أتذكر جيدا أنني عندما قرأت خبر وفاة الشاعر الفرنسي الكبير سان جون بيرس في جريدة "لوموند" الفرنسية عام 1975 أرفقت الحدث بنشر قصيدة قصيرة من أربعة أبيات له، بعنوان "جفاف"، وعندما قرأتها، فوجئت، فهذه ليست من أعماله، ولا من جوه، ولا من لغته. نعم! كأنها لشاعر مبتدئ، لا نكهة فيها ولا لغة ولا مخيلة، وعرفت عندها أن هذه القصيدة هي مجرد وداع، أو تعبير عما آل إليه شعره بعد روائعه التي هزت أوروبا، كأنما ليقول: هذا ما تبقى من شعره: "الجفاف".
عندما نشر بيرس أولى قصائده، فاجأ القراء مفاجأة كبرى لم يستوعبوها آنئذ: نص خارج المسار الشعري الفرنسي الذي كان غارقا في لعبة المدارس الشعرية، من سيريالية، وقبلها الدادائية، ومثلهما الرومانطيقية... بمعنى أن ذائقتهم أتت مقولبة حول من يفجر جديدا ضمن معطيات جاهزة، أي بيانات تترجم شعرا، وهذا ما أثار سخريتهم من قصائده. واللافت أنه في عام 1926 كتب شاعر إيطاليا الكبير جيورجي أونغاريتي يقول عن ترجمته لقصيدة "أنا باز": "لو قدمت الترجمة دون تعليق فسأرجم بالحجارة، إذ إن الناس يجدون شعري غامضا على الرغم من بساطته وكلاسيكيته الواضحة، فكيف يكون الأمر لو أنني أقدم هنا، من دون أي توضيح، شعرا لا عهد لأحد به إطلاقا".
وهذا يقتحم شعر بيرس كظاهرة، لا عمومية فيها، ولا مدارس جاهزة، بل هي منعزلة عن التقاليد الموروثة من الرمانطيقية الفرنسية مع فيكتور هوغو، ولامارتين، والبيانات عند السيرياليين. إنها القصيدة الساخنة بالآراء والكسور، فهو ليس صانع أفكار ولا أيديولوجيات ولا مواقف ولا التزام: شعره مسبوك في ضبابية من الغموض، ومكثف في لغة متفجرة، لا هي منبسطة ولا هي معقدة أو مفتعلة. اختلف القراء في تلك الفترة على فهمها أو تفسيراتها، وهذا تحديدا ما حمل هؤلاء نقادا وشعراء إلى وصفها بأنها خارج الشعر بإيقاعاته الأوروبية والغربية معا، معتبرين أن النصوص لا علاقة لها بإيقاعات القصيدة ولا الشعر نفسه. وقال الشاعر الفرنسي روجيه كايوا عن جان جون بيرس ساخرا: "لا أحد يعلم من أين له هذه الرقة الساحرة التي يملكها وحدة والتي تعجز عنها المحاكاة أيا كانت". إنها صدمة النخبة فما بالك بالقارئ العادي. وهذا يعني صدمة للجميع، بل وهذا يعني أنه لو لم تترجم قصائده في إنكلترا، وأحدثت ضجة، لكان مصير شعره النسيان، ولما نال نوبل للأدب (1960).
ليس صانع أفكار ولا أيديولوجيات ولا مواقف ولا التزام: شعره مسبوك في ضبابية من الغموض، ومكثف في لغة متفجرة
صحيح أن الفرنسيين وسواهم "عانقوا" اللغة، سواء في تدميرها عند الدادائيين والسيرياليين، أو عند رينيه شار، بعد انفصاله عن السيرياليين، الذي اشتغل مثله على اللغة، ودورها الأساسي في القصيدة، فإن النص البيرسي يقدم باعتباره شكلا (لا شكلانيا)، يستعمل أدوات خصوصية لإمكانات اللغة يختلف كليا عن استعماله في النص الكلاسيكي، الذي همش الشكل كعنصر أساسي واستخدم اللغة، ليس بطريقة مباشرة وشائعة واجتماعية أو سردية... ولا حطمها كما فعل كثيرون في الشعر الفرنسي كالدادائيين... بمعنى آخر تجاوز الحالتين: الفوضوية والجماعية. يعني أن اللغة عنده هي مادة احتفالية، بإيقاعياتها، وكيميائياتها، وميزاتها الإيحائية (وهنا يلتقي في هذه النقطة مع الرمزيين، كـبول فاليري ومالرميه وكذلك رامبو. وكذلك يمكن أن يلتقي مع الصوفيين، بمعنى غموض ما بعد النص وتمثيليته الماورائية.
هذه الاحتفالية باللغة، ليست مجانية (كما عند السيرياليين)، بل هي تعبير عن عالم داخلي وخارجي، ونفسي، من الدلالات، وحتى الأفكار، عرف كيف يستنبط الصور بمشهدية احتفالية وبإيقاعات بصرية وموسيقية كأنها خليط من التناقضات، عرف كيف يقولبها ويجعلها أساسا في القصيدة، وهذا يعود إلى اتساع ثقافته، فهي أوسع من ثقافة بعض الشعراء وأعمق وأكثر دينامية، تردفها تجاربه وتنقله في العالم.. إنها عرس الألوان والأصوات والثراء النفسي والثقافي، والامتزاج بالمخيلة وبمعاناتها وإشراقاتها ومدلولاتها وإيحائياتها: هناك وهذا مهم، علاقة عضوية بين هذه الاحتفاليات اللغوية، فهي تكون رؤى وأحداثا في نفخ نوع من الغرابة مما يكللها بكثير من الغموض، من دون لعبة المجانية، أو التفسيرات والمعاني التي قد تطغى على اللعبة الشعرية المفتوحة على كل الاحتمالات: الحسية، والروحية، المحددة، سواء في أنفاسه الملحمية المتصلة بالأحداث والحروب والأزمات، أو في الطبيعة التي يختزلها بما فيها من إشراقات وجماليات.
بقي شاعرا مجهولا، لا هو أراغون ولا جاك بريفير، ولا نزار قباني: هناك شاعر كبير وحده يماثله في إبداعه وإن بطريقة إبداعية هو شكسبير
يبقى السؤال: هل أثر سان جون بيرس في بعض الشعراء العرب كما يقال أحيانا؟ المعروف أن أدونيس ترجم له، وتأثر به وخصوصا في مسألة اللغة وتفجيرها في الشعر، وكذلك ترجم في المغرب العربي... لكنه بقي، على الرغم من كل ذلك، شاعرا مجهولا، لا هو أراغون ولا جاك بريفير، ولا نزار قباني: هناك شاعر كبير وحده يماثله في إبداعه وإن بطريقة إبداعية هو شكسبير.