"المسألة الكردية" ليس لها أرضية في سوريا

أكسل رانجيل غارسيا
أكسل رانجيل غارسيا

"المسألة الكردية" ليس لها أرضية في سوريا

في سوريا التي هي درّة بلاد الشام، والتي كانت جزءاً من الدولة العثمانية بعد معركة مرج دابق شمال حلب 1516، حيث انتصرت الجيوش العثمانية على المماليك الذين كانوا يحكمون بلاد الشام ومصر، وكان شعارهم في ذلك: الفتح الإسلامي وجمع ممالك المسلمين في المنطقة العربية، واستمر ذلك لنحو 400 عام من 1516 إلى 1916 حيث قامت الثورة العربية الكبرى بتحريض واضح من قبل بريطانيا العظمى والقوى الغربية بعد أن اتفق ثلاثة من القناصل لاقتسام بلدان المشرق العربي وخاصةً بلاد الشام والعراق. وسمّيت هذه باتفاقية "سايكس-بيكو" في 1916، وهما سياسيان من فرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى القنصل الروسي في زمن الحكم القيصري لروسيا، لكن بعد ثورة 14 أكتوبر/تشرين الأول في عام 1917، كشف الثوار الروس عن هذه الاتفاقية وخرجوا منها. وقد استمرت مفاعيل هذه الاتفاقية، فكان وعد بلفور المشؤوم في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، ثم الانتداب البريطاني-الفرنسي 1920 على بلاد الشام، ثم تقسيمها بين بريطانيا وفرنسا، وتنفيذها بعد إسقاط الدولة العربية وإخراج الملك فيصل بن الحسين وإنهاء هذه الدولة الوليدة التي كانت تحكم بلاد الشام بأقاليمها الأربعة.

في فترة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، والانتداب البريطاني على فلسطين وشرق الأردن، والوصاية على حكم العراق وتنصيب الملك فيصل بن الحسين ملكاً عليه تحت سلطة الإدارة البريطانية، وتأسيس الأمير عبدالله بن الحسين لمملكة الأردن في شرق النهر.

المسألة الكردية في سوريا لم تكن حاضرة في التكوين السوري أبداً، وكان الكرد في سوريا في المدن والأرياف السورية موجودين كمواطنين بثقافة عربية ودينهم الإسلام

في فترة الانتداب على سوريا، بدأت الثورات المناطقية (نسبة للمناطق) في جميع الأراضي السورية، وكانت أولى هذه الثورات ثورة الزعيم الوطني السوري إبراهيم هنانو، وهو كردي الأصل، لكنه اندفع بوصفه مواطناً سورياً وعربياً ضد هذا الانتداب، وكان ثواره من منطقة كفر تخاريم وجبل الزاوية من العرب، وانتقلت إلى حلب وريفها. كانت ثورته هذه مشهوداً لها، ولم يقل إنني كردي، بل فعل ذلك وقاد ثورته لأنه سوري ورفاقه عرب، وهو كبيرهم، وكان لهذا المثابر الكبير وهو حقوقي ومتنور، دور هام في الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي، وقد حوكم وحُكم عليه بالإعدام، وكان ذلك إيماناً منه بضرورة مقاومة المحتل دفاعاً عن بلده سوريا وأمته العربية.

هل هناك مسألة كردية؟

وإذا كنا بصدد مناقشة المسألة الكردية في سوريا، فهذه لم تكن حاضرة في التكوين السوري أبداً، وكان الكرد في سوريا في المدن السورية والأرياف السورية، موجودين كمواطنين بثقافة عربية ودينهم الإسلام، ولم تثر أية عنفيات قومية لهم، كما يحدثنا التاريخ، لا من قريب ولا من بعيد. وغوصاً في التاريخ، فإن الشخص الذي أثّر في تاريخنا هو البطل صلاح الدين الأيوبي، وهو من سلالة الأسرة الأيوبية، وهي أسرة كردية نشأت في العراق في مدينة تكريت، وهو ربيب الأسرة الزنكية المشهورة وهي عائلة كردية.

