جان بيار فاي... سارد اللغة ومهندس تحولاتها

برحيله يغيب أحد كبار مجددي الشعر والسرد المعاصرين

Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
الكاتب جان بيار فاي خلال مؤتمر في جامعة تولوز، 24 نوفمبر 2010

جان بيار فاي... سارد اللغة ومهندس تحولاتها

رحل جان بيار فاي منذ أيام قليلة عن عمر ناهز المئة عام. وبرحيله، يترك في المشهدين الفكري والأدبي الفرنسيين فراغا كبيرا، لأنه ليس كاتبا عظيما فحسب، بل مشغل للغة ومجرب للأشكال، زحزح بلا كلل الحدود بين الشعر والفلسفة والسرد.

وهو من أولئك الكتاب الذين لا يغلق موتهم أي باب، بل ينهي فقط وهم انتمائهم إلى زمن محدد. ذلك أنه لم يتوقف قط عن الكتابة في حاضر اللغة، وهذا الحاضر، الذي تخترقه سيرورة التاريخ، هو ما يشكل القلب المتوهج لأعماله.

إذا أردنا فهم فرادة فاي، لا بد من الانطلاق من هذه النقطة الحاسمة: فالشعر لديه ليس جنسا أدبيا من بين أجناس أخرى، ولا مجرد ركيزة تعبيرية مفضلة، بل هو شرط إمكان كل تفكير. إنه الحيز الذي تتأمل فيه اللغة ذاتها، وتتضاعف، وتدخل في حركة، فتصبح قادرة على الفعل في الواقع. وتكمن مساهمته الطلائعية تحديدا في هذا الحدس الراديكالي: اللغة لا تصف العالم، بل تحوله. وهذا التحول يمر عبر عملية لم يكف عن التنظير لها وممارستها، ألا وهي السرد.

شعرية التحول

منذ مجموعاته الأولى، لا سيما "النهر المقلوب" (1959) و"ألوان مطوية" (1965)، يتبدى شعر فاي كحقل قوى. فهو لا يطمح إلى تمثيل العالم، بل إلى استعادة توتراته وطياته وتصدعاته. وصورة "النهر المقلوب" — ذلك الدفق الذي يرتد نحو منبعه — تشير منذ البداية إلى فكر يرى الزمن والذاكرة بوصفهما عودة وإعادة تشكيل وسردا استعاديا. فالقصيدة عنده ليست شكلا مغلقا، بل سيرورة وحركية متصلة.

تنسحب هذه الدينامية على مجمل نتاجه الشعري، الذي يتميز بانتباه بالغ إلى الجسد والمادة والعناصر. فاللغة تعبرها صور عضوية — دم، نفس، لحم — لا تحيل إلى رمزية مجردة، بل إلى أنثروبولوجيا شعرية حقيقية. والجسد ليس موضوعا فحسب، بل هو البنية ذاتها، ويتحول في نصوصه المتأخرة إلى "جسد مرآة" قادر على عكس الكون وإنتاجه.

ما يلفت أيضا في هذا الشعر هو طابعه المزدوج: مجرد وحسي في آن. إذ نجح فاي في الجمع بين مطلبين يبدوان متناقضين: بحث شكلي قريب من التيارات الطلائعية (خصوصا الشكليين والتجارب اللغوية في القرن العشرين)، وحدة شعورية ترسخ النص في تجربة معيشة. هكذا يتعايش الخط، والنقطة، والمستوى — وهي فئات شبه هندسية — مع حسية متمددة، إيروتيكية أحيانا، ومتجسدة دوما.

بينما انجرفت بعض التيارات الطلائعية نحو شكلانية جافة، حافظ هو على الروابط بين اللغة والعالم، لا عبر العودة إلى الواقعية، بل من خلال تعميق جذري لتحولات اللغة

هذا التوتر يشكل جوهر فعل فاي الشعري. فبينما انجرفت بعض التيارات الطلائعية نحو شكلانية جافة، حافظ هو على الروابط بين اللغة والعالم، لا عبر العودة إلى الواقعية، بل من خلال تعميق جذري لتحولات اللغة، مكنه من بلوغ شكل جديد من أشكال التجسيد.

السرد الفائق

هنا يتدخل أحد أكثر مفاهيمه خصوبة: "السرد الفائق" (surnarration). فمن خلال استلهامه أعمال خليبنيكوف على وجه الخصوص، رأى فاي السرد بوصفه عملية انعكاسية قادرة على اتخاذ ذاتها موضوعا لها. فالسرد لا يكتفي برواية الأحداث، بل يروي أيضا قوته الخاصة، وشروط ظهوره، وآثاره.

