أكراد لبنان... ما عددهم؟ وهل يستجيبون لمناشدات "قسد"؟

فتحت الاشتباكات بين الجيش السوري و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) ملف الأكراد في دول المنطقة بينها لبنان

أ.ب
أ.ب
متظاهرون من المجتمع الكردي يرفعون أعلام حزبية تضامنا مع أكراد سوريا، أمام مقر الإسكوا في بيروت، لبنان، 20 يناير 2026

أكراد لبنان... ما عددهم؟ وهل يستجيبون لمناشدات "قسد"؟

مع عودة المسألة الكردية من البوابة السورية إلى الواجهة من جديد في الأسابيع الماضية، وإعلان قيادة "قوات سوريا الديمقراطية" ("قسد) بعد اشتباكات مع الجيش السوري، حالة "النفير العام" والدعوة إلى التضامن الكردي، شهدت بيروت مسيرة احتجاجية نظمها أكراد لبنان تعبيرا عن دعمهم لأبناء القومية الكردية، أمام مقر "لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا" (الإسكوا) في وسط بيروت، انتهت بتسليم وفد من "رابطة نوروز" وممثل "الإدارة الذاتية" رسالة إلى نائبة الأمم المتحدة في لبنان، شاديا عبد الله، لنقل مطالب الشعب الكردي إلى المحافل الدولية.

الأكراد، الذين اعتادوا في لبنان التجمع للاحتفال بـ"عيد النوروز"، وإبراز الثقافة الكردية عبر الموسيقى الشعبية والرقص والأزياء التقليدية في 21 مارس/آذار من كل عام، وجدوا أنفسهم هذه المرة أمام ما يصفه لقمان محو، رئيس "الجمعية الكردية اللبنانية للخدمات الاجتماعية"، انه "التزام قومي وأخلاقي يدفعهم للتضامن مع المظلومين من أبناء قوميتهم". غير أن هذا الحراك التضامني، أعاد طرح أسئلة تتجاوز الحدث الآتي من سوريا، حول حجم الوجود الكردي في لبنان، وعددهم، ووضعهم القانوني، وأماكن تمركزهم؟

يعود وجود الأكراد في لبنان إلى عقود طويلة مضت، منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، غير أن حجمهم الديموغرافي ظلّ خارج الإحصاءات الرسمية الدقيقة. تقديرات غير رسمية تفيد بأن عددهم كان في حدود 60 ألف كرديّ في عام 1958، قبل أن يرتفع تدريجيا ليصل اليوم إلى ما بين 100 و150 ألف شخص، نتيجة النمو الطبيعي والهجرات القادمة من مناطق كردية في تركيا وسوريا والعراق، هربًا من الاضطرابات السياسية والاقتصادية. وقد استطاع عدد كبير من الأكراد الحصول على الجنسية اللبنانية بموجب مرسوم التجنيس عام 1956، بينما حصل الباقون عليها في مرسوم عام 1994، فيما لا يزال حوالي 40 في المئة من الأكراد في لبنان لا يحملون الجنسية اللبنانية، إنما بطاقات "قيد الدرس"، تحرمهم من أبسط الحقوق الأساسية من حق العمل والتملك والتعليم والطبابة وسواها، رغم أن 90 في المئة منهم مولودون في لبنان، الأمر الذي دفع بالآلاف منهم في الهجرة إلى الخارج.

