كندا والولايات المتحدة 2026... قلق استراتيجي من مخاض "كوسما"

أوتاوا أمام لحظة الحقيقة للهوية الاقتصادية الكندية ورهانها على المعادن الحرجة

رويترز
رويترز
شاحنة تسير في اتجاه ميناء تابع لهيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، في مدينة كولومبيا الكندية بالقرب من المحيط الهادئ، 26 نوفمبر 2024.

كندا والولايات المتحدة 2026... قلق استراتيجي من مخاض "كوسما"

مع مطلع عام 2026، يدخل الاقتصاد الكندي في "منطقة اضطرابات شديدة" هي الأكثر خطورة وحساسية منذ عقود. فالعلاقة مع الجار الجنوبي، الشريك الأكبر، لم تعد محكومة بقواعد التجارة الحرة التقليدية، بل تحولت إلى ملف سياسي ضاغط، تحكمه اعتبارات الحمائية الأميركية وتوازنات داخلية في واشنطن، وباتت رهينة لمبدأ "أميركا أولا" الذي يتبناه الرئيس دونالد ترمب. مع حلول يوليو/تموز 2026 موعدا نهائيا للمراجعة الإلزامية لاتفاقية الولايات المتحدة-المكسيك-كندا (CUSMA/USMCA)، يتحول النصف الأول من السنة الجارية إلى سباق ماراثوني لتفادي انهيار المنظومة التجارية لأميركا الشمالية.

لم تعد التعريفات الجمركية في قاموس إدارة ترمب "إجراء مؤقتا"، بل أصبحت "أداة تفاوضية دائمة". فمنذ عام 2025، تعاني الصادرات الكندية من عبء رسوم وصلت إلى 25 في المئة على السيارات وقطع الغيار، والصلب والألومنيوم، وصولا إلى قطاع الأخشاب اللينة ومنتجات أخرى.

وعلى الرغم من أن اتفاقية "كوسما" كانت تاريخيا تحمي ما بين 81 في المئة و90 في المئة من الصادرات الكندية المتوافقة مع قواعد المنشأ إلى السوق الأميركية من دون رسوم جمركية، بدأت واشنطن في 2026 باستخدام قوانين مثيرة للجدل مثل "المادة 232" (Section 232) بذريعة الأمن القومي، وقانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية الطارئة (IEEPA) لتجاوز هذه الحماية، مما جعل الميزة التنافسية الكندية في مهب الريح. وهذه الحماية باتت اليوم مهددة، مع اقتراب موعد المراجعة وإعادة فتح بنود الاتفاق.

مفاوضات 2026: صراع الإرادات

تنطلق المفاوضات الرسمية في منتصف يناير/كانون الثاني الجاري، وسط انخراط سياسي مباشر على أعلى المستويات. فقد أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني لقاءات مباشرة مع المسؤولين الأميركيين، بينما يقود وزير التجارة دومينيك لو بلان الفريق التفاوضي الكندي.

تضغط الولايات المتحدة لتشديد قواعد المنشأ في قطاع السيارات بهدف رفع نسبة المكون الأميركي، بما يحد من دخول المنافسين الآسيويين عبر "الباب الخلفي" الكندي، وهو ما قد يلحق أضرارا بسلاسل التوريد الكندية

ولا تعد هذه المراجعة إجراء شكليا، بل تضع كندا أمام ثلاثة مسارات لا رابع لها. أولا، الاستمرارية، عبر تمديد الاتفاقية لمدة 16 عاما إضافية، وهو الخيار الأقل احتمالا دون تنازلات مؤلمة. ثانيا، التعديل الجذري، الذي يفرض إعادة تفاوض جوهرية على بنود أساسية، وفي طليعتها السيادة الرقمية والزراعة. أما المسار الثالث فهو القطيعة، بما يحمله من احتمال انسحاب أميركي من الاتفاقية، وهو السيناريو الأكثر خطورة، والذي سيؤدي حتما إلى اضطرابات واسعة في سلاسل التوريد.

أ.ف.ب.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء اجتماعه مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في البيت الأبيض، 7 أكتوبر 2025

تكمن حساسية الموقف في اعتماد كندا على السوق الأميركية بنسبة تتجاوز 75 في المئة من إجمالي صادراتها، مما يجعل أي تصعيد تجاري بمثابة صدمة مباشرة للنمو والعمالة والاستثمار.

