"الأرمادا" الإيرانية... طهران تخسر الأسطول وتحتفط بتهديد هرمز

أبرز ضربات هذه الحرب ما تعرضت له البحرية الإيرانية في الرابع من مارس، حين أدى انفجار في المحيط الهندي لإنهاء واحدة من أكبر طموحات التمدد البحري لطهران، وهي الفرقاطة "إيريس دينا"

أ.ف.ب
أ.ف.ب
لقطة من فيديو نشرته وزارة الدفاع الأميركية في 4 مارس 2026، يظهر لقطات من منظار غواصة تابعة للبحرية الأميركية تُطلق النار على سفينة حربية إيرانية وتُغرقها في المحيط الهندي

"الأرمادا" الإيرانية... طهران تخسر الأسطول وتحتفط بتهديد هرمز

خلال الحرب، تلقت البحرية الإيرانية ضربة هي الأشد منذ عقود، نحو 150 قطعة عسكرية بحرية خرجت من الخدمة، وقُتل مئات من العسكريين، بينهم قائد بحرية "الحرس الثوري" علي رضا تنكسيري، الذي كان يُعد مهندس عقيدة إغلاق مضيق هرمز، إلى جانب رئيس الاستخبارات البحرية بهنام رضائي. لم يكن ذلك مجرد فقدان معدات، بل ضربة أصابت مركز التفكير والقرار في الحرب البحرية غير التقليدية.

ومع ذلك، لا تعني خسارة الجزء الأكبر من الأسطول نهاية القدرة الإيرانية في البحر، فالعقيدة التي بنتها طهران منذ حرب الناقلات في الثمانينات لم تقم على السفن الكبيرة بقدر ما اعتمدت على أدوات التعطيل المقدور عليها، أي زوارق سريعة وألغام بحرية وقدرة على إرباك الممرات الحيوية. ما خسرته إيران في الشكل التقليدي لقوتها البحرية، لا يلغي قدرتها على إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة بكلفة منخفضة.

وبعد الضربات في شهر مارس/آذار، اعتمد "الحرس الثوري" على ما سمي "أسطول البعوض"، وهو تكتيك يعمل على نشر عشرات الزوارق الصغيرة السريعة المزودة بصواريخ خفيفة أو رشاشات، لمهاجمة السفن والناقلات بشكل متزامن، معتمدة على العدد والسرعة والتشتيت بدلاً من القوة النارية الثقيلة. كما حاولت ضمن هذا التكتيك دمج الهجمات مع ألغام بحرية وطائرات مسيرة لزيادة الإرباك.

ولكن فعالية هذا التكتيك بقيت ضعيفة أمام التفوق التقني والجوي الأميركي، رغم أنها أداة فعالة للضغط والإزعاج في الممرات الضيقة.

أبرز ضربات هذه الحرب ما تعرضت له البحرية الإيرانية في الرابع من مارس، حين أدى انفجار تحت خط الماء في المحيط الهندي لإنهاء واحدة من أكبر طموحات التمدد البحري لطهران، وهي الفرقاطة الإيرانية "إيريس دينا"، التي كانت تُعد فخر الصناعة العسكرية الإيرانية ورمزا لقدرتها على الوصول إلى أقاصي البحار، استقرت في قاع المحيط قبالة سواحل سريلانكا بعد تعرضها لضربة طوربيد من غواصة هجومية أميركية. هذه العملية وصفها وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بـ"الموت الهادئ"، ممثلة أول عملية إغراق لسفينة حربية معادية بواسطة طوربيد تنفذها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إن تدمير "دينا" وسلسلة سفن وفرقاطات حربية إيرانية أخرى، يعيد إلى الأذهان نهاية الأساطيل الضخمة في التاريخ، مثل الأرمادا الإسبانية عام 1588 ومعركة ترافالغار عام 1805، حيث تفوقت الصناعة الحديثة على الحجم العددي.

دمرت البحرية الأميركية كل المراكب الإيرانية الكبيرة، ومن بينها غواصة منذ الأيام الأولى للعملية، كما تم تدمير مقر قيادة البحرية الإيرانية في هجمات جوية وصاروخية

فجر ذلك اليوم أصدرت الفرقاطة "دينا" نداء استغاثة عاجل من موقع يبعد نحو 40 ميلا بحريا جنوب مدينة جالي الساحلية في سريلانكا. السفينة، التي كانت في طريق عودتها إلى إيران بعد مشاركتها في تدريبات "ميلان 2026" البحرية الدولية في الهند، كانت تعبر في مياه دولية وتظن أنها في مأمن من مسرح العمليات المشتعل في الخليج وبحر عمان.

