كيف هزت بيروت وبغداد "الهلال الإيراني" في أسبوع واحد؟

طهران تدفع ثمن عقيدة الدفاع الأمامي مرتين

رويترز
رويترز
يقف أحد عناصر "كتائب سيد الشهداء" حارسا أمام جدارية تُصوّر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، خلال مسيرة تضامنية مع إيران قرب السفارة الإيرانية في بغداد، العراق، 19 يونيو 2026

كيف هزت بيروت وبغداد "الهلال الإيراني" في أسبوع واحد؟

على مدى عشرين عاما، كانت الجمهورية الإسلامية تقيس قوتها بعدد العواصم العربية التي تستطيع توجيهها من طهران: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. سقطت دمشق أولا، فسقط معها الجسر البري. ثم، في الأسبوع الأخير من يونيو/حزيران، انقلبت اثنتان من العواصم الثلاث المتبقية على الميليشيات التي منحت إيران نفوذها. ولم يحدث ذلك بضربة أميركية أو إسرائيلية، بل بقرار صادر عن الدولة في كل منهما.

في 26 يونيو/حزيران، وقّع لبنان في واشنطن، بوساطة أميركية، اتفاقا إطاريا مع إسرائيل يكلف الجيش اللبناني باستعادة احتكار الدولة للسلاح، ونزع سلاح "حزب الله" منطقة بعد أخرى، بدءا من مناطق تجريبية متفق عليها مع القيادة الإسرائيلية. لم تجرؤ أية حكومة لبنانية على الذهاب إلى هذا الحد منذ عام 1982. ويتعامل الاتفاق مع ترسانة "الحزب" بوصفها عقبة أمام السيادة، لا ضمانة لها.

ولم يفعل التوقيع سوى تكريس مسار من التراجع بدأ حين وجهت حرب 2024 ضربة قاصمة إلى "الحزب"، فقتلت حسن نصرالله وقطعت خط إمداده عبر سوريا. وكانت الظروف قد تهيأت لهذا التحول داخل لبنان أيضا: رئيس آت من قيادة الجيش، وحكومة سبق أن كلفت الجيش بوضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة، وبيئة شيعية تحمل أنقاض حرب لم تخترها، فيما لم تصل أموال إعادة الإعمار الإيرانية.

وصف نعيم قاسم الاتفاق بأنه باطل ولاغ، وتعهّد بمواصلة القتال. وهو يستطيع ذلك. لكنه يدافع عن ترسانة لم تعد تحمي أحدا، باسم ردع دحضته الحرب، وأمام مجتمع يدفع ثمنها. وما لم يعد يستطيعه هو الادعاء بأنه يقاتل باسم لبنان.

بعد يومين، أرسلت حكومة علي فالح الزيدي العراقية، التي تتولى السلطة منذ مايو/أيار، جهازَ مكافحة الإرهاب إلى المنطقة الخضراء عند الفجر، واعتقلت 47 مسؤولا، بينهم أعضاء في البرلمان، في قضية محورها الفساد وتمويل الفصائل المسلحة وتهريب النفط الإيراني والدولارات.

وكانت الحكومة نفسها قد أمرت جميع الفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة بتسليم أسلحتها بحلول 30 سبتمبر/أيلول، وهو اليوم الذي تنتهي فيه مهمة التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق. ولم يكن اختيار هذا التاريخ مصادفة، فهو يجرد الميليشيات من أقدم ذرائعها، ومفادها أن سلاحها جاء ردا على وجود أجنبي.

وتأتي المهلة مصحوبة ببرنامج لتسريح المقاتلين، يبادل السلاح بوظائف في مؤسسات الدولة. وقد يتعثر البرنامج، لكن دلالته ستبقى ثابتة في الحالتين: توقفت بغداد عن التفاوض مع الميليشيات بوصفها مؤسسات، وبدأت استعادة رجالها منها عبر إدماجهم في الدولة.

