الولايات المتحدة "معلقة" على أعتاب الحرب... مع إيران

تتكشف استعدادات طهران عن عزيمة واضحة وهدف محدد

أ ف ب
أ ف ب
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد آر فورد" تغادر خليج سودا في جزيرة كريت في 26 فبراير 2026

الولايات المتحدة "معلقة" على أعتاب الحرب... مع إيران

"لا أحد يبدأ حربا- أو بالأحرى، لا ينبغي لعاقل أن يبدأ حربا- دون أن يكون واضحا في ذهنه منذ البداية ما ينوي تحقيقه من تلك الحرب وكيف ينوي خوضها. فالهدف السياسي هو الغاية، والحرب هي الوسيلة للوصول إليه، ولا يمكن أبدا النظر إلى الوسائل بمعزل عن غايتها".

(كارل فون كلاوزفيتز، عن الحرب)

"في الحرب، لا بديل عن النصر".

(الجنرال دوغلاس ماك آرثر)

في وصف "الحالة المعلقة"

في أواخر فبراير/شباط 2026، نشرت الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قوة لم تشهدها المنطقة منذ غزو العراق في عام 2003: مجموعتان من حاملات الطائرات الضاربة، وأسطول من السفن الحربية السطحية، وما يزيد على مئة طائرة منتشرة في الخليج وإسرائيل. وصرح الرئيس ترمب علنا بأنه لن يسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية، وكتب على منصته "تروث سوشيال": "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فسيكون يوما عصيبا على إيران". إلا أن الحرب لم تصبح أمرا واقعا بعد. وقد اجتمع الوفد الأميركي مع نظيره الإيراني في جنيف في السادس والعشرين من فبراير، ولا تزال المفاوضات قائمة من الناحية الإجرائية.

إلا أن هذا "الوضع المعلق" ليس مجرد نتيجة للتردد الدبلوماسي، بل هو نتاج منطقي لفشل أعمق: فالبيت الأبيض لم يقدم بعد إجابة متماسكة على السؤال الجوهري الذي طرحه كلاوزفيتز قبل حوالي قرنين. ومن خلال النظر بجدية إلى سبب عدم اندلاع الحرب، نصل إلى فهم دقيق للتوترات المحيطة بإيران أكثر مما يمكن أن تقدمه أي نشرة من الجبهة.

أربعة أهداف... وارتباك واحد عميق

قدم الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، للرئيس ترمب مجموعة من الخيارات العملياتية، تتراوح بين ضربات محدودة تهدف إلى تعزيز الموقف الأميركي التفاوضي، وصولا إلى حملة متواصلة تهدف إلى الإطاحة بالجمهورية الإسلامية بشكل كامل. وفي الوقت نفسه، وضع أمام الرئيس المخاطر الجسيمة التي ينطوي عليها كل خيار.

ظهر جليا في حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي أنه لا يمكن تغيير النظام من خلال ضربات محدودة على المنشآت النووية

بيد أن الصعوبة لا تكمن في تعدد الخيارات، بل في الحقيقة المؤلمة التي تجلت في فشل الإدارة الأميركية في التوصل إلى أي إجماع في الآراء بخصوص الهدف السياسي الذي تتوافق معه هذه الخيارات. حيث تسعى واشنطن إلى تحقيق أربعة أهداف متناقضة في الوقت نفسه: تخلي إيران الكامل عن برنامجها النووي، وتفكيك قدراتها الصاروخية الباليستية، وتغيير النظام، وتحييد شبكة وكلائها الإقليميين.

أ ف ب
في هذه الصورة التي نشرتها وزارة الخارجية العمانية في 26 فبراير 2026، يظهر المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف (في الوسط) وجاريد كوشنر وهما يعقدان اجتماعاً مع وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي (على اليمين) في جنيف.

وتختلف هذه الأهداف اختلافا جوهريا في نطاق وطبيعة الوسائل العسكرية التي تتطلبها، بحيث لا يمكن التوفيق بينها في عملية واحدة. وقد ظهر جليا في حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران الماضي أنه لا يمكن تغيير النظام من خلال ضربات محدودة على المنشآت النووية. وعلى نحو مماثل، فإن حملة تهدف إلى الإطاحة بالنظام تتعارض كليا مع السعي المتزامن للتوصل إلى اتفاق نووي. وقد عبر الجنرال المتقاعد جوزيف فوتيل، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية، عن الأمر ببساطة عندما قال: "من الأهمية بمكان تحديد الغاية النهائية بوضوح؛ فهي تصبح مقياسا لمدى الإنجاز". وفي ظل الظروف الراهنة، لا تزال هذه الغاية النهائية غير محددة، وبحسب مصطلحات كلاوزفيتز، فقد انقطعت الصلة تماما بين الوسائل وغايتها.

