عين ترمب على ثروات إيران... "النفط مقابل السلام"؟

المصالح الاقتصادية على طاولة المفاوضات بين واشنطن وطهران توازيا مع ملف النووي

"المجلة" / رويترز
"المجلة" / رويترز

عين ترمب على ثروات إيران... "النفط مقابل السلام"؟

لا يمكن فصل الأبعاد الاقتصادية عن تلك السياسية والأمنية في التعاطي الأميركي مع الملف الإيراني، في ظل عملية التفاوض الجارية بين الطرفين. ويقع التركيز على استقطاب مصادر الطاقة، من جانب الأميركيين، خلف المسار السياسي الذي تسلكه المفاوضات.

وقبل أيام من انطلاق جولة المباحثات الثانية التي تجمع الفريقين، كان لافتا ما أعلنه نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون الاقتصادية حميد قنبري، أن طهران تسعى للتوصل إلى اتفاق نووي مع الولايات المتحدة يحقق فوائد اقتصادية للطرفين. وأوضح في كلامه، وهو الأول من نوعه، عشية التفاوض في جنيف، وفي تحول لافت، أنه لضمان استدامة الاتفاق، من الضروري أن تستفيد الولايات المتحدة أيضا في مجالات ذات عوائد اقتصادية مرتفعة وسريعة.

من هنا باتت تشمل المفاوضات المصالح المشتركة في حقول النفط والغاز، والاستثمارات التعدينية وحتى شراء الطائرات. وهي مقاربة اقتصادية، درست في إيران بهدوء، بالتزامن مع المقاربة السياسية والأمنية التي تعتمدها. فهل يمكن التقاء المصالح الاقتصادية أن يذلل العقبات السياسية، ويكون مدخلا واعدا للتعامل معها؟

الثروات الإيرانية كرافعة جيوسياسية

مما لا شك فيه أن موقع إيران الجغرافي استراتيجي. فهي دولة تقع في قلب غرب آسيا وتربط في الشرق بين أفغانستان وباكستان، وفي الغرب بين العراق وتركيا. أما في الشمال، فتقع بين أذربيجان وأرمينيا وتركمانستان. وفي الجنوب لديها الخليج العربي وبحر عمان، المدخل إلى المحيط الهندي. أي إنها نقطة وصل بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، فضلا عن ذلك، كونها تسيطر جغرافيا على الضفة الشمالية لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات يوميا، أي ما يوازي 20 في المئة من تجارة النفط العالمية.

لم يعد الملف النووي وحده في صدارة التفاوض، فالاقتصاد والنفط باتا جزءا أساسا في المفاوضات ومعادلة النفوذ والصراع الدولي

تدرك الإدارة الأميركية ذلك كله. وقد برز الاهتمام الأميركي بالاقتصاد الإيراني من خلال شكل التفاوض الذي سجل في بداياته من دون وجود خبراء نوويين أميركيين من ضمن الوفد، بل مع مستشارين مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير. تعد إيران في المرتبة الخامسة عشرة عالميا لناحية الاحتياطيات التعدينية التي تقدر بـ60 مليار طن، بحسب منظمة التعدين الإيرانية. وتضم البلاد أكثر من عشرة آلاف منجم نشط، وأكثر من 68 نوعا من المعادن، بما في ذلك احتياطيات ضخمة من الحديد الخام والنحاس والزنك والمعادن الأخرى النادرة.

وقال رئيس منظمة الجيولوجيا واستكشافات المعادن في إيران، الدكتور داريوش إسماعيلي، إن إيران تحتل المرتبة الخامسة عالميا من حيث احتياطيات الموارد الطبيعية والمعدنية، إلا أنها لم تكتشف حتى الآن سوى نحو 2 في المئة من قدراتها المعدنية. وأوضح أن قيمة الاحتياطيات الطبيعية والمعدنية في البلاد تقدر بنحو 27,3 تريليون دولار، منها نحو 1,4 تريليون دولار لقطاع المعادن، في حين لا تتجاوز قيمة الاحتياطيات المكتشفة فعليا 29 مليار دولار فقط.

رويترز
النفط الإيراني حجر الزاوية في المفاوضات النووية

وتمتلك إيران 3,8 مليارات طن متري، من خام الحديد، أي ما يعادل 1,9 في المئة من احتياطيات العالم، وفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية. ووفقا لمنظمة التعدين الإيرانية، تمتلك إيران 2,6 مليار طن متري من احتياطيات النحاس في العالم، أي ما يعادل 5 في المئة من هذا الاحتياطي. كما تمتلك احتياطيات كبيرة من الزنك، تقدر بنحو 15 مليون طن، مما يجعلها لاعبا مهما في سوق الزنك العالمي. ويقدر احتياطي البوكسيت لديها، في أكبر منجم في البلاد، بـ10,6 مليون طن متري.

