قبل أكثر من عام، أُعلن عن عملية الحوار الوطني السوري باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للانتقال السياسي في البلاد بعد سقوط نظام الأسد. وكان يفترض أن تسهم في إعادة بناء الدولة واستعادة قدر من التوافق السياسي بعد أكثر من عقد من الحرب.
ووعد المسؤولون بإصدار تقرير مفصل يجمل النقاشات والتوصيات التي خرجت بها هذه العملية، ويسهم في توجيه المرحلة الانتقالية. لكن ذلك التقرير لم يرَ النور قط. وبعد أكثر من عام، لا يزال السوريون يفتقرون إلى رواية شاملة لما دار، وللأولويات التي برزت، وللأفكار التي طُرحت.
ولا يمكن اعتبار ذلك خللا إجرائيا عابرا. ففي أي مرحلة انتقال سياسي، تظل الشفافية شرطا أساسيا. وحين يلف الغموض مسارا من هذا النوع، تتسع مساحة الشك، ويتراجع منسوب الثقة، وتشتد الاستقطابات.
ولذلك، لا بدّ من نشر مخرجات هذه العملية وفاء لوعد طال انتظاره، ولكي يوفّر أساسا لحوار وطني أوسع تحتاج إليه سوريا بإلحاح قبل أن تزداد تلك الانقسامات عمقا.
حوار بلا سجل
كان المقصود من عملية الحوار الوطني أن تتيح للسوريين، من مختلف أنحاء البلاد، منبرا يتناقشون فيه حول مستقبل وطنهم في لحظة مفصلية. وفي مرحلتها الختامية، تُوجت بمؤتمر استمر يومين، وُزع فيه المشاركون على مجموعات عمل موضوعية تناولت الحوكمة، والتعافي الاقتصادي، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية. وكان الهدف تحديد الأولويات وصياغة توصيات تُرفع إلى السلطات الانتقالية.
وعند ختام المؤتمر، وعد المسؤولون بأن يصدر قريبا تقرير مفصل عنه. وكان منتظرا من تلك الوثيقة أن تؤدي جملة من الوظائف، بينها تقديم رواية شفافة للرأي العام حول كيفية سير الحوار، وتوضيح الإصلاحات التي كان السوريون ينادون بها، والتي تتيح لصناع القرار خريطة طريق أولية لتحويل التطلعات العامة إلى خطوات عملية.
لكن هذا الوعد لم يُنفذ. وبعد أكثر من عام، لم يُنشر سجل كامل للمداولات ولا مجموعة وافية من التوصيات. وباستثناء تأكيدات عامة بأن المؤتمر كان ناجحا، وإشارات متفرقة إلى محاوره، لا يزال السوريون يجهلون ما الذي نوقش فعليا خلف الأبواب المغلقة. والأهم من ذلك أنهم لا يملكون وسيلة لمعرفة ما إذا كانت تلك النقاشات قد أثرت في مسار المرحلة الانتقالية على نحو ذي معنى. وفي بلد تبدو فيه الثقة هشة أصلا، صار هذا الصمت ذا تبعات سياسية واضحة.
مخاطر الصمت
أثار الإطلاق المتعجل لمسار الحوار الوطني السوري، منذ اللحظة الأولى، تساؤلات عميقة عن مدى جديته. ثم جاء الإخفاق في نشر أي سجل ذي قيمة لما أعقبه، فزاد هذه التساؤلات حدة. وما كان يمكن النظر إليه يوما على أنه جهد ناقص لكنه جدير بالاعتبار، بات اليوم مهددا بأن يبدو غامضا واستعراضيا وخاويا سياسيا.
ومنذ البداية، أعرب منتقدون عن خشيتهم من أن تكون هذه العملية أقرب إلى إظهار صورة جامعة منها إلى منح السوريين دورا حقيقيا في رسم مستقبل بلدهم. ومع ذلك، وحتى إن أخفق المؤتمر في بلوغ هذا الهدف الأوسع، فإن النقاشات التي دارت فيه لا تخلو من قيمة.
والحق أن مسارات الحوار الوطني، ولا سيما في المراحل الانتقالية الهشة، قلما تفضي فورا إلى توافق كامل أو حلول سياسية جاهزة ومحكمة. وغالبا ما تكمن قيمتها في مواضع أخرى، منها تحديد الأولويات، وتوضيح نقاط الخلاف، وفتح قنوات تتيح استمرار التفاوض.
ولحجب هذا السجل كلفة سياسية حقيقية. فعندما تبدو مسارات الحوار غامضة أو عديمة الأثر، تتآكل الثقة العامة سريعا. ويحق للسوريين الذين شاركوا في المؤتمر، أو الذين عقدوا أملا على أن تجد هواجسهم طريقها إلى التمثيل فيه، أن يخلصوا إلى أن أصواتهم لم تترك أثرا يذكر. ومع مرور الوقت، قد يعمق هذا الانطباع حالة العزوف ويعزز انعدام الثقة في المرحلة الانتقالية نفسها.