أ ف ب
مقاتلون من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) يشاركون في عرض عسكري في حقل العمر النفطي في محافظة دير الزور، شرق سوريا في 23 مارس 2021

ونور الدين الزنكي موحد البلاد الشامية مع البلاد المصرية، ظهر كزعيم عروبي مسلم، وكان قائد المرحلة صلاح الدين الأيوبي الذي وحّد الإمارات العربية المتصارعة، ولما أنجز المهمة قام بتشكيل جيش عربي إسلامي من بلاد الشام والعراق ومصر وأجهزَ على الصليبيين في بلاد الشام، وكانت معركة حطين في فلسطين من بلاد الشام في 4 يوليو/تموز 1187 ميلادية الموافق 25 ربيع الثاني سنة 583 هجرية، وانتصر على الصليبيين ووقّع معهم معاهدة صلح، الأمر الذي أدى، في نهاية المطاف، إلى تحرير بلاد الشام من الصليبيين.

من يدّعي أن هذا الوطن السوري في مجموعه له مواصفات عرقية يقع في خطأ كبير، لأن التوازن الثقافي والفكري والوطني كله مندمج لا تستطيع أن تفرز هذا عن ذاك

 إذن هذا التداخل بين العرب والكرد أصيل وعميق، ولا يدعو إلى التمييز، تماماً كما حدث في معركة عين جالوت أيضاً في فلسطين التي قادها الملك سيف الدين قطز ضد المغول في 3 سبتمبر/أيلول عام 1260م الموافق 25 رمضان 658 هجرية.

هذا تاريخ لا يمكن نسيانه، أو التفريق فيه بين العرب والآخرين، ذلك أن هذا كان نسيجاً معرفياً وتراثياً ودينياً، لا تفريق فيه ولا دعوات وإثارة مسائل ليست في صلب الأحداث والتوجّهات.

تاريخ مشترك في سوريا

وفي سوريا تاريخياً، كان التاريخ المشترك والشعب المختلط متمازجا ومنصهرا بين كل المكوّنات الكبيرة والصغيرة ومتناهية الصغر، ولو جئت لبلاد الشام والعراق، سوف تجد أن أكثر من خمس عشرة حضارة عاشت ونمت في هذه البلاد، وتركت آثاراً، وأخيراً أوجدت لنا لُحمة وطنية، مستقرة وثابتة وقوية.

ومن يدّعي أن الوطن السوري في مجموعه له مواصفات عرقية يقع في خطأ كبير، لأن التوازن الثقافي والفكري والوطني كله مندمج لا تستطيع أن تفرز هذا عن ذاك، ولم تكن هذه مسألة ذات بال، أو تبحث عن حل، فالكرد والتركمان والآشوريون والآراميون شعبٌ واحدٌ وطني وسوري وعربي، لأن الطابع الأعم والغالب هو الطابع العروبي فكراً وثقافة ومنهجاً وسلوكاً. لذلك وجدت في سوريا عالماً جليلاً هو محمد كرد علي يترأس المجمع اللغوي والاتحاد الفكري العربي، وهو يدعو له ويتبناه، ولم يقل إنه مجمع كردي أو غير ذلك، بل عربي، وقد دعا إلى وحدة الأمة العربية والإسلامية، وكتاباته ومناظراته شاهدة على ذلك.

أ.ف.ب
الرئيس السوري أحمد الشرع وهو يُلقي خطاباً في دمشق، في 29 يناير 2025

 ولو تقدمنا قليلاً، لوجدنا- كما أسلفنا- إبراهيم هنانو، لم يكن إلاّ سورياً وعروبياً، والعروبة ليست امتيازاً عنصرياً، ولكنها ثقافة وفكر ولغة، حتى وإن كانوا يتقنون لغات أجنبية أخرى، فمن أتقن الفرنسية لم يكن فرنسياً ومن أتقن العثمانية لم يكن عثمانياً، وكذلك الإنكليزية.

إذن الانتماء للعروبة، ممارسةً وثقافةً وتشرّباً، ينطبق على الكثير من العائلات والعشائر، رغم البحث في الأصول والفروع الذي ظهر أخيراً مع الاستبداد والتفرقة، لكن هؤلاء كانوا من أكثر الناس حماسةً للدولة السورية والعروبة التي هي تاج كل المراحل.

وإذا جئنا للتخصيص هنا، ففي حماة عائلة كبيرة وذات شأن وإقطاعية، اسمها البرازي، ظهر منها من تبوأ مراكز مهمة في التاريخ السوري والتوجهات العروبية.