أما الذهب، فيقدر وجود 340 مليون طن مؤكد من الذهب في 24 منجما. واكتشفت إيران أخيرا رواسب ذهب في منجم شادان، أحد أكبر مناجم البلاد في محافظة خوارسان. وحددت إيران خلال السنوات الأخيرة 125 مليون طن من الرواسب المحتملة، و85 مليون طن من الموارد المكتشفة التي قد يحتوي بعضها على عناصر أرضية نادرة مثل اللانثانيوم والسيريوم. وتقدر الثروة من الرصاص بملايين الأطنان.

وتبلغ احتياطيات الغاز الطبيعي فيها، بحسب "منتدى الدول المصدرة للغاز" (GECF) لعام 2023، 33,9 مليار متر مكعب. أما صادرات الغاز الطبيعي فتقدر بـ 16 مليار متر مكعب.

لم تكن العقوبات يوما هدفاً بحد ذاتها، بل أداة لاخضاع إيران ومنعها من توظيف ثرواتها في تصدير ثورتها

وأعلنت إيران اكتشاف أول احتياطي لليثيوم في محافظة همدان (نحو 8,5 ملايين طن من خام الليثيوم). أما الكوبالت والنيكل، فتأكد وجودهما في مناطق زنجان وكرمان، وتستخدم هذه المعادن في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، كالطائرات والأسلحة والرقائق الإلكترونية، وبطاريات السيارات، والبناء والصناعات الطبية. كما تشمل المعادن: الفحم والمعادن الفلزية والرمل في خراسان، والحصى، والمعادن الكيميائية والملح، فضلا عن اليورانيوم، الذي تعمل على تخصيب جزء منه بنسبة تتجاوز 60 في المئة، وهي نسبة تقترب تقنيا من مستوى التخصيب المستخدم في تصنيع السلاح النووي، الذي يبلغ نحو 90 في المئة.

أما بالنسبة إلى الثروة النفطية، فتعتبر إيران ثالث أكبر منتج للنفط داخل منظمة "أوبك"، بعد السعودية والعراق. ووفق تقرير "أوبك" الأخير، سجل إنتاج إيران من النفط نحو 19,3 مليون برميل يوميا لشهر ديسمبر/كانون الأول 2025. وتمتلك إيران 208,6 مليارات برميل من النفط المثبت، وفق إحصاءات "أوبك". 

الثروات الإيرانية بين أمن الطاقة وصراع النفوذ

يرتبط الاهتمام الأميركي بالثروات الطبيعية الايرانية، بعاملين اثنين، هما:

أولا: ارتباط المصلحة الأميركية في العالم بمرتكزات استراتيجية ثلاثة تتمثل في حماية أمن الطاقة العالمي، وحماية حلفاء الأميركيين، لا سيما الخليج وإسرائيل، فضلا عن منع الصين وروسيا من توسيع نفوذهما عبر الاستفادة من الإمكانات والاحتياطات الإيرانية الضخمة في النفط والغاز والمعادن. ويتجلى ذلك عبر استخدام نظام العقوبات الذي لا يزال معمولا به مع إيران، بالإضافة إلى الضغوط العسكرية والسياسية القائمة كأداة ذات أهداف جيوسياسية. ولولا أهمية هذه الثروات لما طالتها العقوبات الأميركية والأوروبية، والأخرى الصادرة بقرارات عن مجلس الأمن الدولي. وأول مؤشر إلى أهمية الاقتصاد في التفاوض الحاصل، هو حديث المسؤولين الإيرانيين عن مطالبتهم برفع العقوبات الاقتصادية عن بلادهم.

أ.ف.ب.
لوحة تحمل شعارات معادية للولايات المتحدة الأميركية، وسط طهران 17 فبراير 2026

ثانيا: عدم تحدث واشنطن علنا عن مشروعها للسيطرة على ثروات إيران. وفي المقابل، يقول خبراء أميركيون إن واشنطن تضغط بالعقوبات، وتمنع استثمار أفضل لمقدرات إيران وتخنقها. وبالتوازي مع البحث بالاتفاق النووي، ستدخل إيران من باب الاقتصاد، انطلاقا من أن الثروة الإيرانية، أصبحت جزءا من صراع أوسع بين القوى الكبرى. فروسيا تتعامل مع إيران كشريك تكتيكي ضد الغرب، إنما ليس كشريك اقتصادي مفتوح بالكامل.