ماذا تريد إدارة ترمب؟

تتجاوز مطالب ممثل التجارة الأميركي جاميسون غرير نطاق التبادل السلعي التقليدي، لتشمل حزمة واسعة من الشروط الهيكلية. ففي مقدمتها الدفع نحو تفكيك نظام "الإدارة بالعرض" (Management by Supply)، الذي تعتبره واشنطن عائقا تجاريا، وفتح قطاعي الألبان والدواجن الكنديين بالكامل أمام المزارعين الأميركيين. كما تضغط الولايات المتحدة لتشديد قواعد المنشأ في قطاع السيارات بهدف رفع نسبة المكون الأميركي، بما يحد من دخول المنافسين الآسيويين عبر "الباب الخلفي" الكندي، وهو ما قد يلحق أضرارا بسلاسل التوريد الكندية. وتطالب واشنطن كذلك بمراجعة القوانين الكندية الناظمة للبث الرقمي والأخبار الرقمية، إلى جانب إلغاء الضرائب المفروضة على منصات التكنولوجيا الأميركية.

وفي قطاع الطاقة، تسعى إلى تسهيل مد خطوط الأنابيب وضمان تدفق الطاقة الكندية بأسعار تفضيلية في مقابل خفض التعريفات في قطاعات أخرى. كما تشمل الضغوط منع المقاطعات الكندية من حظر بيع الكحول الأميركي ردا على التعريفات، باعتبار ذلك إجراء تمييزيا.

المعادن الحرجة تحول كندا من "طرف يطلب الحماية" إلى "شريك يمتلك أدوات الردع"، خصوصا في ظل رغبة واشنطن تقليص اعتمادها على الصين في هذا القطاع

تعكس هذه المطالب رؤية ترمب التجارية القائمة على تقليص العجز التجاري وإعادة توطين الصناعات، حتى لو كان الثمن توتير العلاقات مع أقرب الحلفاء.

سلاح المعادن الحرجة: "الردع" الكندي الصامت

في غمرة الضغوط الأميركية، بدأت حكومة كارني في مطلع 2026 التلويح بـ"الورقة الرابحة" التي تملكها أوتاوا: المعادن الحرجة. فكندا ليست مجرد شريك تجاري، بل هي المورد الأكثر موثوقية لـ21 معدنا حرجا (مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل) التي تشكل عصب صناعات المستقبل في الولايات المتحدة، من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى تكنولوجيا الدفاع المتقدمة.

.أ.ف.ب
نحاس يتم صهره في مصفاة للنحاس كندية، في مونتريال 17 يوليو 2025

وتتبنى كندا في مفاوضات 2026 استراتيجيا "المعاملة بالمثل"، حيث تلمح إلى أن استمرار التعريفات الأميركية على السيارات والصلب قد يدفع أوتاوا إلى تقييد "الوصول التفضيلي" وإعادة توجيه صادرات المعادن نحو الحلفاء في أوروبا وآسيا، واستخدام "قانون الإنتاج الدفاعي" (سلاح السيادة الوطنية) لضمان بقاء الموارد الاستراتيجية داخل الحدود الكندية ما لم يتم ضمان حرية وصول المنتجات الكندية الى الأسواق الأميركية.

هذا التحول يحول كندا من "طرف يطلب الحماية" إلى "شريك يمتلك أدوات الردع"، خصوصا في ظل رغبة واشنطن في تقليص اعتمادها على الصين في هذا القطاع.

في حال التصعيد، يواجه الاقتصاد الكندي "عقدا ضائعا" إذا فشلت المفاوضات، مع احتمال انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 1,5 و2 في المئة، مع فقدان مئات الآلاف من الوظائف الصناعية

توني ستيلو، محلل في "أكسفورد إيكونوميكس"

إلا أن المحلل توني ستيلو من "أكسفورد إيكونوميكس" حذر من أن الاقتصاد الكندي قد يواجه "عقدا ضائعا" إذا فشلت المفاوضات. ففي حال التصعيد، قد ينكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين 1,5 في المئة و2 في المئة، مع فقدان مئات الآلاف من الوظائف في أونتاريو وكيبيك (قلب الصناعة).

كذلك، ستترك هذه الأخطار ندوبا اقتصادية طويلة الأمد، إذ يؤدي "عدم اليقين القانوني" إلى تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، مما يدفع الشركات إلى التوجه نحو الولايات المتحدة لتفادي التعريفات. وينجم عن ذلك انكماش دائم في حجم الاقتصاد، وتراجع في الاستثمارات الصناعية، مع ارتفاع معدلات البطالة في قطاعات السيارات والصلب والنقل.

عملة "اللوني" تحت مقصلة التقلبات

لم تقتصر تداعيات النزاع التجاري على السلع فحسب، بل امتدت لتطال العملة الكندية نفسها، إذ تعرض "الدولار الكندي" (Loonie) لضغوط عنيفة منذ بداية عام 2026. فمع كل تصريح هجومي صادر عن البيت الأبيض، اتجه المتداولون نحو الملاذات الآمنة، مما دفع العملة لاختبار مستويات متدنية لم تشهدها منذ عقود.

