احتياطي مصرف لبنان يتآكل... هل تقترب الليرة من انهيار جديد؟

الحرب بين إسرائيل و"حزب الله" تستنزف الدولار وتربك التوازن المالي والنقدي الهش

احتياطي مصرف لبنان يتآكل... هل تقترب الليرة من انهيار جديد؟

عاد حديث استنزاف احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية الى واجهة تحذيرات الخبراء والمتابعين للشأنين الاقتصادي والنقدي في لبنان، فالحرب الإسرائيلية المتجددة على "حزب الله"، التي دخلت شهرها الثالث، ستضع البنك المركزي في وضع حرج إذا استمرت لأشهر أضافية. من هنا تطرح تساؤلات حول قدرة المصرف ووزارة المالية على الاستمرار في تمويل التقديمات الاجتماعية وتطبيق التعاميم التي تقنن صرف بضع مئات من الدولارات شهريا لكل مودع تحتجز أمواله لدى المصارف منذ 6 سنوات، وتغطية رواتب القطاع العام بالدولار، والاستيراد من الخارج.

يستمر حاليا مصرف لبنان في تأمين التزاماته شهريا، ويسدد نحو 418 مليون دولار، تتوزع بين نحو 214 مليون دولار لنحو 350 ألف مودع، بموجب التعميمين 158 و166، ونحو 204 ملايين دولار شهريا يؤمنها المصرف لتغطية رواتب وأجور القطاع العام والمتقاعدين بالدولار الأميركي.

أما المشكلة التي بدأت ترسم ملامحها على المدى القريب، فتتجلى في تأمين الدولارات اللازمة لتعزيز الاحتياطي بالعملات الأجنبية، مع استمرار تراجع العرض على الدولار بنحو 50 في المئة.

ويشهد ميزان المدفوعات تراجعا واضحا، لجهة استقطاب الدولارات مع التراجع الكبير في تحويلات المغتربين، وتراجع الإيرادات السياحية أكثر من 75 في المئة، وتراجع فاتورة التصدير إلى مستوى الصفر لدى بعض القطاعات، لا سيما إلى دول الخليج، نتيجة الحرب في المنطقة.

يواصل مصرف لبنان حاليا إيفاء التزاماته الشهرية بنحو 418 مليون دولار، تشمل نحو 214 مليون دولار للمودعين عبر التعميمين 158 و166، و204 ملايين دولار لتغطية رواتب وأجور القطاع العام والمتقاعدين

توازيا، سجل قلق شعبي ولدى النقابات العمالية، من انهيار سريع للعملة الوطنية، ووصل الأمر إلى إشاعة أجواء ارتفاع سعر الدولار الواحد إلى خمسمئة ألف ليرة لبنانية.

تراجع إحتياطي العملات نحو 446 مليون دولار

​إلا أن ما نقل عن أجواء مصرف لبنان استبعد هذا السيناريو. وأحد الأسباب هو وجود صعوبات تقنية لتصعيد المضاربة على الليرة، أبرزها، أن الكتلة النقدية بالليرة في تراجع مستمر، وتبلغ حاليا نحو 68.5 تريليون ليرة (نحو 707 ملايين دولار)، مقارنة بـ80 تريليون ليرة (899 مليون دولار) سابقا. وهناك تنسيق بين وزارة المال ومصرف لبنان، لتحقيق توازن دقيق يدار تحت ضغط الحرب والتحديات الاقتصادية، ذلك ومعالجة شح الدولار وتآكل مصادره، عبر سياسات عدة.

أ.ف.ب.

وقد تراجع احتياطي مصرف لبنان، بين منتصف فبراير/شباط ومنتصف مارس/آذار 2026، نحو 446 مليون دولار. واستمر التراجع، إذ وصل الاحتياطي لديه نهاية مارس/آذار إلى نحو 11.5 مليار دولار. لكن في منتصف أبريل/نيسان 2026 بلغت احتياطات مصرف لبنان من العملات الاجنبية نحو 11.68  مليار دولار، محققة ارتفاعا طفيفا بقيمة 142 مليون دولار في أسبوعين.