تجد هذه الفكرة صياغة نموذجية في كتاب "السرد الهوني" (1967)، حيث استعرض فاي سلسلة من التحولات التاريخية التي أنتجتها السرديات. وبعيدا من تقديم مجرد نظرية بسيطة، فإنه اختبر في هذه العمل كتابة تمزج بين البحث والخيال والشعر، ليغدو النص نفسه مختبرا للسرد.

غلاف "السرد الهوني"

يفترض "السرد الفائق" إزاحة جوهرية: إذ يظهر اللغة كقوة تاريخية. فالكلمات ليست محايدة، إنها تحدث آثارا، وتوجه أفعالا، وتصوغ حقائق. والانتقال من "القول" إلى "القدرة على القول" — أي جعل الملفوظ مقبولا — يشكل أحد رهانات عمله المركزية. وهذا الانتقال يبقى دائما في حالة تفاوت وانزياح، وفي هذا الفارق تحديدا يتكون التاريخ.

بهذا المعنى، استبق فاي بعض حدوس البنيوية وتجاوزها. فبينما مالت البنيوية إلى تثبيت بنى اللغة، شدد هو على حركيتها وقابليتها للتحول، من منطلق أن الأمر لا يتعلق بوصف نظام ما، بل بالتدخل في تبدلاته.

طلائعية منفتحة

يشهد انخراط فاي في التيارات الطلائعية خلال ستينات القرن العشرين على هذه الإرادة التحويلية. فقد شكلت مشاركته في مجلة Tel Quel، ثم انفصاله عنها وتأسيسه مجلة Change، لحظة مفصلية في الحياة الفكرية الفرنسية. ومن خلال تنديده بما سماه "الديكتاتورية البنيوية"، رفض أي اختزال للأدب إلى نظام مغلق.

آنذاك، أصبحت مجلة Change فضاء لتجريب جماعي، منفتحا على إسهامات اللسانيات والشعر والنظرية. أما "حركة تغيير الأشكال" التي طورها فيها، فترتكز على فكرة بسيطة ومذهلة: "حين نغير اللغة، نغير الأشياء". وهذه العبارة لا تلخص مشروعه بأكمله فحسب، بل تكشف طبيعته العملية.

وعلى خلاف تقليد طلائعي يفصل فصلا جذريا بين التجريب الشكلي والالتزام السياسي، سعى فاي إلى الربط بينهما، لا عبر أدب ملتزم بالمعنى الكلاسيكي، بل من خلال تحويل شروط الخطاب نفسها. هكذا يغدو الشعر حيزا للتدخل السياسي، لا لأنه يقدم رسالة ما، بل لأنه يعدل البنى اللغوية التي ندرك العالم من خلالها.

سرديات مفككة

يمدد عمل فاي الروائي هذا الاستكشاف، إذ تمثل سداسية "الهيكساغرام" محاولة طموحة للتفكير في السرد باعتباره فضاء لتحول الأمكنة والذوات. فالروايات التي تتكون منها — "بين الشوارع" (1958)، "الكسر" (1961)، "خفقان" (1962)، "السد" (1964)، و"الطرواديون" (1970) — لا تنصاع للتصنيف بسهولة. ورغم قربها من "الرواية الجديدة" في بعض جوانبها، إلا أنها تتمايز عنها ببعدها السياسي والتاريخي.

في هذه الأعمال، السرد مفكك، لا مركزي، وغالبا ما يربك القارئ. وتؤدي الأمكنة — المدن، الفضاءات الحضرية، الحدود — دورا محوريا، لا بوصفها ديكورا، بل كعوامل إنتاج للمعنى. فبرلين، مثلا، في "السد"، تظهر كحيز مشحون بالتوترات، يمكن قراءة التاريخ في ثناياه.

لكن الأهم، هنا أيضا، ليس المحتوى بقدر ما هو الشكل. فالرواية تصبح امتدادا للتأمل في السرد، وتحول إلى خيال الآليات التي تنتج بها السرديات وقائعها. وفي هذا المعنى، تنخرط الرواية بالكامل في مشروع فاي النظري.

هكذا يغدو الشعر حيزا للتدخل السياسي، لا لأنه يقدم رسالة ما، بل لأنه يعدل البنى اللغوية التي ندرك العالم من خلالها

لكن من الجائر حصر فاي في إسهامه الشعري والأدبي، فعمله الفلسفي يشكل منجزا كبيرا بحد ذاته، يتجاوز تأثيره حقل الأدب. ففي "لغات شمولية" (1972) و"العقل السردي" (1990)، قدم تحليلا معمقا للعلاقات بين اللغة والسلطة.