يتوزّع الأكراد في لبنان على نطاق جغرافي واسع، بدءا من العاصمة بيروت وضواحيها، إضافة إلى تجمعات في البقاع والشمال، حيث اندمجوا في النسيج الاجتماعي المحلي، من دون أن يوازي هذا الاندماج اعترافا رسميا بهويتهم القومية

في هذا السياق تقول نائبة رئيس "رابطة نوروز الثقافية" حنان عثمان لـ "المجلة" إن "الوجود الكردي في لبنان قديم ومتعدد المراحل. تعود الموجة الأولى إلى عهد صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر، حين استقر مقاتلون وأسر كردية في مناطق لبنانية ضمن سياق تاريخي وسياسي معروف. أما الموجة الأكبر والأكثر تأثيرا، فجاءت بعد الحرب العالمية الأولى، مع انهيار الدولة العثمانية، وتقسيم كردستان بين أربع دول قومية، وما رافق ذلك من اضطهاد ومجازر وإعدامات بحق القيادات والشعب الكردي، ما دفع آلاف الكرد إلى اللجوء نحو لبنان. أما عددهم، فلا توجد إحصاءات رسمية دقيقة، لكن التقديرات غير الرسمية تتراوح بين 50 و70 ألف شخص".

أ.ف.ب
أكراد يرتدون الزي التقليدي خلال احتفالٍ بمناسبة عيد النوروز في مدينة الدامور الساحلية اللبنانية، لبنان في 24 مارس 2019

وتضيف عثمان: "من ناحية الجنسية، ليس جميع الكرد حاصلين على الجنسية اللبنانية. صحيح أن قسما منهم نالها خلال مراحل سابقة، لكن لا يزال عدد غير قليل يعيش في أوضاع قانونية هشّة أو كان حتى وقت قريب من عديمي الجنسية أو حاملي وثيقة قيد الدرس، ما انعكس سلبا على حقوقهم الاجتماعية والسياسية.

اندماج اجتماعي مقابل تهميش سياسي

يتوزّع الأكراد في لبنان على نطاق جغرافي واسع، بدءا من العاصمة بيروت وضواحيها، إضافة إلى تجمعات في البقاع والشمال، حيث اندمجوا في النسيج الاجتماعي المحلي، من دون أن يوازي هذا الاندماج اعترافا رسميا بهويتهم القومية، فهم ليسوا جزءا من طوائف لبنان، بل ألحقوا بالطائفة السنية، الأمر الذي حرمهم من أي "تمثيل سياسي مستقل" بحسب لقمان محو.

رغم مرور عقود على الوجود الكردي في لبنان فإن الوجود الكردي لم يصل إلى حد الاعتراف بالقومية الكردية كجزء من التعدد اللبناني

ويضيف لقمان محو في حديثه مع "المجلة"، أن "أكراد لبنان يفتخرون بهويتهم اللبنانية وهم جزء لا يتجزأ من النسيج اللبناني، ففي سوريا والعراق وإيران وتركيا، يحق للأكراد المطالبة بحكم ذاتي نظرا لامتدادهم الجغرافي والثقافي، بينما في لبنان يختلف الوضع تماما، هنا لا يوجد كردستان، والدولة اللبنانية منحتنا حقوقنا كاملة دون تمييز، لدينا جمعياتنا ونمارس طقوسنا وعاداتنا بحرية، ولكن تكمن مشكلتنا في التمثيل السياسي بالمجلس النيابي أو مجلس الوزراء، فمثلا الأرمن في لبنان احتُضنوا من المسيحيين وصار لديهم حصتهم النيابية والوزارية، بينما نحن تم احتضاننا اجتماعيا وثقافيا في الطائفة السنية ولكن لم نأخذ أي تمثيل سياسي، لذا نعم هناك تمييز عنصري بمكان ما، خصوصا أن لا اعتراف رسميا بقوميتنا الكردية في الهوية، نحن مسجلون كمسلمين سنة، وليس كأكراد".

من جهتها ترى عثمان أن "العنصرية ضد الكرد في لبنان ليست مباشرة أو فظة غالبا، لكنها موجودة بشكل بنيوي وغير معلن. تظهر في التهميش السياسي، وغياب التمثيل، وفي الصور النمطية التي تحصر الكرد في أدوار اجتماعية محددة. الكرد خارج المعادلة الطائفية، وهذا بحد ذاته سبب رئيس لتهميشهم، لأن النظام اللبناني لا يعترف إلا بالطوائف، لا بالهويات القومية أو الثقافية".

