مصطفى رجوان لـ"المجلة": أعظم خدمة للنص هي تأويلهhttps://www.majalla.com/node/331223/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%B1%D8%AC%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A3%D8%B9%D8%B8%D9%85-%D8%AE%D8%AF%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%86%D8%B5-%D9%87%D9%8A-%D8%AA%D8%A3%D9%88%D9%8A%D9%84%D9%87
يركز الباحث المغربي د.مصطفى رجوان في مشروعه النقدي على تأسيس "السرديات البلاغية" من خلال وصل الحجاج بالتخييل وتحليل الخطاب، أصدر نحو عشرة كتب نقدية في البلاغة والسرد والشعرية، من بينها "السرديات البيئية" و"البلاغة الموسعة - محاورات مع منجز محمد مشبال البلاغي" و"السرديات البلاغية، التأسيس الأرسطي لبلاغة السرد" و"الكائن البلاغي - اللغة والعقل والاستطاعة في كتاب التبيان والتبيين" و"حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية". الكتاب الذي أهله الحصول على جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فرع المؤلف الشاب، في الدورة العشرين لعام 2026، وقبلها حصل على جوائز عدة، منها جائزة البابطين للإبداع الشعري في فرع أفضل كتاب في نقد الشعر، وجوائز في الدراسات اللغوية ونقد الشعر وأدب الطفل. هنا حوار "المجلة" معه.
كيف تناولت البلاغة كوسيلة فاعلة في قراءة السرد الحديث من خلال كتابك "حبكات وشخصيات: المقاربة البلاغية الحجاجية للرواية العربية"؟
عندما نتحدث عن بلاغة السرد، هذا يعني أن البحث لا ينصرف إلى مقولات البلاغة العربية القديمة أو الأرسطية، مثل الإيجاز والاستعارة والحجاج والتقابل. يمكن أن نستحضر هذه المكونات إذا ما فرضها النص السردي قيد الدراسة.
تتناول المقاربة البلاغية المكونات السردية المعروفة في السرديات الكلاسيكية، مثل البداية والشخصية ووجهة النظر والرؤيا السردية والسارد، لكن من منظورها الخاص.
عدت إلى أفكار حازم القرطاجني في خصوص استغلال الحجاج في قراءة الشعر العربي متأثرا بخطابة أرسطو
وبينما كانت المقاربات الكلاسيكية تركز على عنصر واحد: النص أو المؤلف أو القارئ أو السياق، فالمقاربة البلاغية معنية بجميع هذه العناصر في ضوء التفاعل بينها، أي إنها معنية بدراسة اختيارات المؤلف للتأثير في قارئه الضمني، في سياق معين لغرض معين. فالنص السردي مصمم بالطريقة المتحققة خصيصا للتأثير في قراء في ذهن المؤلف، والمؤلفون يختارون العناصر النصية لخلق استجابات لدى قرائهم: بأن ينخرطوا في العالم التخييلي وبأن يتفاعلوا معه عاطفيا وأخلاقيا وفكريا. كما ترى المقاربة البلاغية أن السرد يتقدم عبر النص (ديناميات نصية)، وفي الموازاة معها يتقدم عبر استجابات القارئ (ديناميات قرائية) باعتباره محركا للسرد.
غلاف "السرديات البيئية"
بلاغة السرد
ما النظريات والأسس التي اعتمدت عليها، عند إجراء حوار ما بين التراث البلاغي العربي والمنجز الغربي في الكتاب ذاته؟
لبلاغة السرد جذور عريقة في النظرية البلاغية، بل إن النقد العالمي بدأ بلاغيا مفكرا في السرد. ابتدأ النقاش مع أفلاطون في كتاب "الجمهورية" ومحاورة "أيون". وانبثق هذا النقاش عن كتاب "فن الشعر" لأرسطو، وهو كتاب معني ببلاغة السرد عكس ما هو شائع عند العموم. وقد استعاد الأرسطيون الجدد شعرية أرسطو ودمجوها مع الخطابة، فكتب واين بوث كتابه المهم "بلاغة التخييل" في ستينات القرن الماضي، ثم جسر المقاربة البلاغية للسرد سيمور شاتمان عبر نقاشات مهمة، لتأتي مرحلة الاكتمال مع جيمس فيلان وبيتر رابينوفيتش.
الحجاج جزء من المقاربة البلاغية للسرد. وقد عدت إلى أفكار حازم القرطاجني في خصوص استغلال الحجاج في قراءة الشعر العربي متأثرا بخطابة أرسطو. والقاسم بين جميع هؤلاء أنهم عادوا إلى أرسطو وطوروا رؤيتهم النقدية لقراءة أجناس العصر بعدة جديدة.
