مع استمرار التصعيد العسكري على الحدود اللبنانية والتوغل الإسرائيلي في الأراضي الجنوبية، اختار أبناء القرى الحدودية من المسيحيين والسنّة الصمود في بلداتهم المحاصرة بين نيران الجيش الإسرائيلي من جهة، وصواريخ "حزب الله" من جهة ثانية. ورغم إنذارات الجيش الإسرائيلي المتكررة إلى سكان منطقة جنوب نهر الليطاني التي تمتد على طول 30 كيلومترا من الحدود مع إسرائيل، بإخلاء منازلهم، فإنّ أبناء هذه البلدات يصرّون على البقاء للحفاظ على وجودهم وأراضيهم وأرزاقهم... "هذه الحرب ليست حربنا، وإخلاء بلداتنا سيعرضها للتدمير والاحتلال، نحن بلدات مسالمة وما يهمنا الحفاظ على أراضينا"، هكذا قال رئيس بلدية بلدة رميش الجنوبية حنا العميل لـ"المجلة".
وفق الأرقام الرسمية وصل عدد النازحين من مناطق جنوب لبنان والضاحية الجنوبية والبقاع نحو مليون و200 ألف نازح، وحتى اليوم لا تزال أعداد النازحين في تزايد مع تصاعد حدّة الحرب التي دخلت شهرها الثاني قبل أيام... معاناة النزوح، والخوف من عدم العودة وفقدان الأرض والبيوت، مخاوف حقيقية يعيشها النازحون، وهذا ما يخشاه أبناء البلدات المسيحية في جنوب لبنان، فهناك نحو 13 بلدة مسيحية جنوب نهر الليطاني، تتوزع معظمها ضمن تجمعين، الأول في منطقة بنت جبيل (دبل، عين إبل، رميش، القوزح، وعلما الشعب المهجرّتين)، والثاني في قضاءي مرجعيون وحاصبيا (القليعة، جديدة مرجعيون، برج الملوك، دير ميماس، كوكبا، راشيا الفخار).
على مرّ الحروب التي عاشها جنوب لبنان وصولاً إلى حرب يوليو/تموز 2006 بين "حزب الله" وإسرائيل، و"جبهة إسناد غزة" في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مرورا بحرب سبتمبر/أيلول 2024، ورغم قسوتها لم تفرغ القرى المسيحية يوما من سكانها، حتى إنّ أبناء هذه القرى استطاعوا تحييد بلداتهم من التدمير الذي طال معظم بلدات الجنوب ذات الغالبية الشيعية، أمّا في هذه الحرب، ورغم الأحداث التي شهدتها بلدتا القليعة وعلما الشعب، التي قتل على أثرها كاهن بلدة القليعة بيار الراعي ومواطنان اثنان، وكان قائد الجيش قد زار المنطقة لتقديم واجب العزاء في الكاهن برسالة دعم وطمأنة للأهالي الصامدين، يحاول المسيحيون الاستمرار في انتهاج السياسة نفسها، الصمود والبقاء والتعلق بالشرعية اللبنانية وعدم الانخراط في أي عمل عسكري أو السماح بوجود مسلح داخلها.