أ.ب
من التظاهرة أمام مقر الإسكوا في بيروت تضامنا مع أكراد سوريا، لبنان، 20 يناير 2026

وتؤكد: "نعم، الكرد مندمجون اجتماعيا إلى حد كبير، يشاركون في الحياة الاقتصادية والثقافية، ويتفاعلون مع محيطهم اللبناني بشكل طبيعي. لكن هذا الاندماج جاء أحيانا على حساب التعبير العلني عن الهوية. ممارسة العادات والتقاليد موجودة، لكن في الإطار الخاص أو المجتمعي الضيق، وليس ضمن فضاء عام معترف به رسميا، وهذا يعني أن الاندماج تحقق، لكن الاعتراف بالوجود الكردي والهوية الكردية لم يتحقق".

ما مطالب أكراد لبنان؟

إذن رغم مرور عقود على الوجود الكردي في لبنان فإن الوجود الكردي لم يصل إلى حد الاعتراف بالقومية الكردية كجزء من التعدد اللبناني، لذا يبقى وجودهم الاجتماعي مختصرا عبر جمعيات اجتماعية وثقافية محدودة، يحاولون من خلالها الحفاظ على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم، رغم تسجيل تجارب محدودة للاندماج في العمل السياسي في لبنان حيث شهد عام 1975 تأسيس حزب "رزكاري" الكردي اللبناني، فضلا عن "الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية" التي أُنشئت عام 1963، إضافة إلى "مجلس الأعيان الكردي اللبناني الأعلى"، و"رابطة نوروز الثقافية والاجتماعية"، في محاولة للحفاظ على الهوية والدفاع عن القضايا الاجتماعية والسياسية للجالية الكردية في البلاد.

على وقع الاشتباكات التي وقعت بين "قسد" والقوات الحكومية في شمال سوريا، أعلنت القيادة العامة لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، حالة "النفير العام"

ولكن ما حصل في سوريا مؤخرا مع إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع إصدار مرسوم خاص قال فيه إنه يضمن حقوق الأكراد وخصوصياتهم لتكون مصونة بنص القانون، وإعطاء أكراد سوريا الجنسية، وإعلان اللغة الكردية لغة وطنية، لتدرّس بذلك في المدارس للمرة الأولى منذ استقلال سوريا عام 1946، وهو ما يطرح سؤالا حول مطالب أكراد لبنان.

تؤكد عثمان أن المطالب الكردية في لبنان ثقافية وحقوقية بالدرجة الأولى، ومنها: "الاعتراف بالهوية الكردية كجزء من التعدد اللبناني، والسماح بتعليم اللغة الكردية ضمن أطر ثقافية أو تربوية، والاعتراف بعيد النوروز كعيد ثقافي رمزي، أسوةً بقوميات أخرى، هذه المطالب تصطدم حاليا بنظام قانوني لا يعترف إلا بالطوائف، ما يجعل أي حق ثقافي خارج هذا الإطار صعب التحقيق".

هل يلبي أكراد لبنان دعوة "قسد" النفير العام؟

على وقع الاشتباكات بين "قسد" والقوات الحكومية في شمال سوريا، أعلنت القيادة العامة لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، حالة "النفير العام"، ودعت "الشباب والشابات في روجافا وكردستان الشمالية والجنوبية والشرقية، إضافة إلى الجاليات الكردية في أوروبا، إلى الوحدة والانخراط في المقاومة"، هل سيلبي أكراد لبنان هذه الدعوة، خصوصا أن للأكراد تجربة عسكرية سابقة في لبنان، ففي أعقاب الانقلاب العسكري في تركيا عام 1980 أسس عبدالله أوجلان، زعيم "حزب العمال الكردستاني"، أول معسكر تدريبي رسمي لـ"حزب العمال الكردستاني" في البقاع، الذي عُرف لاحقا باسم "معسكر معصوم قورقماز"، قبل أن يضطر للمغادرة مع بداية التسعينات.