المفاوضات بشأن اقتناء إيران صواريخ "كروزCM-302" من الصين دخلت مراحلها النهائية. وإذا تمت هذه الصفقة، ستواجه مجموعات حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة تهديدا حقيقيا وملموسا

استعدادات إيران... وضوح تفتقر إليه واشنطن

في حين تبحر الاستراتيجية الأميركية في بحر الغموض، تتكشف استعدادات إيران عن عزيمة واضحة وهدف محدد. ففي منتصف فبراير/شباط، أجرت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني مناورة تحت اسم: "السيطرة الذكية على مضيق هرمز"، حيث تدربت على "هجوم تشبع" باستخدام أسراب من الزوارق الهجومية السريعة، واختبرت بنجاح صاروخا جديدا للدفاع الجوي يُحمل على السفن، وهو "صياد-3G". وبعد ذلك بوقت قصير، أجرت إيران وروسيا والصين تدريبا بحريا مشتركا في مياه خليج عمان، في إشارة سياسية موجهة بوضوح إلى واشنطن.

وسارت مساعي إيران في مجال التسلح بالتوازي مع جهودها الدبلوماسية. وتشير التقارير إلى أن المفاوضات بشأن اقتناء صواريخ "كروزCM-302" من الصين قد دخلت مراحلها النهائية. ونذكر أن هذا الصاروخ مضاد للسفن أسرع من الصوت، وهو نسخة تصديرية من صاروخ "YJ-12"، وقادر على بلوغ سرعات تتجاوز "ماخ-3" أي 1029 م/ثانية، وإذا تمت هذه الصفقة، ستواجه مجموعات حاملات الطائرات الأميركية في المنطقة تهديدا حقيقيا وملموسا. ويُقال إن هذه المفاوضات اتخذت منحى متسارعا في أعقاب عملية مطرقة منتصف الليل؛ وهي الهجوم الذي شنته أميركا على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو/حزيران 2025.

مجمع المؤسسة العسكرية الإيرانية "بنياد"

إن الصعوبات التي تواجه الولايات المتحدة ليست تكتيكية بقدر ما هي هيكلية. ففي إيران، يوجد ما يطلق عليه المحللون اسم "مجمع المؤسسات العسكرية-بنياد"، وهو اندماج بين "الحرس الثوري" والمؤسسات الدينية الثورية (بنياد)، الذي يسيطر فعليا على أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي الإيراني. وقد نشأ هذا المجمع من مصادرات ثورة 1979، وتعزز بفعل الحرب الإيرانية-العراقية، والعقوبات الغربية المتكررة، وإعادة التوجيه الدستوري في عهد الرئيس أحمدي نجاد، ليصبح أكثر هيمنة مع كل محنة تعرض لها. وتخضع مؤسساته للمرشد الأعلى حصرا، ولا تخضع للمساءلة أمام البرلمان أو الحكومة. فعلى سبيل المثال، وحدها مجموعة "خاتم الأنبياء" وهي تكتل هندسي تابع لـ"الحرس الثوري"، تشرف على مئات المشاريع التي تشمل البنية التحتية، وإنتاج النفط، وأعمال البناء والإنشاء.

تبرز الاستدامة العملياتية كمسألة مثيرة للقلق. فقد تطلب الدفاع عن "قاعدة العديد الجوية" في قطر ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية استخدام صواريخ باتريوت على نطاق غير مسبوق في التاريخ العسكري الأميركي

لا ينحصر دور "الحرس الثوري" الإيراني في تولي القيادة العسكرية العليا لإيران، بل يقوم في الوقت نفسه بدور الذراع المالية الأهم في البلاد، وأكبر مشغل لقطاع الاتصالات، وأكبر جهة فاعلة في تطوير قطاع النفط، وأداة قمعها الداخلي الأساسية عبر ميليشيا الباسيج. وحتى لو نجحت عملية عسكرية أميركية في القضاء على "المرشد الأعلى" خامنئي مع مجموعة من كبار قادة "الحرس الثوري"، فلن يجلب صباح اليوم التالي تحريرا للبلاد، بل صراعا شرسا على السلطة داخل صفوف "الحرس الثوري" نفسه. إن هذا النظام الثلاثي القائم على السلطة الدينية والقوة العسكرية والهيمنة الاجتماعية والاقتصادية لا يمكن تفكيكه عبر بضع ضربات من الجو.

