواجه دولة إسرائيل"، فيما وصف الرئيس ترمب، في مقطع فيديو نشره على منصة "تروث سوشيال"، العملية بأنها "عملية ضخمة ومستمرة" ترمي إلى تدمير قدرات إيران الصاروخية ومنع النظام من امتلاك أسلحة نووية.

هذا ليس تحركا محدودا، وقد ألمحت الحكومتان إلى أنها قد تستمر أياما، وربما أكثر.

أوضح الرئيس ترمب في خطابه أن الأمر ليس عملية محدودة، إذ شجّع الإيرانيين على التخلص من نظام الجمهورية الإسلامية 

تختلف عملية هذا الصباح نوعيا عن "عملية مطرقة منتصف الليل" في العام الماضي. فقد استهدفت ضربات يونيو/حزيران 2025 منشآت نووية، أما عملية اليوم فتستهدف منصات إطلاق الصواريخ وبنية الصواريخ الباليستية وعقد القيادة العسكرية، والأهم أنها تستهدف قلب الدولة السياسي.

وأوضح الرئيس ترمب في خطابه أن الأمر ليس عملية محدودة، إذ شجّع الإيرانيين على التخلص من نظام الجمهورية الإسلامية قائلا: "عندما ننتهي، تولّوا أنتم حكومتكم، ستكون لكم لتأخذوها. قد تكون هذه فرصتك الوحيدة لأجيال". ودعا خطابه المصور، الذي استغرق ثماني دقائق، صراحة إلى تغيير النظام، وحثّ عناصر "الحرس الثوري" الإيراني على "إلقاء السلاح والحصول على حصانة كاملة، أو مواجهة موت محقق". ويبدو أن ذلك محاولة لإحداث انقسامات داخلية في صفوف النظام. وحتى الآن، وبعد حملة قمع واسعة للاحتجاجات ربما أودت بحياة ما يصل إلى 30 ألف شخص، لم يُظهر النظام تصدعا داخليا كبيرا، لكن الرئيس الأميركي يبدو أنه يراهن على أن ذلك قد يتغير.

وردّد نتنياهو موقف ترمب، قائلا إن العملية الأميركية الإسرائيلية ستخلق الظروف التي تمكّن الشعب الإيراني من "أخذ مصيره بيديه". ويشير ذكر الرئيس ترمب احتمال وقوع خسائر أميركية إلى أن الأمر ليس هجوما محدودا، بل بداية عملية أوسع.

ورغم أن الموجة الأولى من الضربات ركزت على قدرات إيران على الرد، فإن الضربات في طهران بدت موجهة إلى أهداف أوسع، مع ورود تقارير عن وقوع انفجارات عدة في حي شديد التحصين من طهران تقع فيه مكاتب "المرشد الأعلى"، مع الاعتقاد بأن خامنئي نفسه ليس في العاصمة، إضافة إلى انفجارات أخرى قرب مبان حكومية، منها البرلمان الإيراني والمجلس الأعلى للأمن القومي ووزارة الاستخبارات. وفي إسرائيل، كانت مصادر قد أكدت أن أي موقع تابع للنظام يعد مشروعا للاستهداف.

الرد الإيراني

يوحي الرد الإيراني بدوره بأن الصراع بعيد عن أن يكون محدودا. فبعد ساعات قليلة من الهجوم الأميركي-الإسرائيلي المشترك، أطلقت إيران سلسلة هجمات صاروخية على دول في الخليج، بينها الإمارات والبحرين وقطر والكويت. وفي البحرين، كان الهدف على الأرجح قاعدة بحرية أميركية كبرى.

تستخدم إيران إحدى أقوى أوراقها. فهي، عبر استهداف الخليج، توسّع نطاق الصراع وتهدد بصدمة طاقة قد ترسل ارتدادات عبر الاقتصاد. وسيكون لأي جهد أكثر استدامة لإغلاق الخليج أثر ملحوظ على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك أسعار الغاز في الولايات المتحدة. وقبل يوم واحد فقط من الهجوم، كان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يمتدح قدرة الرئيس ترمب على الحفاظ على أسعار منخفضة.

إذا تبخرت قدرة إيران على الانتقام، فستمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل هامشا أكبر للسعي إلى تدمير أوسع للنظام، حتى لو استغرق ذلك أسابيع

وأعلنت جماعة الحوثيين بالفعل أنها ستستأنف الهجمات في البحر الأحمر، في إشارة أخرى إلى أن إيران ووكلاءها يسعون إلى إحداث صدمة اقتصادية أوسع، أملا في زيادة الضغط على إسرائيل والولايات المتحدة لتعليق عملياتهما.

وقد أخذت الولايات المتحدة وإسرائيل هذا الاحتمال في الحسبان. ففي الساعات الأولى للهجوم المشترك، استهدفت ضربات أميركية وإسرائيلية قواعد بحرية إيرانية كان يرجح استخدامها لشن هجمات بحرية. وأبرز الرئيس ترمب أن أحد أهداف الضربات الأميركية يتمثل في "تدمير" البحرية الإيرانية. ورغم أن عددا من أبرز الأهداف، بما في ذلك أصول بحرية إيرانية رئيسة، ربما تعرّض للضرب، فإن إيران حافظت أيضا على مجموعة من القدرات اللامتماثلة، مثل الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ والطائرات المسيرة، وهي قدرات سيكون تعقبها أصعب. وحتى من دون إغلاق الخليج بالكامل، فسوف يتأثر العالم بأي حملة مستمرة تعوق حركة الملاحة.

أ.ف.ب
صورة مجمعة لترمب وخامنئي ونتنياهو

الأهداف

يبدو هدف إيران واضحا نسبيا: ضمان أن تكون الحملة الأميركية-الإسرائيلية أقصر ما يمكن، مع فرض كلفة باهظة عبر خسائر أميركية وألم اقتصادي. ولم يوضح ترمب مدة العملية المقصودة ولا الشكل النهائي الذي يريد الوصول إليه. وأبلغ مسؤولون أميركيون وكالة "رويترز" منذ 14 فبراير/شباط أن الجيش كان يستعد لـ"عمليات مستدامة لأسابيع"، تستهدف ليس مواقع نووية أو صاروخية فحسب، بل أيضا بنية الدولة والبنية الأمنية على نطاق أوسع. وتشير هذه اللغة إلى ما هو أقرب إلى حملة استراتيجية منها إلى ضربة عقابية واحدة، وهي مسار يحمل خطر التصعيد نحو صراع طويل حذّر منه قادة عسكريون أميركيون كبار في أحاديث خاصة.

ويبقى السؤال الحاسم: هل ستتمكن إيران من مواصلة هجماتها الصاروخية المستمرة على إسرائيل والخليج وعلى المصالح الأميركية في أنحاء المنطقة؟ وإلى جانب ضربات قطع الرأس، يرجح أن تركز الولايات المتحدة وإسرائيل على ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة، وكذلك على قدراتها البحرية، بهدف إسكات إيران بأسرع ما يمكن. وسيحدد ذلك نجاح أو فشل العمليات الأميركية-الإسرائيلية. فإذا احتفظت إيران بقدرة على الرد بما يسبب كلفة كبيرة، فقد تضطر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تقليص أهدافهما. أما إذا تبخرت قدرة إيران على الانتقام، فستمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل هامشا أكبر للسعي إلى تدمير أوسع للنظام، حتى لو استغرق ذلك أسابيع.

font change

مقالات ذات صلة