على مدى عشرين عاما، كانت الجمهورية الإسلامية تقيس قوتها بعدد العواصم العربية التي تستطيع توجيهها من طهران: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. سقطت دمشق أولا، فسقط معها الجسر البري. ثم، في الأسبوع الأخير من يونيو/حزيران، انقلبت اثنتان من العواصم الثلاث المتبقية على الميليشيات التي منحت إيران نفوذها. ولم يحدث ذلك بضربة أميركية أو إسرائيلية، بل بقرار صادر عن الدولة في كل منهما.
في 26 يونيو/حزيران، وقّع لبنان في واشنطن، بوساطة أميركية، اتفاقا إطاريا مع إسرائيل يكلف الجيش اللبناني باستعادة احتكار الدولة للسلاح، ونزع سلاح "حزب الله" منطقة بعد أخرى، بدءا من مناطق تجريبية متفق عليها مع القيادة الإسرائيلية. لم تجرؤ أية حكومة لبنانية على الذهاب إلى هذا الحد منذ عام 1982. ويتعامل الاتفاق مع ترسانة "الحزب" بوصفها عقبة أمام السيادة، لا ضمانة لها.
ولم يفعل التوقيع سوى تكريس مسار من التراجع بدأ حين وجهت حرب 2024 ضربة قاصمة إلى "الحزب"، فقتلت حسن نصرالله وقطعت خط إمداده عبر سوريا. وكانت الظروف قد تهيأت لهذا التحول داخل لبنان أيضا: رئيس آت من قيادة الجيش، وحكومة سبق أن كلفت الجيش بوضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة، وبيئة شيعية تحمل أنقاض حرب لم تخترها، فيما لم تصل أموال إعادة الإعمار الإيرانية.
وصف نعيم قاسم الاتفاق بأنه باطل ولاغ، وتعهّد بمواصلة القتال. وهو يستطيع ذلك. لكنه يدافع عن ترسانة لم تعد تحمي أحدا، باسم ردع دحضته الحرب، وأمام مجتمع يدفع ثمنها. وما لم يعد يستطيعه هو الادعاء بأنه يقاتل باسم لبنان.
بعد يومين، أرسلت حكومة علي فالح الزيدي العراقية، التي تتولى السلطة منذ مايو/أيار، جهازَ مكافحة الإرهاب إلى المنطقة الخضراء عند الفجر، واعتقلت 47 مسؤولا، بينهم أعضاء في البرلمان، في قضية محورها الفساد وتمويل الفصائل المسلحة وتهريب النفط الإيراني والدولارات.
وكانت الحكومة نفسها قد أمرت جميع الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة بتسليم أسلحتها بحلول 30 سبتمبر/أيلول، وهو اليوم الذي تنتهي فيه مهمة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق. ولم يكن اختيار هذا التاريخ مصادفة، فهو يجرد الميليشيات من أقدم ذرائعها، ومفادها أن سلاحها جاء ردا على وجود أجنبي.
وتأتي المهلة مصحوبة ببرنامج لتسريح المقاتلين، يبادل السلاح بوظائف في مؤسسات الدولة. وقد يتعثر البرنامج، لكن دلالته ستبقى ثابتة في الحالتين: توقفت بغداد عن التفاوض مع الميليشيات بوصفها مؤسسات، وبدأت استعادة رجالها منها عبر إدماجهم في الدولة.