رويترز
رفع متظاهرون صور رضا بهلوي، نجل شاه إيران الأخير المنفي وأحد رموز المعارضة الإيرانية، خلال احتجاج أمام مكتب الأمم المتحدة في جنيف، في يوم انطلاق جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، جنيف، 26 فبراير 2026

حدود القوة الجوية

تتفاقم الحجج البنيوية المعارضة للغارات الجوية بسبب القيود العملية الجسيمة. فقد استهدفت عملية "مطرقة منتصف الليل" المنشآت النووية الرئيسة في فوردو ونطنز وأصفهان، إلا أن صور الأقمار الصناعية أكدت منذ ذلك الوقت أن عمليات إعادة الإعمار كانت جارية في غضون أشهر. وبالنظر إلى الماضي، يبدو أن تصريحات الانتصار التي صدرت عن إدارة ترمب آنذاك كانت مجرد مبالغة مقارنة بالواقع العسكري.

وتبرز الاستدامة العملياتية كمسألة مثيرة للقلق لا تقل أهمية عن سابقتها. فقد تطلب الدفاع عن "قاعدة العديد الجوية" في قطر ضد الصواريخ الباليستية الإيرانية خلال عملية يونيو 2025 استخدام صواريخ باتريوت الاعتراضية على نطاق غير مسبوق في التاريخ العسكري الأميركي. وتشير تقييمات الاستخبارات الإسرائيلية إلى أن المخزونات الأميركية الحالية، المستنزفة بالفعل بسبب الدعم المستمر لأوكرانيا، لا تكفي إلا لبضعة أيام من القصف الجوي المكثف قبل أن تصل إلى حد الاستنزاف الحرج. إن عقيدة إيران غير المتكافئة في شن هجمات شاملة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة منخفضة التكلفة مصممة على وجه التحديد لاستنزاف المخزون الأميركي باهظ الثمن.

الحفاظ على انتشار عسكري هائل دون هدف واضح يولد ضغوطا سياسية خاصة به، وينطوي على مخاطر التصعيد غير المقصود

ونصل أخيرا إلى العقبة الثالثة، إذ لا يمكن لواشنطن الاعتماد على شركائها الإقليميين. فقد أبدت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر عدم رغبتها في السماح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي في أي عملية مقبلة، مما يلقي على عاتق إسرائيل وحدها عبء التعاون الفعال في الحرب المزمعة. وكما لاحظ الجنرال السابق ديفيد بترايوس بشأن عملية "مطرقة منتصف الليل"، فإن عدم حدوث أي عطل في الطائرات كان في حد ذاته أشبه بالمعجزة؛ وستكون مخاطر أي اشتباك متكرر أكبر إلى حد لا يقاس.

الخيار العقلاني... ونزع الفتيل

بكلمات مقتضبة ووضوح لا لبس فيه، اختزل الجنرال ماك آرثر الحرب حين قال: في الحرب، لا بديل عن النصر. وبعبارة أخرى فإن بدء حرب دون تعريف واضح للنصر هو من بين أخطر الأعمال التي يمكن أن تُقدم عليها دولة ما.

لم تهاجم الولايات المتحدة إيران ليس من باب الخوف أو الخجل، بل لأنها عاجزة عن تحديد شكل النصر. أهو نصر مكلل بتدمير المنشآت؟ (أثبتت إيران بالفعل قدرتها على إعادة البناء في غضون أشهر). أم نصر متوج بتغيير النظام؟ (لا يمكن تفكيك هيكل الحرس الثوري الإيراني المنيع من الجو). أم تسوية تفاوضية وحسب؟ (لا يمكن لأحد أن يضمن عودة إيران إلى طاولة المفاوضات بعد تعرضها للقصف).

وإذا ما بدا الجنرال كين مترددا في خوض الحرب، فذلك لأنه يجسد رد الفعل على تلك المبادئ التي أعطى كل من كلاوزفيتز وماك آرثر دروسا فيها. إن البقاء في حالة انتظار وتأهب حتى تتضح إجابة شافية على سؤال: ما الذي تهدف هذه الحرب إلى تحقيقه؟ هو ببساطة الخيار الأمثل.

بيد أن هذا الانتظار ليس آمنا ولا مستقرا. فالحفاظ على انتشار عسكري هائل دون هدف واضح يولد ضغوطا سياسية خاصة به، وينطوي على مخاطر التصعيد غير المقصود. في الواقع، لا أحد يمسك بفتيل الأزمة، وهذا بحد ذاته هو الوضع الأكثر إثارة للقلق.

والجدير ذكره أنه منذ الثاني والعشرين من فبراير، عاد طلاب الجامعات في طهران ومشهد وشيراز إلى حُرُم جامعاتهم للتظاهر حدادا على ضحايا المجازر التي وقعت مطلع يناير/كانون الثاني. وقد أعرب ولي العهد السابق رضا بهلوي عن دعمه لهم. ولعل هذه الأصوات- لا أي تدخل أميركي- تحمل المفتاح الحاسم لمستقبل إيران القريب.

font change

مقالات ذات صلة