فقد ترأس سوريا الزعيم حسني الزعيم وهو من أصول كردية، وكان قائداً للجيش السوري بعد الجلاء في أبريل/نيسان 1946، ثم انقلب على الحكومة المنتخبة برئاسة شكري بيك القوتلي، وزج به في السجن وتولى منصب رئيس الجمهورية السورية. وكان رئيس وزرائه السيد محسن البرازي من عشيرة البرازي في حماة، ولم يقولوا نحن كرد، بل قالوا إننا سوريون أصلاً وفصلاً، ويحكمون بلدا عربيا نص دستوره على ما يلي: "الجمهورية السورية، بلد عربي وينتمي للأمة العربية". وهذه الديباجة موجودة في كل الدساتير السورية من 1920 إلى الآن وتتعامل مع الشعب الذي هو صاحب السيادة، كما نصت كل الدساتير، أي بالمواطنة، بغض النظر عن المذهب والعرق والدين.

في منطقة الجزيرة التي تشمل المحافظات الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، ومعها القامشلي، كان يوجد تجمع للكرد في جبل اسمه كرد طاغ، ونسبتهم مقارنة بتعداد السوريين نحو 3 في المئة

وفي سوريا أيضاً تسلّم منصب رئيس أركان الجيش السوري اللواء توفيق نظام الدين، وهو من الجزيرة السورية وكردي، ولكنه كان قائداً عربيا سوريا لجيشٍ عربي سوري، كان ذلك قبل الوحدة المصرية-السورية في فبراير/شباط 1958، واستمر بعدها لفترة محدودة حيث تم استبداله باللواء عفيف البزرة أيضاً، وربما كان من أصول كردية، وأنا أعرف أخاه صلاح الدين البرزة الذي عمل ضابطاً في المكتب الثاني في الجيش السوري، وكان أحد الذين حققوا صفقة الأسلحة التشيكية المعروفة لكلٍ من مصر وسوريا أو ما يسمى "كسر احتكار السلاح". وفي كل الحكومات السورية المتعاقبة لم يُسأل عن عرق هذا الوزير أو ذاك، وكان من أبرز وزراء الوحدة السورية-المصرية.

شخصيات كردية سورية

الوزير الوحدوي والقومي العربي محمد علي بوظو، وهو من أصول كردية، وكذلك الرياضيون السوريون والعروبيون اللواء فاروق بوظو، وشقيقه المعلق الرياضي الأشهر عدنان بوظو. وأضف إلى ذلك العائلات الأشهر في دمشق، الصالحية، مثل شمدين آغا وأعمر آغا. وكان هؤلاء من العائلات الدمشقية الكردية زعامةً، ومن عائلتنا نحن أم هذين الزعيمين ولا زالت ساحة شمدين آغا في دمشق.

المجلة
بنود اتفاق اندماج قوات "قسد" بالدولة السورية

وجبل الأكراد في دمشق يضم معظم العائلات ذات الأصول الكردية، ولكنها عروبية وأكثر، ونذكر منهم فضيلة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام في سوريا لأكثر من ثلاثين سنة، والداعية الإسلامي الدكتور محمد رمضان البوطي، وأصله من بوط، لكن نهجه الإسلامي كان عروبياً ويفتخر به، وكذلك آل شيخو الذي ظهر منهم المذيع المقتدر مروان شيخو وأخوه عدنان شيخو. وأتذكر السيد محمد الأيوبي الذي كان وزيراً ورئيساً للوزراء في حكم حافظ الأسد، وعضواً في القيادتين القومية والقطرية لـ"حزب البعث العربي الاشتراكي". ولكنه لم يقل أنا كردي، وهناك آخرون لم يقولوا بذلك، لأنهم أنفسهم ينزعون نحو الأمة العربية. ولعلكم تتذكرون الصحافي عرفان نظام الدين وهو من القامشلي، فهل سمعتموه يقول أنا كردي؟

ومن العائلات ذات الأصول الكردية في دمشق، عائلة بكداش ومنها المرحوم خالد بكداش وزوجته وابنه الدكتور عمار بكداش، وهؤلاء من قادة "الحزب الشيوعي السوري" وتوجهاتهم كانت دائماً وأبداً سورية وعروبية. وعائلة حمو ليلي وشمسوا، والزركي، والألوسي، وغيرها، وهؤلاء أصولهم كردية، لكن توجهاتهم دائماً كانت سورية وعروبية، ولا يوجد فرز عملي لمن هو كردي أو تركماني أو شركسي أو أرناؤوطي وآرامي وآشوري وآثوري، فكل ما ذكرت كانت لغتهم العربية وكان انتماؤهم للأمة العربية، وأنا أقول ذلك ليس تعسفاً ولكنها الحقيقة.