إلا أن مصرف لبنان أوضح، في بيان له مطلع شهر مايو/أيار 2026، أن موجوداته سجلت ارتفاعا قدره 372 مليون دولار ما بين أبريل/نيسان 2025، وأبريل/نيسان 2026. وارتفعت من 11.06 مليار دولار إلى 11.43 مليار دولار. وقال إن تراجعا مؤقتا سجل في شهر فبراير/شباط، ومارس/آذار وأبريل/نيسان 2026 بقيمة 516 مليون دولار، أي 4.5 في المئة من قيمة الموجودات، ليس لخلل في السياسات النقدية، بل نتيجة عوامل جيوسياسية.

النزاعات المسلحة تبقى عاملا معرقلا لا يمكن النماذج الاقتصادية احتسابه بسهولة. إذ تؤدي إلى تراجع الاستثمارات، وتسارع خروج الرساميل، وتقليص أثر أي إصلاحات، مهما بلغت جودتها

حاكم مصرف لبنان الدكتور كريم سعيد

وفيما تخوفت الأوساط المالية والشعبية من اهتزاز قيمة العملة الوطنية في ضوء ما تواجهه خزينة مصرف لبنان، وعد وزير المال ياسين جابر في الأول من مايو/أيار 2026، وبعد مشاركته في اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين في واشنطن في أبريل/نيسان الماضي، بأنه لن يسمح بتكرار المضاربة على الليرة، وارتفاع سعر الدولار. كما وعد ببذل كل الجهود لضمان بقاء الوضعين المالي والنقدي تحت السيطرة. وقال: "لدى مصرف لبنان احتياطي كاف يبلغ نحو 12 مليار دولار، اضافة إلى أن احتياطي الذهب يقدر بنحو 45 مليار دولار، مما يجعل الوضع مريحا".

أ.ف.ب.

وحذر حاكم مصرف لبنان الدكتور كريم سعيد، في مقال له في صحيفة "فايننشال تايمز"، من أن "النزاعات المسلحة تبقى عاملا معرقلا لا يمكن النماذج الاقتصادية احتسابه بسهولة. إذ تؤدي إلى تراجع الاستثمارات، وتسارع خروج الرساميل، وتقليص أثر أي إصلاحات، مهما بلغت جودتها". وأوضح أن "أولويات المصرف المركزي تتمثل في الحفاظ على استقرار العملة، وضمان الحد الأدنى من وظائف الدولة، وتأمين سداد تدريجي للمودعين". ولفت إلى أن "لبنان بلغ مرحلة لم يعد فيها ممكنا تجاهل هذه القيود أو تأجيل معالجتها"، مشيرا إلى أن أمام المجتمع الدولي خيارات واضحة: دعم المسار الإصلاحي الجاد الآن، أو تأجيل المساندة، والمخاطرة بانزلاق البلاد إلى واقع أكثر هشاشة.

تراجع إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين

وتشير المعطيات إلى امتلاك مصرف لبنان سيولة جاهزة للاستخدام الفوري بنحو مليار دولار، ويمكنها أن تغطي كامل حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية التي يقدر حجمها بنحو 70 تريليون ليرة، أي نحو 782 مليون دولار. وقد أدى شح العملة اللبنانية في السوق إلى رفع فائدة الإنتربنك بين المصارف على الليرة لتسجل ارتفاعا قياسيا، حيث طال عتبة الـ120 في المئة.

