برزت في الآونة الأخيرة نغمة متكررة، في التحليلات العابرة للأطلسي والتعليقات الإعلامية، مفادها أن روسيا والصين "تتخليان عن حلفائهما" ما يثير قلقا متصاعدا في أفريقيا. وتتردد هذه الفكرة ضمن طيف واسع من التقارير والمقالات، منها على سبيل المثال، فصل منطقة الساحل الأفريقية، في تقرير ميونيخ للأمن بعنوان "الساحل: شراكات مهجورة" وإحاطات عدة حول غرب أفريقيا، ومقالات تحمل عناوين من قبيل "مادورو اكتشف بالطريقة الصعبة أن روسيا حليف غير موثوق"، وتعرض حالتا سوريا وفنزويلا بوصفهما درسين تحذيريين لأنظمة الساحل، وسائر شركاء موسكو وبكين.
في هذا الطرح قدر من المعقولية. فريهذه الأزمات تثير بالفعل أسئلة مشروعة، حول حدود الدعم الخارجي، غير أن نقل السردية إلى السياق الأفقي، يحولها من أداة تحليل إلى إطار تفسيري مسبق، يسعى إلى صياغة توقعات الأزمات المقبلة، أكثر مما يسعى إلى تفسير سلوك الفاعلين الأفارقة كما هو قائم.
بل إن العبارة ذاتها، "قلق في أفريقيا" تكشف خطأ تحليليا جوهريا- يكمن في النزعة الجوهرانية- لا يتعلق بزلة أسلوبية أو اختزال صحافي، بل بخلل في منطق الاستدلال، يفضي إلى استنتاجات واهنة منهجيا. يختزل هذا التحليل قارة بأكملها، تضم عشرات الدول والأنظمة وتشكيلات النخب، في شعور جمعي متخيل. ولا يكتفي هذا الاختزال بتبسيط الواقع، بل يفرغ الفاعلية من مضمونها، ويستبدل القرارات والمصالح الملموسة بـ"مزاج" عام. إن الحديث عن "قلق أفريقيا" من دون تحديد حكومات أو مؤسسات أو آليات صنع قرار يعني الاستيلاء على حق التحدث باسم المنطقة. ومن هذا المنظور، لا تمثل الجوهرانية مجرد زينة خطابية، بل ركيزة حاملة للبناء التحليلي، فإذا أزيلت انهار البناء بأكمله.
وعند النظر إلى المؤشرات المؤسسية القابلة للرصد، يظل الأساس التجريبي لتعميق مزاعم "عدم موثوقية" روسيا والصين في السياق الأفريقي محدودا. فلم تشهد السياسات العامة للدول الأفريقية، موجة واضحة من إنهاء أو تعديل اتفاقات أمنية استنادا إلى فقدان الثقة بموسكو أو بكين، كما لم تصدر بيانات رسمية تدرج "عدم الموثوقية" سببا حاسما لإعادة توجيه السياسة الخارجية. وهذا لا ينفي طبعا احتمال إعادة تقييم المخاطر على نحو غير معلن أو وجود شكوك كامنة. وقد ظهرت بالفعل مقالات في أفريقيا والشرق الأوسط تتساءل عن القيمة الفعلية للضمانات الروسية والصينية بعد توقيف مادورو، وتتحدث عن "قلق صامت" بين بعض النخب. غير أن الأمر يظل في الوقت الراهن طبقة تفسيرية، لا نمطا مؤسسيا راسخا في صنع القرار. والتمييز هنا أساسي، ففي هذه النقطة بالذات ينتقل الخطاب من التحليل إلى الفعل السياسي.