الجزيرة

وفي منطقة الجزيرة التي تشمل المحافظات الثلاث، الرقة ودير الزور والحسكة، ومعها القامشلي، كان يوجد تجمع للكرد في جبل اسمه كرد طاغ، ونسبتهم مقارنة بتعداد السوريين نحو 3 في المئة. وأكراد "كرد طاغ" لهم آغا. ونظراً لأن القامشلي هذه مدينة يسكنها المسيحيون في الأعم الأغلب، والعرب من الآشوريين والآثوريين وغيرهما، فقد هاجروا في الستينات من القرن الماضي صوب الولايات المتحدة وأوروبا لأسباب اقتصادية، وقد باعوا معظم أملاكهم للكرد القادمين من جنوب تركيا أو من جبل كرد طاغ، فأصبح للكرد وجود في القامشلي وفي الضّيع المنتشرة.

في زمن "البعث" الذي كان يحكم سوريا تشكلت جملة أحزاب كردية صغيرة متنافرة، لكنها في معظمها ذات انتماء وطني

والوجود الكردي في محافظة الحسكة التي تضم القامشلي يشكل نحو 20 في المئة وهم يسكنون في مناطق متناثرة ومتباعدة أهمها عامودة، وعين العرب، والقحطانية، واليعربية، وهم لا يشكلون أرضية للعرق الكردي لتداخله بين العشائر العربية، والمنطقة الوحيدة التي فيها تجمُّع كبير للكرد هي عفرين التابعة لحلب، وقد ظهرت مظلومية الكرد حينما جرى إحصاء 1962، حيث إن من كان حاضراً تم تجنيسه، ومن لم يكن موجوداً جرى استبعاده وتزويده بالورقة الحمراء أو أي شيء باعتباره أجنبياً، وكان رأي الدولة أن معظم هؤلاء مهاجرون من جنوب تركيا، وليسوا سوريين، لكن المزيد منهم هم سوريون كانوا ربما يعملون في محافظات أخرى، ولم يتم تدارك ذلك، وخاصةً عندما استلم حزب "البعث" السلطة في سوريا، وطغت على نظام الحكم ظاهرة التعريب لهذه المناطق، وخفض الوجود الكردي فيها خاصةً وأن الظاهرة الكردية والمسألة الكردية بدأت بالظهور والبروز في تركيا وإيران والعراق.

إيران وتركيا والعراق

في إيران أقيمت دولة كردية في الشمال الغربي من إيران في مدينة مها آباد عام 1946 لفترة قصيرة، واستمرت 11 شهراً، وكانت بدوافع من الاتحاد السوفياتي ثم تم إنهاؤها. ويوجد في إيران نحو 15 مليون كردي، وكذلك في شرق تركيا في بعض المدن والمناطق، وقد أسسوا حزباً مسلحاً هو "حزب العمال الكردستاني" بدعم سوري زمن حافظ الأسد، هو ظاهرة عبدالله أوجلان، كي يُحدث انقساماً في الدولة التركية، وبدأوا قتالا مسلحاً واتخذوا من جبال قنديل الوعرة بين العراق وتركيا منطلقاً لهم منذ نحو خمسين سنة.

أ.ف.ب
عبرت قوات الحكومة السورية نهر الفرات أثناء انتشارها في محافظة دير الزور، شرقي سوريا، في 19 يناير 2026

وفي العراق، تحرك الزعيم الملا مصطفى بارزاني وكانت قد سبقته ثورة في عام 1931 في زمن الملك غازي ملك العراق، بقيادة أحمد البارزاني، واستمر شقيقه مصطفى البارزاني في التمرد على الدولة العراقية وسُمّيت "الثورة الثانية" عام 1943 وكان هدفها الحصول على الحكم الذاتي، وحركات محمود البرزنجي في السليمانية بين عامي 1919 و1931، وتعاظمت ثورة البارزاني عام 1961 بعد نجاح حركة انقلاب 1958 التي قادها الزعيم عبدالكريم قاسم حيث دعا الملا مصطفى بارزاني الذي شكل "الحزب الديمقراطي الكردستاني" حين كان لاجئاً في الاتحاد السوفياتي منذ عام 1945.

وثورة سبتمبر/أيلول قامت في المنطقة المعروفة بـ"كردستان العراق"، ومنذ 1961 إلى 1991 لم يتحقق لهم أي شيء إلا في تورط صدام حسين في غزو الكويت حيث تم تحقيق نوع من الحكم الذاتي في إقليم كردستان المقسوم بين أربيل والسليمانية بسبب الانقسام بين "الحزب الديمقراطي الكردستاني" و"حزب الاتحاد الوطني الكردستاني" الذي كان يقوده جلال الطالباني، ولا زال الانقسام موجوداً ومتوارثاً، وقد حاول الرئيس مسعود بارزاني تحقيق الاستقلال بعد الاستفتاء منذ سنوات لكن لم يُسمح له.

