سوريا وصعود تنظيم "سرايا أنصار السنة"

العديد من عمليات "انصار السنة" لا يمكن التحقق من وقوعها

أ ف ب
أ ف ب
هجوم انتحاري تبناها تنظيم "سرايا أنصار السنّة" في كنيسة مار إلياس في منطقة دويلعة بدمشق في 22 يونيو 2025

سوريا وصعود تنظيم "سرايا أنصار السنة"

تنظيم جهادي سلفي ظهر كفاعل مستجد في المشهد السوري تحت اسم "سرايا أنصار السنّة"، استطاع خلال فترة زمنية وجيزة لا تتجاوز عاما واحدا أن يستقطب اهتمام الباحثين والمراقبين المعنيين بديناميات العنف والتحولات الأمنية في سوريا، بفضل قدرة استثماره لخطوط الانقسام المجتمعي القائمة، وتبنّي عمليات هجومية ضد أهداف متنوعة يجمعها أنماط عنف تسهم في تأجيج التوترات الطائفية، وذلك في سياق بالغ الحساسية تمر به البلاد خلال مرحلة انتقال سياسي عميق، أعقبت ثورة شعبية وصراعا مسلحا مدمّرا امتد لأربعة عشر عاما.

أثار التنظيم حالة من الالتباس لدى المراقبين، سواء لجهة تحديد هويته التنظيمية، أو أهدافه الاستراتيجية، أو الجهة الفاعلة أو الداعمة الكامنة خلفه. وعلى الرغم من إعلانه المتكرر تبنّي عدد من الهجمات النوعية، التي أثرت في مسار الأحداث الجارية في البلاد فإنه لم يتمكّن حتى الآن من تقديم أدلة تنظيمية أو عملياتية حاسمة تثبت مسؤوليته المباشرة عنها، الأمر الذي فتح المجال أمام فرضيات متعددة ترى فيه كيانا "وظيفيا" أكثر من كونه تنظيما جهاديا متكامل البنية، يُستخدم لإعادة تدوير العنف وتوجيهه، أو لإرباك المشهد الأمني وإعادة ترتيب أولويات الفاعلين المحليين والإقليميين.

وبصرف النظر عن الجدل القائم حول طبيعته الحقيقية، لا خلاف بين المتابعين على أن "سرايا أنصار السنّة" نجح في تحقيق أثر سياسي–أمني يفوق حجمه الفعلي، من خلال لفت الأنظار، وخلط الأوراق بين اللاعبين على الأرض السورية، وإعادة إدخال العامل الطائفي في معادلة الانتقال السياسي، مستفيدا من ديناميات الإحباط، والسخط من بعض السياسات الحكومية، وخيبات ما بعد الحرب، بما يحمله ذلك من مخاطر على مسارات الاستقرار وبناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع.

بعد أحداث الساحل بدأ تنظيم "سرايا أنصار السنة" بإصدار بيانات تبنى فيها عمليات شبه يومية، حيث يشير بيان/إنفوغراف أصدره التنظيم في 1 أبريل إلى عمليات شبه يومية

الظهور الأول

في بيانه التأسيسي الأول أوضح التنظيم أنه تشكَّل ردا على "التسامح المبالغ فيه" من قبل "الإدارة الجديدة" وإطلاق سراح فلول النظام السابق الأسرى وإجراء تسويات لهم، وأنه سيقوم بـ"هجمات ذئاب فردية" تستهدف "النصيريين والروافض" (العلويين والشيعة). وقدّم التنظيم نفسه في سياق السياسات التي اتبعها الرئيس أحمد الشرع بخصوص فلول النظام، لم يذكر التنظيم أية أهداف أو دوافع دينية، وأكد أنه ولد من رحم الغضب والإحباط من السياسات المتبعة في مسار العدالة الانتقالية، لكنه تأسس على خطاب طائفي. فقد حدد هدفه بوضوح: تنفيذ "هجمات ذئاب فردية" تستهدف "النصيرية والروافض" (العلويين والشيعة)، في مطابقة بين الطائفتين وفلول نظام الأسد. والطائفية في نهاية المطاف هي مفهوم سياسي.

لم يكن أحد تقريبا قد سمع باسم التنظيم قبل تبنيه هجوما وقع في قرية أرزة الشرقية ذات الغالبية العلوية في ريف حماة الغربي في 31 يناير/كانون الثاني 2025، حيث قُتل في الهجوم تسعة أشخاص معظمهم ضباط أو مجندون سابقون في جيش النظام، وفي البيان الذي أصدره التنظيم قال إن "ستة ذئاب" من عناصره نفذوا العملية، ورفع عدد القتلى إلى خمسة عشر قتيلا، كما تبنى تصفية خمسة ضباط آخرين في قرية تل ذهب قرب مدينة السلمية.

