ترسم أنطولوجيا "أناشيد الصحراء" صورة كثيفة للمشهد الشعري السعودي في لحظة معاصرة مشبعة بالتوتر والتحول، إذ تنعكس فيها أصوات شعرية متباينة من حيث التجربة والرؤية والبناء، غير أنها تلتقي عند نقطة عميقة تتصل بسؤال الوجود واللغة والانتماء إلى أرض ذات رمزية متجذرة في المخيال العربي: الصحراء.
يحمل العنوان في ذاته طاقة إيحائية جلية، حيث تتجاور مفردتا "أناشيد" و"الصحراء" في تركيب يفتح المجال أمام قراءة مزدوجة: نشيد بوصفه تعبيرا جماعيا يتجاوز الفرد، والصحراء بوصفها فضاء أوليا للمعنى ومخزنا للذاكرة ومسرحا للتجربة الوجودية. من هنا، تبدو الأنطولوجيا محاولة لإعادة كتابة هذا الفضاء عبر أصوات متعددة، تشتغل على تفكيكه وإعادة تشكيله داخل اللغة الشعرية الحديثة.
تظهر الصحراء في نصوص هذه الأنطولوجيا، الصادرة عن "دار أبجد" في بغداد (2026) ومن إعداد الشاعر علي الحازمي، بوصفها أكثر من خلفية جغرافية، فهي بنية رمزية تحضر في عمق النصوص، سواء من خلال استدعاء الذاكرة الشعرية القديمة، أو عبر تحويلها إلى مجاز مفتوح على أسئلة الكينونة، حيث تتجلى كحالة من الامتداد، تتسع الرؤية وتتخفف من الضجيج، فينشأ نوع من الصفاء الذي يسمح للذات بأن تنصت إلى نفسها وإلى العالم في آن.
يتخذ حضور الصحراء أشكالا متعددة، يظهر أحيانا عبر استحضار عناصر الطبيعة، وأحيانا أخرى عبر الإحساس بالعزلة أو عبر التوتر بين الامتداد والضياع. وهنا، يمكننا القول إن هذه الأنطولوجيا تعيد تعريف العلاقة بين الشعر والمكان، حيث يصبح المكان محفزا للتفكير، وليس مجرد إطار، فالصحراء تكتسب بعدا كونيا وتغدو معادلا للفراغ والبدء والصمت الذي يسبق اللغة.
تكمن خصوصية هذه الأنطولوجيا في تنوع أشكال الكتابة الشعرية، فتتجاور القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، في مشهد يشي بحيوية التجربة الشعرية السعودية المعاصرة وثرائها، مما يدل على مرحلة انتقالية يعيشها الشعر، إذ تتداخل المرجعيات وتتقاطع الرؤى. وتبرز في هذا السياق أصوات في القصيدة العمودية مثل أحمد الحربي وأحمد السيد عطيف، حيث تنحو القصيدة العمودية في بعض النصوص المختارة نحو التخلي عن صرامتها الكلاسيكية، عبر تخفيف النبرة والانفتاح على موضوعات ذات طابع وجودي، لتتراجع النزعة الخطابية لصالح التأمل.



