أسهمت مساعي سوريا إلى النأي بنفسها عن إيران ووكلائها، حتى الآن، في تجنيب دمشق أن تتحول إلى ساحة مباشرة في الحرب المتصاعدة على إيران. وتعزيزا لهذا التوجه، اتخذت السلطات السورية إجراءات احترازية لتأمين الحدود مع لبنان والعراق، فنشرت قوات إضافية وشددت الرقابة لمنع امتداد الصراع إلى الأراضي السورية.
لكن الحكومة، على الرغم من تحركها السريع لاحتواء المخاطر الأمنية المحتملة، لم تُظهر قدرا مماثلا من الاستعجال في الاستعداد للارتدادات الاقتصادية للحرب. فالصراع الدائر يعيد تشكيل أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد، وقد بدأت بوادر الضغط الاقتصادي تظهر بالفعل في سوريا.
وعلى خلاف الاقتصادات الأكبر القادرة على امتصاص الصدمات في الأسواق العالمية، لا تملك سوريا هامشا يذكر للتخفيف من وطأتها. والأسَر التي تكافح أصلا لتأمين احتياجاتها الأساسية يهددها ارتفاع الأسعار وتفاقم النقص تهديدا مباشرا في معيشتها اليومية.
ومن دون سياسة استباقية لتأمين الإمدادات وضبط الأسواق، قد تتحول الكلفة الاقتصادية لنزاع إقليمي طويل إلى واحد من أشد التحديات الداخلية إلحاحا في سوريا.
وقد بدأت آثار الحرب تتردد في الاقتصاد العالمي. فقد ارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من تعطل الإنتاج ومسارات الشحن، ولا سيما في الخليج وعبر مضيق هرمز. كما تدفع كلفة الطاقة المرتفعة التضخم إلى الصعود على نطاق أوسع، عبر زيادة كلفة النقل والإنتاج، وهو ما يرفع أسعار الغذاء ويؤخر شحن السلع الأساسية.
وقد بدأت الاقتصادات المتقدمة بالفعل اتخاذ خطوات للتخفيف من هذه الصدمات. فالحكومات تستعد للسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية للوقود، ودعم كلفة الطاقة، والبحث عن مسارات إمداد بديلة لتحقيق قدر من الاستقرار في الأسواق. كما فرضت دول أخرى قيودا على صادرات الوقود والغاز أو علقتها حماية لإمداداتها المحلية، وهي خطوات تدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع وتزيد تقلبات أسواق الطاقة.
وفي المقابل، يقف الاقتصاد السوري الهش بين أكثر الاقتصادات تعرضا لهذه الضغوط. فالبلاد تعاني أصلا أزمة معيشية حادة، تغذيها اختلالات بنيوية في الإنتاج والتجارة والسياسة النقدية. ومنذ بداية رمضان، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بحدة في أنحاء البلاد. كما أدى نقص الغاز المنزلي إلى عودة الطوابير الطويلة بعد أشهر من توافره النسبي، وبدأت مشاهد مشابهة تظهر عند محطات الوقود.
وقد قدم المسؤولون تفسيرات متعددة لهذه الاضطرابات. فارتفاع أسعار المواد الغذائية رُبط بزيادة الطلب خلال رمضان، ونقص الغاز عُزي إلى تأخيرات مؤقتة في الاستيراد بسبب الأحوال الجوية، فيما نُسبت طوابير الوقود إلى الشراء بدافع الذعر الذي أثارته الحرب. لكن هذه التفسيرات كلها تشير في النهاية إلى حقيقة واحدة: هشاشة الاقتصاد السوري وافتقاره إلى وسائل فعالة لامتصاص الصدمات الخارجية.
ربما تكون جهود سوريا للابتعاد عن الحرب قد خففت خطر التصعيد العسكري على أراضيها، لكنها لا تستطيع أن تعزل البلاد عن صدمتها الاقتصادية
فالإنتاج المحلي ما زال ضعيفا، فيما تؤمن الواردات قسما كبيرا من السلع الأساسية. ولهذا فإن أي اضطراب، ولو كان محدودا، في تدفق الوقود أو القمح أو غيرهما من المواد الأساسية يمكن أن يمتد بسرعة عبر الاقتصاد كله، فيصيب النقل وتوليد الكهرباء وإنتاج الغذاء والنشاط الصناعي.
وفي مثل هذه الظروف، تنتقل الصدمات العالمية إلى الأسواق المحلية بسرعة. فالتجار يوسعون هوامشهم تحوطا من عدم اليقين، والمنتجون يرفعون الأسعار استباقا لارتفاع كلفة المواد الأولية في دورة الإنتاج التالية، والمستوردون يحتسبون تقلبات سعر الصرف وارتفاع نفقات النقل. وهكذا يتحول اضطراب الأسواق العالمية سريعا إلى تضخم تتحمله الأسر.
لذلك، لا يجوز انتظار تفاقم الأزمة. فسوريا تحتاج إلى سياسة استباقية لإدارة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن نزاع إقليمي طويل الأمد. والكلفة الوقائية هنا تبقى أقل بكثير من كلفة إدارة أزمة بعد انفجارها.
وينبغي أن يأتي تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي في مقدمة الأولويات العاجلة. فالحفاظ على مخزونات كافية من الوقود والقمح والحبوب والأدوية والمواد الغذائية الأساسية من شأنه أن يخفف أثر أي اضطراب في الإمدادات على الأسواق المحلية. كما أن تنويع مسارات الاستيراد ومصادره، مع تعديل الأنظمة بما يتيح تأمين كميات أكبر من السلع الأساسية، يساعد على رفع مستوى الاحتياطي الاستراتيجي ويقلص التعرض للانقطاعات المفاجئة.
ولا تقل أهمية عن ذلك الرقابة المشددة على السوق. ففترات عدم اليقين تدفع إلى التخزين والمضاربة، وهو ما يفاقم النقص ويسرع ارتفاع الأسعار. ومن هنا، ينبغي أن يبقى ضمان التدفق المستمر للسلع الأساسية أولوية مركزية.
كذلك، سيكون التنسيق الأوثق مع القطاع الخاص ضروريا. فالشركات السورية تؤدي دورا محوريا في الحفاظ على سلاسل التوريد واستمرار الإنتاج في القطاعات الرئيسة. وإنشاء آلية خاصة للاستجابة للأزمات، تنسق التحرك السريع بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يمكن أن يساعد على رصد الاختناقات مبكرا ومنع تحول الاضطرابات المحدودة إلى نقص واسع النطاق.
وربما تكون جهود سوريا للابتعاد عن الحرب قد خففت خطر التصعيد العسكري على أراضيها، لكنها لا تستطيع أن تعزل البلاد عن صدمتها الاقتصادية. والأولوية الآن هي منع هذا الاضطراب من التحول إلى مصدر أوسع لتهديد الاستقرار الداخلي.
وخطر الجمود لا يقف عند حدود ارتفاع الأسعار أو النقص المؤقت في السلع الأساسية. فهذه الضغوط تضرب مباشرة القدرة اليومية على العيش لدى الأسر التي تكافح أصلا لتأمين أبسط احتياجاتها.
ويبقى السؤال: هل تنجح سوريا في عبور هذا الاضطراب الإقليمي بقدر من الاستقرار، أم تجد نفسها أمام دورة جديدة من الأزمات الاقتصادية والتوتر الاجتماعي؟ الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي ستدير بها الحكومة هذه الضغوط في الأسابيع المقبلة.