الصين في قلب معادلة الطاقة الإيرانية

تعتبر الصين المستفيد الأكبر حاليا من الطاقة الموجودة في إيران، التي تستطيع تصديرها. ويضغط ملف الصين في الإدارة الأميركية بقوة على المسألة مع إيران. وقال ترمب الأسبوع الماضي، "سأذهب إلى الصين في أبريل، ونريد التوصل لاتفاق مع إيران. وإذا فشل الاتفاق مع إيران فسنتجه إلى خيار آخر". وألمح ترمب في منشور له على موقع "تروث سوشال" في الخامس من فبراير/شباط 2025، أي قبل عام: "أريد أن تكون إيران دولة عظيمة وناجحة، ولكن لا يمكنها الحصول على سلاح نووي". وجاء ذلك بعد توقيعه مذكرة حول استعادة سياسة "الضغط الأقصى" تجاه إيران، التي بدأ بتنفيذها منذ وصوله إلى السلطة، وحتى الآن. وهو يمارس هذه السياسة، أي ما يعرف بـ"الديبلوماسية القسرية"، إذ جاء بمختلف أنواع البوارج المحملة بالسلاح الحديث والثقيل إلى محيط إيران، لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، في فرصة أخيرة، قبل اللجوء معها إلى الحرب العسكرية. واعتبر ترمب، أنه "بفضل إبرام اتفاق سلام نووي ستتمكن إيران من النمو والازدهار سلميا".

عين الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ثروات إيران، تماما مثلما يتعامل مع غرينلاند، وفنزويلا، وكندا وغيرها من الدول، إن كانت عدوة أو حليفة

زين الموسوي، السفير اللبناني السابق لدى طهران

يضاهي حصول الولايات المتحدة على خيرات إيران، الأهداف السياسية حيالها. فإيران تصدر إنتاجها من الغاز والنفط والحديد بكميات ضخمة إلى الصين. إنما بحسب السفير اللبناني السابق لدى طهران، زين الموسوي، "تريد الولايات المتحدة الغاز والنفط والمعادن الإيرانية الاستراتيجية، قبل أن تأخذها الصين". وفي حديثه إلى "المجلة"، اعتبر الموسوي أن "عين الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ثروات إيران، تماما مثلما يتعامل مع غرينلاند، وفنزويلا، وكندا وغيرها من الدول، إن كانت عدوة أو حليفة".

وأوضح أن "ما يحصل حيال ذلك، هو سابقة في التاريخ الديبلوماسي بين الدول. فإيران بلد يحوي مواد استراتيجية للعالم كله وليس فقط للولايات المتحدة. وتدرك إيران أهمية ورقتها الاقتصادية الاستراتيجية، وبالتالي، هي لن تقوم بتسليمها بهذه السهولة، ولا شعبها سيكون قابلا للموافقة على ذلك. إنما في ظل أي اتفاق سياسي -أمني بين واشنطن وطهران، سترفع العقوبات، وليس واضحا حاليا كيف ستكون عملية التبادل بين الطرفين".

أ.ف.ب.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المرافق له لدى وصوله إلى مسقط قبيل المفاوضات، 6 فبراير 2026

وأشار الموسوي إلى أن "ترمب أعلن أنه يريد الهيمنة على العالم، قبل أن تسيطر الصين عليه. وإذا لم يسيطر على المعادن الاستراتيجية فستسبقه الصين إليها. وبالتالي، فإن مصادر الطاقة في العالم هي التي تهم الولايات المتحدة، التي تسعى لظروف سياسية تجيز ذلك. وواشنطن تهتم لذلك، لأنها تريد التحكم بأخصامها من الدول وفي مقدمها الصين. وترى في المجال الإيراني بعد الاتفاق السياسي، سبيلا أكيدا للوصول إلى هذه الغاية، نظرا للروابط الصينية -الإيرانية".

طهران تراهن على منطق الأرباح في واشنطن

واعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولاينا ستايت، البروفسور خضر زعرور، لـ"المجلة" أن إيران "تدرك أن الحزب الجمهوري بوجهائه كافة، لا سيما من هم الآن في السلطة، يلاحق الاستثمارات والأرباح في أية نقطة في العالم".