بعد أن خسرت طهران لبنان باتفاق مكتوب وموقّع، وسوريا بسقوط النظام، ضاعفت تمسكها بالعاصمة الوحيدة التي لا تحتمل خسارتها، مستخدمة الأدوات القليلة التي لا تزال تعمل هناك: الأضرحة، واقتصاد الزيارة، وطقوس العقيدة المشتركة

تحركت بيروت ضد الوكيل المؤسس لـ"الحرس الثوري". وتحركت بغداد ضد أذرعه في قمة هرم الدولة، وضد خزائنه. وحدث ذلك كله في الأسبوع نفسه.

لكل من القصتين بعدها الوطني المستقل. أما إذا وضعتا جنبا إلى جنب، فإنهما تكشفان الفشل البنيوي لعقيدة واحدة. لم يكن الهلال الذي بناه قاسم سليماني، منذ توليه قيادة "فيلق القدس"، وحتى مقتله في يناير/كانون الثاني 2020، مجرد مجموعة من الحلفاء. كان بنية للدفاع الأمامي، ووسيلة لإبقاء حروب إيران على أراضي الآخرين، ممولة من الريع الإيراني، ومتصلة عبر سوريا ضمن جبهة واحدة متواصلة.

وقام هذا البناء كله على رهان واحد: أن تظل الدول المضيفة ضعيفة أو منقسمة أو خائفة، إلى حد يعجزها عن المطالبة باحتكار القوة. وهذا الرهان يفشل اليوم على مرأى من الجميع.

غير أن الانهيار لا يجري بوتيرة واحدة، وهذا الفارق مهم. ففي لبنان، لا يزال "الحزب" يسيطر على مقاتليه، لكنه يدافع عن ترسانته داخل بلد دمرته الحروب التي استوردها. أما في العراق، فالانقسام يشق الميليشيات نفسها.

وضع مقتدى الصدر ألويته تحت سلطة الدولة في أواخر مايو/أيار، وسلم ترسانتها إلى الجيش، وكان أول من فعل ذلك. وأشارت اثنتان من أكبر الفصائل الموالية لطهران إلى أنهما ستسلكان الطريق نفسه. وحدها النواة الصلبة الأقرب إلى "فيلق القدس" لا تزال ترفض، بحجة أن على القوات الأجنبية أن ترحل أولا. وقد وضعت بغداد الآن تاريخ انتهاء لهذه الذريعة.

وأبعد إلى الجنوب، أعاد الحوثيون، بعدما أنهكتهم الضربات الجوية، توجيه حربهم إلى الداخل اليمني. لا أحد يهزم المحور بضربة واحدة. فهو يتفكك قطعة بعد أخرى، فيما تختار كل جبهة البقاء على حساب المهمة.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال توقيع سفير إسرائيل يحيئيل ليتر، ورئيس أركان وزارة الخارجية دانيال هولر، وسفيرة لبنان ندى حمادة، الاتفاق الإطاري في وزارة الخارجية، في واشنطن 26 يونيو 2026

قرأت طهران الخريطة نفسها، وكان ردها الجنازة. دُفن علي خامنئي، الذي اغتيل في 28 فبراير/شباط، في أوائل يوليو/تموز، في مراسم استمرت ستة أيام وعبرت بلدين. وقبل أن يصل نعشه إلى مشهد، مر بالنجف وكربلاء.

وسجل النظام 1.7 مليون عراقي للاستفادة من المرور المجاني، وانتشر مقاتلو "الحشد الشعبي" في أنحاء النجف، وأعلنت بغداد عطلة وطنية. ووقف رئيس الوزراء نفسه، الذي كانت قواته قد داهمت المنطقة الخضراء قبل أيام، على مدرج المطار إلى جانب الرئيس الإيراني وقادة الميليشيات الذين تلاحقهم سلطة بلاده القضائية.

بعد أن خسرت طهران لبنان باتفاق مكتوب وموقّع، وسوريا بسقوط النظام، ضاعفت تمسكها بالعاصمة الوحيدة التي لا تحتمل خسارتها، مستخدمة الأدوات القليلة التي لا تزال تعمل هناك: الأضرحة، واقتصاد الزيارة، وطقوس العقيدة المشتركة.

وحين تصادر أسلحة الراعي وتصبح أمواله موضع ملاحقة، تتحول القداسة إلى آخر قنوات النفوذ. وكان مرور النعش عبر النجف هو المرافعة الختامية للهلال.