مقاطع مصورة وتقارير البحرية السريلانكية تشير لإصابة السفينة بشكل مباشر، ما أدى لغرقها بسرعة، وهو ما حال دون تمكن غالبية الطاقم من استخدام قوارب النجاة، فمات معظمهم. وأرسلت سريلانكا قوات جوية وبحرية لموقع الحادث فور تلقي إشارة الإغاثة، إلا أن السفينة اختفت تماماً تحت الأمواج قبل وصولهم.

لكن لم يكن إغراق "دينا" حدثا منعزلا، بل هو جزء من استراتيجية أطلقتها القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لتحييد القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كامل، مع التركيز المكثف على تدمير سفن البحرية أو "الأرمادا الإيرانية" التي طورتها طهران على مدار عقدين من الزمن.

تدمير الأصول البحرية

دمرت البحرية الأميركية كل المراكب الإيرانية الكبيرة، ومن بينها غواصة منذ الأيام الأولى للعملية، كما تم تدمير مقر قيادة البحرية الإيرانية في هجمات جوية وصاروخية، وتحييد غواصة ثانية ومن ثم تدمير مقر سري لبحرية "الحرس الثوري" ما أدى لمقتل قادته. وأشارت "سنتكوم"، إلى إغراق أو تعطيل السفن الحربية، بما في ذلك حاملة المسيرات الحديثة "شاهد باقري" والفرقاطة "جماران" والسفينة القتالية المتطورة "قاسم سليماني".

ووفقاً لتصريحات الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، فإن العملية نجحت في تحييد الوجود البحري الإيراني الرئيس في المنطقة، حيث اختفت السفن الإيرانية من مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب.

الفرقاطة دينا... درة التاج البحري

كانت "إيريس دينا" تمثل قمة التطور في فئة "موج" من الفرقاطات الموجهة بالصواريخ التي تُبنى محليا في أحواض بناء السفن بمدينة بندر عباس. وتم تدشينها عام 2015 ودخلت الخدمة الفعلية عام 2021، وزودت بتقنيات تعتبر ثورية بالنسبة للصناعة العسكرية الإيرانية.

تتميز بإزاحة تصل إلى 1500 طن، وهي مزودة بأربعة محركات تمنحها سرعة قصوى تبلغ 30 عقدة، بالإضافة إلى أجهزة رادار ثلاثية الأبعاد تغطي 360 درجة بمدى يصل إلى 300 كيلومتر. وتحمل صواريخ مضادة للسفن، وأخرى للدفاع الجوي، كما أنها تحتوي على نظام إطلاق عمودي للصواريخ، ومدافع رئيسة شبيهة بأنظمة التسليح الأميركية.

ورغم هذا التسليح الذي أهّلها للقيام برحلة تاريخية حول العالم في عام 2023، فإن أنظمتها الدفاعية والسونار لم يكونا قادرين على رصد أو اعتراض الطوربيد الأميركي الذي هاجمها من أعماق البحر.

الموت الهادئ

الوصف الذي أطلقه وزير الحرب الأميركي بالهجوم على "دينا" بأنه "موت هادئ"، يعكس طبيعة طوربيد "مارك 48" في تدمير السفن. فهو ليس مجرد مقذوف متفجر، بل منظومة مستقلة قادرة على اتخاذ قرارات تكتيكية تحت الماء، حيث يعتمد على مبدأ فيزيائي مدمر يُعرف بـ"انفجار تحت العارضة" بدلا من الاصطدام المباشر بهيكل السفينة، بحيث تتم برمجة الطوربيد لينفجر على عمق محسوب تحت منتصف السفينة.

استخدمت الولايات المتحدة صواريخ دقيقة وقاذفات (B-2) وطوربيدات بعيدة المدى لتحطيم الأسطول الإيراني من مسافات لا تستطيع إيران الرد عليها

في المرحلة الأولى يؤدي الانفجار إلى خلق فقاعة غاز هائلة، وفي المرحلة الثانية ترتفع السفينة للأعلى بفعل ضغط الفقاعة، ما يؤدي إلى إجهاد هيكلي شديد. أما في المرحلة الثالثة فتنهار الفقاعة بسرعة، ما يترك وسط السفينة دون دعم مائي، بينما تظل المقدمة والمؤخرة مدعومة بالماء، مما يؤدي إلى كسر "العمود الفقري" للسفينة بفعل الجاذبية. وهذا هو السبب الذي أدى إلى انشطار السفينة نصفين وغرقها في غضون ثوان معدودة.

الأرمادا الإسبانية

مصطلح "الأرمادا" يمثل عادة الأساطيل الضخمة التي تُبنى لاستعراض القوة وفرض الهيمنة، ولكنها غالبا ما تسقط أمام التطور غير المتوقع. في عام 1588، أطلق الملك فيليب الثاني ملك أسبانيا "الأرمادا العظيمة" المكونة من 130 سفينة لغزو إنجلترا، معتقدا أن حجم السفن وتفوقها العددي سيضمن النصر.