غلاف "لغات شمولية"

تتمثل فرضيته المركزية في أن تحولات اللغة تواكب — وأحيانا تسبق — التحولات الاجتماعية والسياسية. فدراسة الخطابات وانزياحاتها تتيح فهم تشكل الأيديولوجيات. وقد قادته هذه المقاربة إلى تحليل رائد للروابط بين بعض الخطابات الفلسفية والنازية، لا سيما لدى مارتن هايدغر.

JOEL ROBINE / AFP
المخرج المسرحي الفرنسي باتريس شيرو والكاتب جان بيار فاي يجيبان عن أسئلة الصحافيين في مطار رواسي بباريس

لكن هذا العمل لا ينفصل عن ممارسته الشعرية. فالفلسفة لديه هي تمثيل للغة ذاتها، وتندرج ضمن ما يسميه "النقد الثالث"، بعد نقدي كانط وماركس: نقد العقل السردي. إذ لم يعد الأمر يقتصر على مساءلة شروط إمكان المعرفة أو الاقتصاد، بل يمتد إلى شروط إمكان السرد نفسه.

هذا الطموح يمنح عمله بعدا فريدا، فهو لا يكتفي بتحليل العالم، بل يسعى إلى تعديل شروط قراءته.

تهجين

ما يجعل الإحاطة بعمل فاي عسيرة، هو غياب الحدود بين الأجناس. فالشعر والرواية والفلسفة تتقاطع فيه، وتتداخل، وتتحول في ما بينها. ولا يتعلق الأمر بمجرد تجاور، بل بتهجين حقيقي.

ولعل مفهوم "السرد الهوني" يلخص هذه المقاربة بأفضل صورة: سردية واحدة تعبرها أصوات متعددة، حيث لا تعود الأجناس منفصلة، بل في حركة دائمة، كما تغدو عناصر في سيرورة واحدة.

وقد أربك هذا التهجين بعض معاصريه، كما يفسر جانبا من السجالات التي رافقت مسيرته. لكنه يشكل، في الوقت نفسه، شرط فرادته.

عند التأمل في مجمل أعماله، تفرض صورة واحدة نفسها: صورة النفس. فمنذ قصائده الأولى، المكتوبة في سياق الحرب، وصولا إلى نصوصه المتأخرة مثل "الجسد المرآة" (2020)، لم يتوقف فاي عن التفكير في اللغة كحركة، كتنفس. فالنفس ليس مجرد استعارة، بل هو إيقاع الفكر ذاته.

وهذا الإيقاع يعبر الأجناس والأشكال والتخصصات، ويمنح كتابته بعدا شبه موسيقي، حيث يؤدي التكرار والتنويع والضبط دورا أساسيا. وكل نص يبدو محاولة للإمساك بما لا يمسك: حركة، اهتزاز، تحول.

ماذا يتبقى اليوم من فاي؟ عمل ضخم، بلا شك، لكن قبل ذلك منهج ورهان. ففي عالم تتكاثر فيه الخطابات وتتفتت فيه السرديات، توفر أفكاره أدوات ثمينة لفهم تحولات اللغة وآثارها.

أما إسهامه الطلائعي، فلا يقتصر على ابتكارات شكلية، بل يتمثل في طريقة تفكير في الأدب بوصفه ممارسة فاعلة، قادرة على التدخل في الواقع. من هنا راهنيته الشديدة.

وإذا كان رحيله يحرمنا من صوت فريد، فإنه يدفعنا أيضا إلى إعادة قراءة أعماله، واستعادة رهاناتها. فما تركه لنا ليس نظاما مغلقا، بل حركة: دعوة إلى مواصلة التحول.

ظل جان بيار فاي، حتى النهاية، شاعرا، لا بالمعنى الضيق للكلمة، بل بمعناها الأوسع: ذاك الذي يجعل من اللغة فضاء للتجربة والتحول والخلق. فشعره لا يقتصر على دواوينه، بل يسري في كامل أعماله.

جعل الكتابة لا مرآة للعالم، بل مرآة متحركة، "جسدا مرآة" تنعكس فيه، وتتحول باستمرار، أشكال الواقع

ومن خلال وضع السرد في قلب تأمله، وجعل اللغة قوة فاعلة، جدد بعمق طريقة فهمنا للروابط بين الأدب والفلسفة والتاريخ. وإذ يظل عمله لغزا، فإنه لغز خصيب، مفتوح، في حركة دائمة.

ولعل هذا هو إنجازه الأكبر: أنه جعل الكتابة لا مرآة للعالم، بل مرآة متحركة، "جسدا مرآة" تنعكس فيه، وتتحول باستمرار، أشكال الواقع.

font change

مقالات ذات صلة