كنت قد ذكرت بأن كتابك الفائز يعتبر جزءا من مشروع بحثي كبير لأعمال تكمل بعضها، وستصدر قريبا كتابا جديدا بالمشروع نفسه، فما طبيعته، وما طموحك من كل هذا المشروع؟
البلاغة والنقد جزء من مشروع كبير هو التأويل. لا أستطيع تخيل قراءة عظيمة غير تأويلية. ولا أستطيع تخيل كتابة لا تنتظم في صيغة مشروع يسكنه قلق السؤال. تارة أشحذ الأدوات النظرية وتارة أقرأ النصوص. خلقت الأدوات لخدمة النصوص، وأعظم خدمة للنص هي تأويله، أي بعث الحياة فيه كل مرة. أي نصوص؟ جميعها. القديمة والجديدة. الشعر والنثر وجميع أنواع السرد والقرآن الكريم وجميع إنتاجات الثقافة.
غلاف "الكائن البلاغي – اللغة والعقل والاستطاعة في كتاب التبيان والتبيين"
لا للمقارنة
من خلال رصدك للمنتج الأدبي. هل ترى أن هناك تراجعا في البلاغة العربية عن ما كان سائدا في عصور مضت؟
المقارنة فخ كبير، وظلم للبلاغة الجديدة، فالعربي يحن بطبعه إلى الماضي التليد في ما يتعلق بجميع المجالات. أدت البلاغة العربية القديمة أدوارها بما يتلاءم مع أسئلة عصرها ومزاجه وأجناسه الأدبية والخطابية. أما البلاغة العربية اليوم فهي تبلي بلاء كبيرا. والبلاغة العربية الجديدة تستعيد البلاغة القديمة وتعيد إحياءها وكشف طاقاتها الخفية. لذلك ففضل بعضهما على بعض عظيم جدا.
لماذا اخترت تناول تجربة الفيلسوف والشاعر الفرنسي جان كوهين وتقديمها في كتابك "الشعرية وانسجام الخطاب: لسانيات النص وشعرية جان كوهين"؟
كنت أقرأ عن لسانيات النص، ومفهومي الاتساق والانسجام في تلك الفترة، وقرأت الأصول اللسانية التي تطبق على نصوص بسيطة من المعيش اليومي، لكنني كنت أتألم عندما أرى دراسات تطبق آليات لسانيات النص على النص الشعري بشكل متعسف لا يروم سوى تطبيق الأداة لمجرد التطبيق. مبدئي الأساس هو أننا نطور الأداة لخدمة النصوص والخطابات لا لتقطيع أوصالها والتعسف عليها، وأن أدوات جديدة لا تكشف عن إمكانات جديدة للشعر وعن طاقاته الجمالية المتجددة. كتب لسانيات النص لا تكفي، لا بد من رؤية نقدية عميقة تراعي طبيعة النص الشعري، وهذا ما وجدته في أهم مرجع في الشعرية الغربية المعاصرة.
غلاف "الشعرية وانسجام الخطاب لسانيات النص وشعرية جان كوهين"
لماذا النقد؟
ما الذي جذبك إلى مجالات النقد والبحث، وما أبرز القضايا التي أوليتها اهتمامك في هذا المجال؟
أنا قارئ أولا، منذ سن مبكرة، للشعر والسرد وكتب التراث العربي، وأشارك قراء مفترضين ما أقرأه بصوت مسموع وبصراحة. وكما قال القدماء: "من لا يحسن الاستماع لا يحسن القول". أحب قراءة النصوص، وفي الوقت نفسه أشحذ أدواتي النظرية وأوسع رؤيتي بالفلسفة والنظريات والمناهج والمقاربات والقراءة في جميع المجالات.
لماذا يوجد في المغرب عدد كبير من النقاد، ربما يفوق أي دولة عربية أخرى؟
بدأت حركة النقد المغربي بقوة في ثمانينات القرن الماضي، بفضل احتكاك النقاد المغاربة المباشر مع النظرية النقدية الغربية في فرنسا، خاصة البنيوية، فتشربوها مع مزيج من الفلسفة وثقافة الانفتاح، ومع رصانة في الترجمة وجرأة في التطوير وقوة في الاستلهام، وعدم تعلق بالمرحلة السابقة التي بقيت سياقات عربية أسيرة لها.
البلاغة العربية الجديدة تستعيد البلاغة القديمة وتعيد إحياءها وكشف طاقاتها الخفية
في المغرب أيضا مفكرون ومشتغلون بالفلسفة. والنقد، في نهاية المطاف، ضرب من الفكر والفلسفة. ومن هؤلاء النقاد انتقل التأثير إلى الطلبة الذين احتكوا بهؤلاء، وهم أساتذة الجامعة المغربية، فنشأ مناخ يصيب منخرطيه بعدوى النقد والتفكير. وأنا مدين للناقد الدكتور محمد آيت العميم بإضاءة هذا السؤال، فقد سبق أن أجاب عنه في مناسبة ضاعت من ذاكرتي.