أ.ف.ب
مسجد الإمام علي بن أبي طالب عقب انفجار وقع في حي وادي الذهب بمدينة حمص في 26 ديسمبر 2025

بعد هذا البيان توقف التنظيم، الذي حدد أهدافه في بيانه التأسيسي في استهداف فلول النظام من "النصيرية والرافضة" (العلويين والشيعة)، عن تبني أية عمليات، ثم ظهر التنظيم من جديد في مطلع مارس/آذار حين أصدر بيانا في 5 مارس أعلن فيه تبني حرق غابات في القرداحة أحد أبرز معاقل فلول نظام الأسد في اللاذقية، وهدد العلويين بـ"أن القادم سيكون أدهى وأمر"، وأن هذا نتاج ما زرعوه في السنوات السابقة بحسب تعبير البيان. في اليوم التالي بدأت ما بات يُعرف بـ"أحداث الساحل"، ففي 6 مارس قام فلول نظام الأسد بهجوم واسع ومنسق على مواقع حكومية في أربع محافظات: حمص وحماة وطرطوس واللاذقية، بدأ بكمين في قرية بيت عانا شرق منطقة جبلة في محافظة اللاذقية عندما نصبه فلول النظام لدورية عسكرية تابعة للأمن الداخلي، قتل فيه 13 عنصرا، ورافق اندلاع الأحداث إصدار بيان أُعلن فيه عن إنشاء "المجلس العسكري لتحرير سوريا" بقيادة العميد غياث دلا، انتهت أحداث الساحل يوم 8 مارس التي رافقها عدد من المجازر المروعة حين أعلن وزير الدفاع أن العمليات العسكرية  نجحت في تطويق حركة التمرد التي قام يها الفلول،  واستعادت الحكومة السيطرة.

بعد أحداث الساحل بدأ التنظيم بإصدار بيانات تبنى فيها عمليات شبه يومية، حيث يشير بيان/إنفوغراف أصدره التنظيم في 1 أبريل/نيسان إلى عمليات شملت اغتيالات وإعدامات وتدمير مقامات وأسر ضباط (لا يوضح ماذا فعل بهم)، بالإضافة إلى استهداف زعيم مشيخة العقل حكمت الهجري بقنبلة في منزله، ويلاحظ في البيان الإشارة إلى نوعين من الأسباب الداعية للعمليات تلك التي تبناها التنظيم: سياسية (استخدم تعبيرات مثل: "الفلول"، "الخونة"، "المجرمين")، ودينية (استخدم تعبيرات مثل: "كفر"، "شرك")، خصوصا في استهداف المقامات، ربما للدلالة على ارتباطه بالسلفية الجهادية، في نهاية البيان يؤكد التنظيم أنه في يوم 3 أبريل سيعود "لتنفيذ العمليات بشكل مكثف". 

لا توجد دلائل على أن التنظيم هو المسؤول عن هذه العمليات، إذ لا يمكن التوثق منها في فوضى أحداث الساحل وما تلاها في شهر مارس، كما أن عددا من الضحايا الذين وردت أسماؤهم ليس لهم وجود أساسا، ومع ذلك يثير هذا التزامن بين عودة التنظيم للظهور والعمليات التي تبناها تساؤلات مبكرة حول التنظيم وأهدافه.

خلال الأشهر الأربعة الأخيرة دخل تنظيم "سرايا أنصار السنة" في ما يشبه السبات، وتوقف تقريبا عن تبني عمليات جديدة. فقد انشغل في بناء صورته كتنظيم جهادي سلفي

حرائق كسب

ادعى التنظيم في بيان نشرته مؤسسة "دابق" الإعلامية التابعة له أنه أحرق "غابات القسطل بريف اللاذقية الشمالي يوم 8 محرم [3 يوليو/تموز]، مما أدى إلى تمدد الحرائق إلى مناطق أخرى، وقال في البيان إن الحرائق أدت إلى "نزوح النصيرية (العلويين) من منازلهم، وتعريض عدد منهم للاختناق"، لكن المناطق التي أشار إليها التنظيم هي مناطق يسكنها مسلمون سنة!  وبالرغم من أن هذا يعد دليلا إضافيا على ضعف مصداقية التنظيم، فإنه يطرح سؤالا عن الغاية من تبني مثل هذه الحرائق في هذه المنطقة تحديدا والتي كانت الأكبر والأخطر على الإطلاق خلال العام الفائت، والإشارة إلى أن ضحاياها علويون؟ هل هي محاولة للتضليل؟