.أ.ف.ب
العلم الكندي وسط مدينة وندسور، في ولاية أونتاريو الكندية، المحاذية لولاية ميشغان الأميركية، 1 أبريل 2025

وتعكس تحركات الدولار الكندي هذا العام عوامل مترابطة، أبرزها الفوارق في أسعار الفائدة، حيث قد يضطر "بنك كندا" لخفض الفائدة لتحفيز النمو المتضرر من التعريفات، مما يزيد الفجوة مع عوائد السندات الأميركية ويقلل جاذبية العملة. كما تلعب توقعات السوق دورا محوريا، إذ يتوقع المحللون أن يتأرجح سعر الصرف بين 1,40 و1,48 دولارا كنديا لكل دولار أميركي خلال النصف الأول من العام، في انتظار نتائج مراجعة "كوسما". يضاف إلى ذلك الارتباط التقليدي بالدولار الكندي بأسعار النفط والمعادن، إلا أن "علاوة الأخطار السياسية" الناتجة من حرب التعريفات باتت المحرك الرئيس للعملة، مما يجعلها عرضة لهزات مفاجئة مع كل تغريدة أو تصريح رسمي.

الرد الكندي: استراتيجيا تنويع وصمود

في مواجهة هذه الضغوط، أطلقت حكومة كارني استراتيجيا اقتصادية هجومية تهدف إلى تقليص الاعتماد المفرط على السوق الأميركية، من خلال مضاعفة الصادرات غير الأميركية خلال العقد المقبل وتسريع الشراكات في منطقة الإندو–باسيفيك، مع استكمال مفاوضات اتفاقيات تجارة حرة مع دول مثل إندونيسيا والفيليبين وفيتنام وكوريا الجنوبية.

في ظل سياسة ترمب الحمائية، تدخل كندا معادلة دقيقة: الاستثمار في تنويع اقتصادي مستدام والحفاظ على الامتيازات الحيوية في السوق الأميركية، من دون الوقوع في فخ التبعية الاقتصادية

وتشمل الاستراتيجيا أيضا دعم القطاعات المتضررة عبر قروض ميسرة وبرامج إعادة تأهيل وتدريب للعمال، وتعزيز سياسة "اشترِ كندي" في المشتريات الحكومية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية مع أوروبا وآسيا لبناء استقلالية استراتيجية أكبر.

أ.ف.ب.
نقطة التقاء الحدود في ميترو الانفاق الذي يربط مدينة ديترويت الأميركية بمدينة وندسورالكندية، 3 أبريل 2025

وفي خطوة نوعية، تستخدم كندا مخزونها من الليثيوم والنيكل كورقة ضغط في مفاوضات الطاقة والسيارات الكهربائية مع واشنطن، مع التركيز أيضا على تعزيز التجارة بين المقاطعات الكندية (التي تعاني أحيانا عوائق أكثر من التجارة الدولية) لإنشاء سوق وطنية موحدة وقادرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.

مفترق طرق تاريخي

تمثل مراجعة اتفاقية "كوسما" في عام 2026 نقطة تحول مفصلية في العلاقات التجارية الكندية-الأميركية. ففي ظل سياسة ترمب الحمائية، تجد كندا نفسها أمام معادلة دقيقة: الاستثمار في تنويع اقتصادي مستدام والحفاظ على الامتيازات الحيوية في السوق الأميركية، دون الوقوع في فخ التبعية الاقتصادية. كما إن نجاح أو فشل هذه المفاوضات لن يحدد مستقبل التجارة الثنائية فحسب، بل سيؤثر أيضا في هوية الاقتصاد الكندي لسنوات وربما عقود مقبلة، متأرجحا بين نموذج الاعتماد التقليدي ونموذج التنويع الاستراتيجي الأكثر صلابة واستدامة، مع بقاء الأمل في التوصل إلى اتفاق يحافظ على الاستقرار مع احترام المصالح المشتركة للطرفين.

إنها لحظة الحقيقة للهوية الاقتصادية الكندية. فهل تظل كندا "ملحقا متقدما" للسوق الأميركية، أم تنجح في التحول إلى "قوة تجارية متوسطة" متعددة الأقطاب؟

النتيجة لن تحدد أسعار السلع في المتاجر فحسب، بل ستعيد رسم العقد الاجتماعي والاقتصادي لكندا في عالم لم يعد يؤمن بالتجارة الحرة المطلقة، بل بالتجارة "المؤمنة" والمحمية بالسياسة والقدرة العسكرية.

font change