سوريا و"البعث"

أما في سوريا فلم يحدث مثل ذلك أبداً، وفي زمن "البعث" الذي كان يحكم سوريا تشكلت جملة أحزاب كردية صغيرة متنافرة، لكنها في معظمها ذات انتماء وطني وبعضها ذات توجه ماركسي، إلى أن تم إيجاد تنظيم "الإدارة الذاتية"، وإقامة تنظيم عسكري سمّوه "قسد" اختصاراً لـ"قوات سوريا الديمقراطية".

لم تكن توجد في سوريا تاريخياً وحالياً ما سمّي "المسألة الكردية"، فهي طارئة وليس لها نصيب من الواقع. فالكرد السوريون منتمون للدولة السورية، وهناك عشائر كردية ولكنها عروبية

وفي زمن الثورة السورية بعد 2011 وجدت بعض القوى الكردية العابرة للحدود أن الوقت جاء لصالحهم، فتم اقتطاع ثلاث محافظات من سوريا واستولوا عليها وشكّلوا قيادة متفرعة من "حزب العمال الكردستاني" التركي، ظناً منهم أنهم يستطيعون أن يقيموا إقليماً كردياً شبيهاً بإقليم كردستان رغم ضآلة عدد السكان ورأي المجتمع الدولي، مستغلين ظاهرة "داعش"، وركوب موجة مقاومة الإرهاب "الداعشي" والاتصال مع الأميركيين والتحالف الدولي، ووضع أمرهم بيد الولايات المتحدة.

لكنّ هذه المحافظات كلها عربية ولا وجود للكرد فيها. في الرقة صفر، في دير الزور صفر. وفي محافظة الحسكة نحو 20 في المئة من السكان هم من الكرد المنتشرين على مساحات غير مترابطة، ولذلك فقد لجأوا لتجنيد العاطلين عن العمل من المكون العربي، فكان أن تم تشكيل قوة مسلحة معظمها من العرب، وقيادتها من جبال قنديل.

وبعد انتصار الثورة السورية أضافوا إليهم بعضاً من قادة فلول النظام مستغلين حالة السيولة التي كانت تعيشها سوريا، لكن في الثورة السورية هذه لم يكن لهم أي دور فيها، فكان لاتحاد الأحزاب الكردية نضال سياسي معروف، وهؤلاء لا يتبنّون مواقف "قسد" ولا يؤيدونها بل هم مؤيدون للوحدة الوطنية السورية والجمهورية العربية السورية، وبدأت "قسد" تمارس ضدهم كل أنواع الجريمة المنظمة وتقتل من يقف في طريقها، وقد اغتالوا القائد الكردي الوطني السوري مشعل تمو وآخرين، واضطروا لتوقيع اتفاق مع الدولة السورية الجديدة في 10 مارس/آذار 2025، وماطلوا في تنفيذه لأن الآمر الناهي قادة جبال قنديل.

لذلك كله لم تكن توجد في سوريا تاريخياً وحالياً ما سمّي "المسألة الكردية"، فهي طارئة وليس لها نصيب من الواقع. فالكرد السوريون منتمون للدولة السورية، وهناك عشائر كردية ولكنها عروبية، لأن العروبة مغزى ومعنى، فكر وثقافة، وليست عنصرية. فقد أقطعت الدولة العثمانية المزيد من الكرد إقطاعيات واسعة من الأراضي السورية، مثل عائلات اليوسف الدمشقية، والألوسي، والزركي، والقره شولي، والبرازي. وكذلك الآغوات في جبل كرد طاغ، ولكن هؤلاء ظلوا عروبيين على مر التاريخ ولم تكن لهم أطماع انفصالية أو عنصرية، فهم سوريون وهم عرب من حيث الانتماء، تظهر منهم الأسماء الكبيرة التي تولت مناصب هامة في الدولة السورية، وفي الأحزاب القومية العربية، مثل "الحزب السوري الاجتماعي" وحزب "البعث" و"حركة القوميين العرب" والأحزاب السورية السابقة مثل "حزب الشعب" و"الحزب الوطني" وأحزاب أخرى، و"الكتلة الوطنية السورية".

إن سوريا بلد واحد موحد، كما أن ثقافته وفكره عربيان وإسلاميان، ولم يكن أبدا عنصرياً ضد أحد.

font change

مقالات ذات صلة