هجوم سيبراني

في 29 مايو/أيار، أعلن التنظيم أنه نفذ هجوما سيبرانيا اخترق خلاله هواتف وحواسيب أكثر من خمسة آلاف شخص من "الناشطين العلويين"، والمرتبطين بفلول نظام الأسد، مدعيا أنه حصل على "بنك أهداف" لعملياته المستقبلية. هذا الادعاء المبالغ فيه إلى حد كبير يعكس استراتيجية واضحة: إطلاق روايات لا يمكن التحقق منها بسهولة، أو يصعب تحديد الجهة الفاعلة فيها، والإيحاء بأن للتنظيم أذرعا وإمكانات تقنية كبيرة، معتمدا على هوية غامضة وغير واضحة للتنظيم والجهة التي تقف خلفه، بغرض خلق صورة للتنظيم تمكن القائمين خلفه من التأثير في الأحداث.

هجوم كنيسة مار إلياس

لم يتوقف التنظيم خلال شهر أبريل ومايو عن تبني عمليات صغيرة متناثرة من الطبيعة السابقة ذاتها التي تبناها من قبل، وانشغل في شهر مايو ويونيو بالإعلان عن ترتيبات داخل التنظيم، من تعيين مسؤولي غرف عمليات وإنشاء معرفات متخصصة تتبع للسراياـ.

أ.ف.ب
هجوم انتحاري تبناها تنظيم "سرايا أنصار السنّة" في كنيسة مار إلياس في منطقة دويلعة بدمشق في 22 يونيو 2025

وفي 22 يونيو 2025 أعلن التنظيم مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف كنيسة مار إلياس في الدويلعة قرب دمشق، والذي شمل تفجيرا انتحاريا، حيث أعلن تبنيه للعملية التي استهدفت المسيحيين لأول مرة، وقال التنظيم في بيانه إن الهجوم جاء ردا على "التطاول على أصول الدعوة و(على من) أهدروا حرمة الملة" في إشارة إلى نشاط دعوي سلفي انتشر في الأشهر الأولى في الأحياء المسيحية احتج عليه الأهالي ومنعته الحكومة في حينه، وأورد اسم الانتحاري الكامل الذي قام بالعملية، وذهب ضحية العملية 25 قتيلا، وفقا للحصيلة الرسمية النهائية التي أعلنتها وزارة الصحة السورية وأكدتها معظم المصادر الموثوقة، ولكن تبين أن العملية قام بها اثنان من تنظيم "داعش"، أحدهما فجر نفسه، والآخر أطلق النار، وأعلنت وزارة الداخلية أنها قبضت على الخلية التي خططت للعملية ونفذتها.

تفجير مسجد علي بن أبي طالب

خلال الأشهر الأربعة الأخيرة دخل التنظيم في ما يشبه السبات، وتوقف تقريبا عن تبني عمليات جديدة. فقد انشغل في بناء صورته كتنظيم جهادي سلفي، والتركيز على تكفير الحكومة الانتقالية والرئيس أحمد الشرع، حيث أصبح محط اهتمام واسع بعد تبنيه تفجير كنيسة مار إلياس، لكنه ظهر فجأة يوم 26 ديسمبر/كانون الأول حين أصدر بيانا يعلن فيه استهداف مسجد علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب ذي الأغلبية العلوية في حمص بعبوات ناسفة، منوها إلى أن العملية تمت "بالتعاون مع جماعة أخرى" لم يسمها، خلافا للتنظيمات الجهادية التي تعلن عادة عن شركائها من التنظيمات في العمليات المشتركة بشكل صريح، "تقديرا"  لدورهم.