أ.ب
متظاهرون من المجتمع الكردي في مسيرة تضامنية مع أكراد سوريا، أمام مقر الإسكوا في بيروت، لبنان، 20 يناير 2026

وفي هذا الإطار يقول محو: "نحن نتضامن مع كل الشعوب المضطهدة والمظلومة، فكيف إذا كان هذا الشعب هو الشعب الكردي، مظاهراتنا هي للدفاع عن قوميتنا وشعبنا وشرفنا، نحن نتعاطف مع ما يجري لأبناء شعبنا ولكن لا نتدخل بما يجري، هم مقيمون بجغرافيا كردية ونحن في لبنان منصهرون في المجتمع اللبناني، الأكراد في سوريا ليسوا بحاجة لنا، كل ما نفعله هو التضامن لنعلي الصوت بأننا إلى جانب شعبنا".

ويضيف: "ما يحصل في سوريا هو نزاع عربي-كردي، ونحن في لبنان نعيش في محيط عربي، لكن لم نشهد أي تحريض من المجتمع اللبناني ضدنا، لكن حصلت بعض التوترات بين أكراد سوريين وعرب سوريين في منطقة برج حمود، ولكن كأكراد لبنانيين لم يحصل أي إشكال مع المحيط اللبناني".

في ظلّ التحولات الإقليمية المتسارعة، يبقى أكراد لبنان حاضرين في المشهد الاجتماعي، لكنهم غائبون إلى حدّ كبير عن النقاش السياسي الرسمي

ويتابع: "نحن في لبنان لدينا خصوصيتنا، نحرص على عدم التدخل بما يجري خارج حدود لبنان، نمارس ثقافتنا، ولغتنا، وعاداتنا وتقاليدنا، ولكن أيضا لا يمكن إنكار تضامننا وتعاطفنا مع أبناء قوميتنا خصوصا في سوريا، لما يربطنا من علاقات عائلية مع أكراد سوريا، ونحن دائما موحدون تحت راية قوميتنا".

وهذا ما تؤكد عليه عثمان، إذ تقول إن "الكرد في لبنان يتأثرون وجدانيا وسياسيا بما يجري في سوريا، خاصة حملة الإبادة التي يتعرضون لها اليوم، خصوصا مع وجود روابط عائلية وثقافية وتاريخية مباشرة، لكن من المهم التأكيد على أن الكرد في لبنان لم ولن يشكلوا أي حالة عسكرية أو أمنية، ولم ينخرطوا في أي عمل مسلح. والدعوات التي ظهرت على وسائل التواصل بقيت محدودة وعاطفية، ولم تتحول إلى واقع فعلي، لأن الكرد في لبنان يدركون خصوصية الوضع اللبناني وحساسيته. حتى الآن، لا يمكن الحديث عن حملة ممنهجة ضد الكرد في لبنان، لكن هناك قلقا مشروعا من انعكاسات الخطاب التحريضي أو التعميم السياسي. بعض الكرد يشعرون بضغط نفسي أو حذر متزايد، خاصة في ظل توترات إقليمية، لكن المجتمع اللبناني عموما لا يزال يحافظ على مستوى مقبول من التعايش. ومع ذلك، يبقى الخطر الحقيقي هو الخطاب الإعلامي والسياسي غير المسؤول الذي قد ينقل صراعات الخارج إلى الداخل".

إذن، بين اندماج أكراد لبنان في الحياة اليومية وحرصهم على إظهار هويتهم الثقافية في محطات مفصلية، تبرز أسئلة مؤجَّلة حول وضعهم القانوني، وحقوقهم، وحدود تمثيلهم داخل الدولة اللبنانية. أسئلة يعيد الواقع الإقليمي طرحها، وتضع لبنان أمام اختبار إضافي في مقاربة التنوّع، كجزء من نقاش أوسع حول المواطنة والاعتراف والتعددية.

font change

مقالات ذات صلة