أوضح أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت، باسم بواب، لـ"المجلة"، "إن هناك عوامل عديدة أثرت سلبا على الاحتياطي في مصرف لبنان، مع الإشارة إلى أن القسم الأكبر من هذا الاحتياطي هو للمصارف. أي أنه من أصل 12 مليار دولار الاحتياطي، هناك 8 مليارات دولار للمصارف، أي أنها أموال المودعين. أما الـ4 مليارات الأخرى فهي لمصرف لبنان وللدولة. وفي القانون ما من شيء اسمه احتياطي إلزامي بالدولار. لكن درجت العادة على ذلك، بسبب الاقتصاد اللبناني الذي تدولر". وأشار إلى "أن العوامل التي أدت إلى انخفاض الاحتياطي لدى المصرف المركزي هي أولا: تدني إيرادات القطاع السياحي الذي كان يوفر نحو 500 مليون دولار في الشهر، أي نحو 6 مليارات دولار في السنة. ثانيا، تدني الأموال التي كان يحولها المغتربون إلى لبنان، والتي كانت تسجل ما بين 650 إلى 700 مليون دولار شهريا. وثالثا، تراجع الصادرات من لبنان، الذي كان يوفر نحو 300 مليون دولار في الشهر، أي في حدود 4 مليارات دولار في السنة".

يعود تراجع الاحتياطي إلى ثلاثة عوامل رئيسة: انهيار إيرادات السياحة، انخفاض تحويلات المغتربين، وتراجع الصادرات التي كانت تشكل مصدرا أساسا للدولار

الدكتور باسم بواب، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت

وأضاف بواب: "إذا جمعنا كل هذه العائدات نحصل على نحو 20 مليار دولار في السنة. أما حاليا، فلا يوجد تحويلات من المغتربين، ولا سياحة، ولا تصدير بالنسبة نفسها التي كانت في السابق. لذا اضطر مصرف لبنان إلى دفع فاتورة الاستيراد المتزايدة في كل شيء. فاشترى دولارات لتحويلها إلى مصادر الاستيراد. وبلغت فاتورة الاستيراد نحو 21 مليار دولار سنويا في آخر ثلاث أو أربع سنوات. وهي كانت 8 مليارات في عام 2008. وقد ازدادت تكلفة الاستيراد، وقيمته المالية باتت أعلى، في مقابل انخفاض حجم المستوردات، وهذا يعود منذ عام 2019 إلى التضخم العالمي، وجائحة "كوفيد-19"، وزاد تفاقم الوضع الآن الحرب الاسرائيلية التي أثرت على مجمل الاقتصاد اللبناني".

الحرب والاقتصاد غير الشرعي يستنزفان الدولة

وقال "إن الدولة ومصرف لبنان أنفقا على الإغاثة لـ1.2 مليون نازح، بسبب ضعف المساعدات من الخارج، التي لم تبلغ سوى 10 في المئة من إجمالي قيمة المساعدات، الأمر الذي أدى إلى تكلفة عالية على خزينة مصرف لبنان، فتناقصت موجوداته".

أ.ف.ب.
مركبة إسرائيلية تعبر وسط قرية مدمرة عقب الغارات الإسرائلية المستمرة على جنوب لبنان، 7 مايو 2026

ولفت إلى "أن احتياطي الذهب وصلت قيمته التقريبية إلى 50 مليار دولار، على أساس 170 ألف دولار للكيلوغرام، ولبنان لديه 286 طنا من الذهب. الآن تدنت قيمة الاحتياطي من الذهب، لأن سعر الأونصة تراجع في ظل حرب إيران بعدما كان وصل إلى 5,000 دولار للأونصة. لكن حاليا بات مجموع الاحتياطي لمصرف لبنان من الذهب والعملات الأجنبية نحو 55 مليارا، لأن الذهب باتت قيمته 44 مليارا، والاحتياطي بالعملات الأجنبية 11.6 مليارا مع الحرب الراهنة".

 ورأى بواب أن حجم الاقتصاد في الظروف الطبيعية هو في حدود 45 مليار دولار، على أساس نحو 120 مليون دولار يوميا. أما حجم الاقتصاد غير الشرعي، الذي لا يمر عبر مصرف لبنان، فتبلغ قيمته نحو 15 مليار دولار سنويا. مما يعني أنه إذا تم جمع الرقمين يصبح هناك 60 مليار دولار كحجم اقتصادي شرعي وغير شرعي". ولكنه قدر الخسائر المباشرة وغير المباشرة بسبب الحرب بنحو 100 مليون دولار يوميا.