لقد دُفع ثمن عقيدة الدفاع الأمامي مرتين: مرة من المجتمعات العربية التي استضافتها، ومرة من الشعب الإيراني، الذي مولت عائدات نفطه ميليشيات أجنبية، فيما تهاوت أجور الإيرانيين أنفسهم

قد يغري هذا الموقف المزدوج للدولة العراقية بوصفه نفاقا، لكن الأدق أنه انتقال عالق في منتصف الطريق. فالزيدي- الذي غادر إلى واشنطن الاثنين، على رأس وفد رفيع في زيارة تتضمن عقد لقاءات مهمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسؤولين ومؤسسات اقتصادية ومالية أميركية- يعتقل ممولي الشبكة، ثم يحضر جنازة راعيها في غضون أسبوعين، لأن العراق يفرض سيادته حيث يستطيع، ويؤدي طقوس المراعاة حيث لا يستطيع.

الاتجاه هو ما يهم. وكل خطوة ذات أثر، من الاعتقالات إلى المهلة وتسليم السلاح، تمضي في اتجاه واحد. ويد واشنطن ظاهرة في العاصمتين: وساطة في بيروت، وضغط وجدول زمني للانسحاب في بغداد. لكن الفعل الحاسم في الحالتين كان وطنيا، وهذا ما يجعل التراجع عنه متعذرا.

وفيما وراء الجغرافيا، تفككت القيادة. قامت عقيدة الدفاع الأمامي على ثلاث دعامات، وقد زالت جميعها. ماتت مع خامنئي المرجعية العقائدية التي ربطت الجبهات في قضية واحدة، فيما يحكم خليفته "المتنازع عليه" من خلف طوق لـ"الحرس الثوري".

وأصبحت القيادة العملياتية يتيمة منذ عام 2020، يديرها ورثة يفتقرون إلى السلطة التي كانت تحفظ تماسك الشبكة. كما أُغلق الجسر السوري. قد تعيش العقيدة بعد مؤسسها، لكنها لا تعيش بعد زوال شروطها.

وتواجه الجمهورية الإسلامية كل ذلك من أضعف موقع بلغته في تاريخها. ففي 7 يوليو/تموز، بلغ سعر الدولار 1,754,000 ريال في طهران، بعدما فقد الريال ثمانية في المئة من قيمته في يوم واحد. ولم تعد الميزانية قادرة على تمويل الشبكات التي أنشأتها بصورة مستدامة.

أ.ف.ب
صلاة الجنازة في الخامس من يوليو على نعش المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي، في اليوم الثاني من مراسم الدفن في طهران

وفي داخل النظام، بات قادة "الحرس الثوري" يتجادلون علنا بشأن حل "الحرس" نفسه. صُمم الهلال لإبقاء الحرب بعيدا عن إيران. لكن أقرب عاصمتين في هلالها اختارتا الدولة على الميليشيا، وبدأت الحرب التي أنشئت العقيدة لتصديرها تعود إلى الداخل.

وثمة حقيقة أخرى لا بد من قولها، لأن النظام سيعمل جاهدا على طمسها. لقد دُفع ثمن عقيدة الدفاع الأمامي مرتين: مرة من المجتمعات العربية التي استضافتها، ومرة من الشعب الإيراني، الذي مولت عائدات نفطه ميليشيات أجنبية، فيما تهاوت أجور الإيرانيين أنفسهم. والدول التي تستعيد اليوم احتكارها للقوة تفعل ما تفعله المجتمعات المنهكة حين تصبح كلفة الراعي الأجنبي أكبر من الخوف منه.

بُنيت حلقة النار لإبقاء أعداء طهران على مسافة. ولم تنكسر حيث ضربها الغرب، بل حيث قررت بيروت وبغداد أنهما تفضلان أن تكونا دولتين لا جبهتين. وما تبقى اليوم مجموعة من الحروب المحلية، التي لم تعد إيران قادرة على تمويلها أو خوضها، وجنازة تؤدي الدور الذي لم يعد الجيش قادرا على أدائه.

font change

مقالات ذات صلة