دعا الشيخ غزال غزال، رئيس "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى" إلى "طوفان بشري" من المظاهرات "السلمية" للمطالبة بــ"اللامركزية"، وإنشاء إقليم خاص بالعلويين

طبيعة التفجير لا تحمل بصمات "داعش" الذي يعتمد عادة العمليات الانتحارية في استهداف دور العبادة، ما يعزز فرضية أن جهة أخرى بالفعل نفذت الهجوم، ولكن بالرغم من الشكوك حول مصداقية ما يدعيه في بياناته في مثل هذه الأحوال، فقد يكون صادقا هذه المرة، وأن القائمين بدعم التنظيم قد نفذوها بالفعل، لكن السؤال الكبير "من هم"؟

في اليوم التالي، دعا الشيخ غزال غزال، رئيس "المجلس الإسلامي العلوي الأعلى" إلى "طوفان بشري" من المظاهرات "السلمية" للمطالبة بــ"اللامركزية"، وإنشاء إقليم خاص بالعلويين. جاءت الدعوة مستغلة الحدث في سياق سياسي وأمني بالغ الهشاشة. وأدت إلى استجابة واسعة، لكن المظاهرات المشحونة بالطائفية والتي شارك فيها فلول من قوات نظام الأسد بشكل ملحوظ تحولت على نحو متعمد إلى مواجهات مسلحة، وأسفرت عن مقتل عنصر أمن ومدنيين وعدد من الجرحى في اللاذقية وريف طرطوس، وأعلنت وزارة الداخلية أن إطلاق النار نفذته "مجموعات مرتبطة بفلول النظام أثناء قيام القوى الأمنية بواجبها في حماية المتظاهرين والحفاظ على النظام العام".

أ.ف.ب
رجال إطفاء يكافحون حرائق الغابات في جبال التركمان في محافظة اللاذقية غرب سوريا في 11 مايو 2025

وتبدو عملية التفجير التي حدثت كما لو أنها كانت مصممة لتترك هذا الأثر، فالسياق الذي جاءت فيه قد يحمل بعض الإجابات؛ الانفجار قبل نهاية العام بخمسة أيام، ونهاية العام هي نهاية المهلة المحددة لتنفيذ اتفاق مارس بين الحكومة الانتقالية وقوات "قسد"، والشيخ غزال غزال يقيم في ضيافة "قسد" في شرق سوريا وينسق معها، ضمن تحالف للأقليات عملت عليه "قسد" لتقوية أوراقها وحشد خصوم الحكومة حتى لا تستفرد فيها، هل كان هذا الحدث يهدف إلى مساعدة "قسد" عبر إدخال الحكومة في موجة عنف منفلت في الساحل؟ ربما.

تساعد هذه المراجعة السريعة للعمليات التي تبناها التنظيم خلال أقل من عام من ولادته وأدت إلى صعوده على فهم استراتيجية عمل التنظيم وأدائه القائمة على استثمار الفراغ وإدارة الانطباع، من خلال:

- استحالة التحقق: العمليات التي قام بها التنظيم لا يمكن التحقق منها.

- استغلال صمت "داعش": يستغل التنظيم عدم إعلان تنظيم "داعش" عن عملياته في مناطق سيطرة الحكومة لأسباب أمنية لتبني عمليات تعود له (إحدى أبرز وأخطر العمليات التي أعلن عن تبنيها تبين أنها تعود لتنظيم "داعش").

- استثمار اللحظات السياسية الحساسة، فمن الواضح أن القائمين خلف التنظيم يدركون جيدا تلك اللحظات الحساسة، خصوصا تلك المتعلقة بالتوتر الطائفي، ويستغلونها بشكل قوي.

- الحفاظ على غموض هوية التنظيم والأشخاص الذين يقفون خلفه.

- عدم لفت الانتباه: العمليات الرئيسة التي يتبناها التنظيم فيما يخص العلويين وفلول نظام الأسد تبدو كما لو أنها تمهيد، ينطبق هذا على العمليات الأولى التي تبناها قبل أحداث الساحل، والعملية الأخيرة التي تبناها في حمص المتمثلة في تفجير المسجد.

منحت هذه الاستراتيجية التنظيم الغامض الفرصة للصعود وجعله سريعا محطّ اهتمام ومتابعة، والتأثير في الأحداث من خلال قناة إعلامية على "تلغرام"، وتشكل تحديا أمنيا وسياسيا في مرحلة انتقالية صعبة، ليس بسبب قدراته التي يزعمها لنفسه، بل بفعل الأسئلة الكثيفة التي أثارها حول هويته الحقيقية، والجهة التي تقف خلفه، وحدود مصداقيته التنظيمية. ومنذ لحظة ظهوره، بدا التنظيم حريصا على الترويج لذاته كفاعل عنيف صاعد، لكنه في الوقت ذاته عجز عن تقديم صورة متماسكة عن نفسه والإقناع بها، وإثبات علاقته بالعمليات التي ادعاها.

font change