مع تراجع تحويلات المغتربين اللبنانيين من دول الخليج، وتسارع خروج رؤوس الأموال نحو دول آمنة ومستقرة، وارتفاع طلبات الإغاثة الطارئة بسبب الحرب، يرتفع الطلب المحلي على العملات الأجنبية

وقال أن الأوضاع الاقتصادية والمالية لم تعد تحتمل من دون دعم ومساعدات. وأشار إلى "أن سعر الصرف للعملة اللبنانية لن يتأثر في الوقت الراهن، لكن إذا استمرت الحرب فسيكون هناك تأثر أكيد".

الحرب تعمق الركود وتدفع نحو تضخم حاد

ورأى الخبير المالي نقولا شيخاني في حديث إلى "المجلة" أن "الناتج المحلي الاجمالي انكمش في عام 2024، بنسبة نحو 5 في المئة، مع خسائر مرتبطة بالحرب بلغت نحو 14 مليار دولار، وفقدان  150 ألف وظيفة. كما انخفض نشاط القطاع الخاص بنسبة 20 في المئة، واستقر العجز في السيولة عند مستوى يتراوح بين 5 و7 مليارات دولار. وقد أدى تصاعد الحرب في عام 2026 وعجز الدولة إلى تفاقم الأوضاع بشكل حاد، مع تأثيرات سلبية إضافية طالت الناتج المحلي الإجمالي للبنان، والسيولة، والقدرة الشرائية، واحتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، بالإضافة إلى موازنة الدولة".

أ.ب.
عائلة نازحة من جنوب لبنان بعد تدمير منزلها على إثر الاستهداف الإسرائيلي، بيروت 2 مارس 2026

وأضاف شيخاني "أن مزيجا من الزيادات الضريبية الداخلية الأخيرة بنسبة 15 في المئة والصدمات الخارجية في قطاع الطاقة لا سيما في ظل سيناريو ضاغط لأسعار النفط يتجاوز 110 دولارات للبرميل، يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية للاستيراد. ونتيجة لذلك، يتوقع أن يرتفع التضخم إلى نحو 35 في المئة، مما يفاقم تآكل القدرة الشرائية ويؤدي إلى تعميق الفقر يوميا لدى السكان في لبنان".

وشرح أنه "في مقابل تراجع تحويلات المغتربين من دول الخليج إلى ما بين 5 و8 مليارات دولار سنويا، وتسارع خروج رؤوس الأموال نحو الدول الآمنة، يرتفع الطلب المحلي على العملات الأجنبية بشكل هيكلي، مدفوعا بطلبات "طارئة" مرتبطة بالحرب. وهي تشمل المحروقات والغذاء والإمدادات الطبية، إضافة إلى تزايد الاحتياجات التمويلية الإنسانية المرتبطة بالنزوح الواسع".

وتوقع أن "يؤدي هذا المزيج من انهيار التدفقات وارتفاع الطلب الداخلي إلى انكماش حاد في السيولة، يتجلى في تراجع كبير في الدولار النقدي المتداول، مما يؤدي إلى فجوة تمويلية في العملات الأجنبية تقدر بنحو 5 مليارات دولار، مع تدهور مواز في ميزان المدفوعات". وكذلك أن "تنخفض إيرادات الدولة بنسبة 50 في المئة، مما يؤدي إلى عجز فوري في الموازنة اعتبارا من الربع الثاني من عام 2026. وبناء عليه، يرتقب أن تتدهور سيولة مصرف لبنان، مما قد يفقده القدرة على استقرار الأسواق، واستنزاف متسارع للاحتياطيات القابلة للاستخدام من العملات الأجنبية التي انخفضت بالفعل بنحو 5 في المئة منذ بداية السنة، مما يحد بشكل كبير من قدرة المصرف المركزي على احتواء تضخم مزدوج الرقم، واستقرار الأسواق، ودعم سعر صرف العملة المحلية".

font change