كانت الهزيمة الإسبانية نتيجة لفجوة تكنولوجية مشابهة لما واجهته البحرية الإيرانية، فالسفن الإنكليزية كانت أسرع وأكثر قدرة على المناورة من "الغاليونات" الأسبانية الثقيلة. وبالمثل، فإن الفرقاطات الإيرانية مثل "دينا" و"جماران"، رغم حداثتها، كانت أهدافا سهلة للغواصات الأميركية التي تمتلك قدرات تخفٍ تكنولوجية تجعلها غير مرئية للرادارات السطحية.

أ.ف.ب
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس أبراهام لينكولن" من فئة نيميتز تعبر بحر العرب في 31 يناير 2026

وفيما استخدم الإنجليز "سفن النار" لتشتيت الأسطول الأسباني قبالة سواحل كاليه، فإن الطوربيدات الموجهة، لعبت دور "سلاح الرعب" الذي يجعل الأطقم الإيرانية تشعر بعدم الأمان حتى في المياه الدولية.

وتفوق الإنجليز عام 1588 باستخدام مدافع ذات مدى أطول مكنتهم من قصف الأسبان دون الدخول في نطاق نيرانهم. في العملية الحالية، استخدمت الولايات المتحدة صواريخ دقيقة وقاذفات (B-2) وطوربيدات بعيدة المدى لتحطيم الأسطول الإيراني من مسافات لا تستطيع إيران الرد عليها.

معركة ترافالغار

لا تكتمل المقارنة من دون استحضار معركة ترافالغار، التي وقعت قبالة "كيب ترافالغار" في أسبانيا. الاسم مشتق من العربية "طرف الغار" أو "طرف الغرب"، وهو يرمز جغرافياً للنقطة التي هُزم فيها نابليون بونابرت بحريا أمام الأدميرال البريطاني هوراشيو نيلسون.

اعتمد القائد البريطاني تكتيكا غير تقليدي عرف بـ"لمسة نيلسون"، حيث كسر القواعد العسكرية السائدة عبر الهجوم بشكل عمودي على خط سفن العدو بدلا من الموازاة التقليدية. هذا التكتيك هدف إلى خلق "اشتباك فوضوي" يسمح بتفوق مهارة الأطقم البريطانية.

ما يوصف بتحطم "الأرمادا الإيرانية" في أقل من شهر يمثل ضربة قاسية لطموح طهران في أن تصبح قوة بحرية عالمية منافسة

خلال الهجوم هذا العام، طبقت "سنتكوم" ما يسمى "لمسة نيلسون" بنسخة حديثة عبر شن هجوم منسق وشامل استهدف أكثر من 1000 موقع في أول 24 ساعة، مما أصاب القيادة الإيرانية بالشلل، قبل أن تسترجع قدرتها على إدارة المعركة بمخطط يستبدل القادة الموتى سريعا.

وكما استهدف نيلسون السفينة الفرنسية القائدة "بوكينتور"، استهدفت العملية الأميركية مجمع الزعيم الأعلى علي خامنئي ومقر قيادة "الحرس الثوري" في اللحظات الأولى للمعركة. وكان نيلسون أعطى قادته حرية الحركة تحت شعار "لا يمكن للقائد أن يخطئ إذا وضع سفينته بجانب سفينة العدو". في عام 2026، مُنحت الغواصات الأميركية والوحدات الجوية قواعد اشتباك جريئة سمحت لها باصطياد أي هدف إيراني بمجرد تحديده، مما أدى إلى تحييد قطع البحرية الإيرانية الكبيرة.

أ.ب
قائد البحرية في "الحرس الثوري" الإيراني، علي رضا تنكسيري يحيي القوات في قاعدة للحرس في الخليج العربي، إيران، في 2 نوفمبر 2025

نهاية حقبة وبداية أخرى

ما يوصف بتحطم "الأرمادا الإيرانية" في أقل من شهر يمثل ضربة قاسية لطموح طهران في أن تصبح قوة بحرية عالمية منافسة. كما أثبتت معارك 1588 و1805 أن الأساطيل التي تُبنى على أسس الحجم والعدد دون تفوق تكنولوجي نوعي وقدرة على السيطرة على "الأعماق" هي أساطيل محكوم عليها بالفشل في المواجهات الكبرى.

وكما يبدو فإن السيطرة على البحار لا تزال تبدأ من تحت الماء وليس من الطائرات المسيرة، وأن "الموت الهادئ" هو السلاح الأكثر فتكا في الحروب البحرية. وما سقط في الخليج ليس البحر الإيراني، بل شكله التقليدي. أما التهديد الحقيقي لإيران فانسحب إلى الظل، حيث لا تُقاس القوة بعدد السفن، بل بقدرة التعطيل وقطع الممرات لرفع كلفة الحرب وهو ما دفع دونالد ترمب إلى حصار إيران بحصار أوسع.

font change

مقالات ذات صلة