وأضاف: "من هذا المنطلق تحدث الإيرانيون عن منطق التفاوض الذي يرغب الرئيس الأميركي في أن يسمعه. وعبر ذلك، تعتقد إيران أنها تطرح إحدى الوسائل التي تخفف احتمالات الحرب عليها، أو في أسوأ الأحوال، أن تكون أية ضربة خفيفة". وتسعى إيران عبر طرح التفاوض الاقتصادي والاستثماري، لأن تقنع الأميركيين بأنهم عبر التفاهم المشترك على التبادل الاقتصادي والاستثماري، يمكنهم أن يجنوا الأرباح، وأن الحرب ليست السبيل إلى ذلك. وقد يوافق ترمب على دفع النقاش الاقتصادي إلى الواجهة في التفاوض، لكن في مقابل وقف البرنامج النووي، والابتعاد عن الأذرع والحلفاء في المنطقة. ويبقى الأهم بالنسبة إلى إيران هو حماية نظامها، عبر منع الضربة من خلال استغلال أطماع ترمب بالاستثمارات والتجارة معها. وعندها، إذا حصل اتفاق فلن تستخدم إيران صواريخها، بحسب زعرور.

في سباق القوى الكبرى، لم تعد إيران ملفا سياسيا فقط، بل هي خزّان استراتيجي للنفط والغاز والمعادن والثروات الطبيعية

وأوضح زعرور أن "إيران تريد تمرير ما تبقى من ولاية ترمب، والعودة إلى بناء نظامها. ويبرز هنا أيضا السباق الذي يخوضه ترمب الذي يريد اتفاقا مع إيران قبل الانتخابات النصفية في الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ورأى زعرور "أن تركيز إيران على التبادل مع الولايات المتحدة، وليس مع أوروبا، قد يلقى تجاوبا من ترمب. وسيحقق مصلحته قبل أن يرى مصلحة إسرائيل".

رفع العقوبات بوابة لعودة الشركات الأميركية

أكد أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور باسم بواب، في حديث الى "المجلة"، أن البنية الاقتصادية الإيرانية تعاني تراجعا كبيرا نتيجة العقوبات الدولية المتراكمة على مدى السنوات المنصرمة، مما جعلها في حاجة ماسة إلى التطوير. وفي هذا السياق، رأى أن الولايات المتحدة يمكن أن تدخل بقوة على خط الاستثمارات، سواء في الصناعات الكبرى مثل التجهيزات الثقيلة، وصناعة السيارات والطائرات، والذكاء الاصطناعي، أو في مجالات استخراج المعادن النادرة والطاقة. وأشار إلى أن تكلفة الإنتاج في إيران تعد منخفضة مقارنة بدول أخرى، نظرا لتوافر النفط الخام والمعادن، إضافة إلى انخفاض أجور اليد العاملة وحجم السوق الاستهلاكية الناتج من عدد السكان المرتفع. ولفت إلى أن الشركات الأوروبية كانت تهيمن سابقا على السوق الإيرانية.

رويترز
من اليمين، المدير العالم لوكالة الطاقة النووية رافيل غروسي يصافح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في جنيف، سويسرا 16 فبراير 2026

 غير أنها إذا سحبت قرار فرض العقوبات، فقد يفتح المجال أمام الشركات الأميركية للاستفادة في حال رفعها. وخلص إلى أن المصالح الاقتصادية تبقى المحرك الأساس للصراعات الدولية، إذ إن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، والجوهر يكمن في السعي للسيطرة على الموارد الطبيعية والثروات، بما يضمن تعزيز الأمن الاقتصادي في عالم يشهد نموا سكانيا متسارعا.

وقال بواب إن المباحثات الاقتصادية والاستثمارية بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال في بدايتها، لكنها تشكل مدخلا لمسار أطول. فواشنطن، بحسب بواب، تتحرك انطلاقاً من مصالحها الاقتصادية الاستراتيجية، وفي مقدمتها السعي إلى تحجيم الصين والحد من تمددها الاقتصادي المتسارع. ومن هذا المنطلق، تعمل الولايات المتحدة على فصل إيران عن الصين وروسيا، لا سيما أن نحو 80 في المئة من مصادر النفط الصينية يأتي من إيران. غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحا حول ما إذا كان هذا الحل سيأتي بعد ضربة عسكرية، أم عبر تفاديها ، لافتا إلى أن تكلفة الحلول بعد الحروب تبقى دائما أعلى بكثير من تكلفة الحلول التي تنجز من دونها.

font change