النخب الإيرانية لا يوجد اتفاق بينها حول الخطوات التالية

إذا أرادت الولايات المتحدة أن يصمد وقف إطلاق النار فعليها أن تأخذ سياسات طهران على محمل الجد

(رويترز)
(رويترز)
لافتة تحمل صور روح الله الخميني وعلي خامنئي ومجتبى خامنئي خلال مراسم إحياء ذكرى وفاة الخميني في طهران، 4 يونيو 2026

النخب الإيرانية لا يوجد اتفاق بينها حول الخطوات التالية

انتهى الأمر، أو بالأحرى بدأ. بعد وقف إطلاق النار في أبريل/نيسان، ونحو 70 يوما من المحادثات غير المباشرة التي توسطت فيها باكستان وقطر، وقّعت إيران والولايات المتحدة مذكرة تفاهم تنهي حربهما.

عقد الجانبان هذا الشهر، في سويسرا، جولتهما الأولى من المحادثات بموجب مذكرة التفاهم، وخرجا بخريطة طريق للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوما، وبمجموعات عمل معنية بتخصيب اليورانيوم والعقوبات والتنفيذ، إلى جانب قنوات جديدة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا ووقف إطلاق النار في لبنان قائما. أما أصعب الأسئلة، وهي مصير برنامج التخصيب الإيراني، وحجم تخفيف العقوبات، وطبيعة أي تسوية، فأرجئت إلى تلك المهلة، مع إصرار طهران على أن التنفيذ يجب أن يسبق غيره. رفع الحصار وأعيد فتح هرمز، وفي الأيام التي تلت إعلان الخبر، ارتفع الريال الإيراني بأكثر من 15 في المئة أمام الدولار.

بالنسبة إلى خصوم إيران وكثير من المعلقين، تؤكد الطريقة التي خرج بها الاتفاق إلى العلن حكما طرح مؤخرا، بما في ذلك على هذه الصفحات، مفاده أن الحرب أنتجت نظاما إيرانيا أكثر توحدا من أي وقت قريب في الذاكرة. وتحدثت تعليقات إيرانية من مختلف أطياف المشهد السياسي عن اصطفاف حقيقي داخل الصفوف أيضا. ففي أبريل، تحدث النائب السابق منصور آرامي عن تلاق نادر بين المجالات السياسية والعسكرية والاجتماعية، تعمل جميعها ضمن إطار النظام.

تدعم هذه الحجة معطيات عدة. فقد اصطف النظام بأكمله، بصورة أو بأخرى، خلف الاتفاق. وتقول وزارة الخارجية إن كل أجهزة الدولة تحركت "بصوت واحد". وتصر الصحف المتشددة على أن المحادثات جرت تحت الإشراف الشخصي للزعيم الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي. وذهب إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" النخبوي الإيراني، إلى حد وصف مفاوضي البلاد وجنودها، على السواء، بأنهم رجال من معدن واحد هو "المقاومة المسلحة".

يحمل الدبلوماسيون الإيرانيون، بوضوح، تفويضا من قمة النظام. وينبغي قول ذلك صراحة، لأنه يبدد افتراضا شائعا في العواصم الغربية مفاده أن فريق التفاوض جناح مدني مكشوف يستطيع متشددو النظام التنصل منه متى شاءوا. ليس الأمر كذلك. لكن الإجماع الظاهر هو إجماع على وقف حرب لا يستطيع أحد كسبها، وبشروط تستطيع طهران عرضها بوصفها نصرا. ولا يقول ذلك شيئا تقريبا عن السؤال الذي أعادت الحرب فتحه بدلا من أن تحسمه: كيف ينبغي لإيران أن تتموضع إزاء العالم الخارجي؟ في هذه المسألة، ليست الجمهورية الإسلامية موحدة على الإطلاق.

(أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصافح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بحضور قائد الجيش الباكستاني عاصم منير قبيل اجتماع رباعي في سويسرا، 21 يونيو 2026

في أواخر مايو/أيار، شنت جبهة بايداري والشبكة المحيطة بسعيد جليلي، المفاوض النووي السابق المتشدد الذي خسر جولة الإعادة في انتخابات الرئاسة عام 2024 أمام مسعود بيزشكيان، جهدا منسقا لتجريد محمد باقر قاليباف من رئاسة البرلمان. وضغطوا بقوة من أجل تصويت علني في الجلسة العامة، فيما وصفه أحد التقارير بأنه ابتزاز سياسي على مدار الساعة. كان التوقيت جوهر المسألة: فقد تزامن التحدي مع أدق مراحل الدبلوماسية، وقدمت التقارير الأمر صراحة بوصفه محاولة لإضعاف مسار التفاوض عبر إزاحة أحد مرتكزاته المؤسسية. لكن قاليباف نجا، وحافظ على رئاسة البرلمان للعام السابع، وهو دليل، كما قال التقرير نفسه، على أن المتشددين ما زالوا صاخبين ومؤثرين أحيانا، لكنهم مع ذلك أقلية صاخبة ومحدودة العدد داخل الجسم السياسي للنظام.

لم يأت الضغط المتشدد من "الحرس الثوري" بوصفه مؤسسة، بل كتلة سياسية دينية، أحد أهدافه قاليباف وبيزشكيان

لم يكن قاليباف الهدف الوحيد للمتشددين. فبحلول مطلع يونيو/حزيران، كان معلقون إصلاحيون يصورون الدعوات المستمرة إلى استقالة بيزشكيان بوصفها استراتيجية استنزاف متعمدة: حملات إعلامية، وعرقلة برلمانية، وشائعات استقالة متكررة، وكلها تهدف إلى استنزاف رصيد حكومة تميل نسبيا إلى البرغماتية، تحديدا لأن اهتمامها بالدبلوماسية والتطبيع الاقتصادي يهدد فصائل تستند شرعيتها إلى المواجهة الدائمة.

في مايو/أيار، نشر نائب برلماني متشدد آية قرآنية عن ابن نوح غير الصالح، تحت عنوان "من المؤهل للقيادة؟"، وهو ما قرأه منتقدون بوصفه إشارة غير مباشرة إلى التشكيك في شرعية الزعيم الأعلى الجديد. وجاء الهجوم من داخل البيت: لا من إصلاحي ولا من منفي، بل من متشدد داخل النظام يشكك في عملية الخلافة نفسها التي يفترض به أن يدافع عنها.

ليست هذه إشارات نظام يتحدث بصوت واحد. وبالفعل، حذر المحلل أحمد زيدآبادي في منتصف يونيو/حزيران من أن مجموعة صغيرة من المتشددين العقائديين بدت مستعدة لافتعال عدم الاستقرار، واضعة مصالحها فوق مصلحة الدولة.

(أ.ف.ب)
الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يحمل مذكرة التفاهم الموقعة لإنهاء حرب الشرق الأوسط، 18 يونيو 2026

وزعم تحليل واسع التداول نشره موقع "فرارو" في مطلع يونيو/حزيران أن كثيرا من الإيرانيين الذين يمقتون النظام الإسلامي الحاكم رفضوا، مع ذلك، الضغط العسكري الأجنبي، بل عاشوا الحرب من منظور قومي لا من منظور أيديولوجي مناهض للنظام. غير أن التحليل نفسه تضمن تحذيرا مفاده أن التماسك كان نتاج ظروف الحرب، وأنه مع تراجع الخطر العسكري الأميركي والإسرائيلي المباشر، يرجح أن تعود الخلافات الكامنة بين المواطنين والدولة إلى الواجهة.

وفي الواقع، إذا نزعنا مفردات الحرب، فإن الانقسام هو نفسه الذي لازم الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979: بين من يعدون أي تسوية دائمة مع الولايات المتحدة فخا أو هزيمة، ومن يتعاملون مع شكل من أشكال التعايش مع الغرب بوصفه مصلحة وطنية.

نشر نائب برلماني متشدد آية قرآنية عن ابن نوح غير الصالح، قُرأت تشكيكا في "المرشد الأعلى" الجديد

لدى المعسكر الذي يطلق عليه أنصاره اسم المقاومة أو الصمود حجته المتماسكة وأصواته المؤثرة. تقول "كيهان"، وهي صحيفة متشددة، إن ضبط النفس الذي أبدته إيران سابقا تجاه الغرب لم يحقق شيئا، وإن الاستنزاف يصب الآن في مصلحة طهران. وأصر رئيس تحرير "تسنيم"، وهي وسيلة إعلامية متشددة أخرى، على أن عدم التوصل إلى اتفاق مع واشنطن أفضل من اتفاق سيئ، وأن الدرس المركزي من الاتفاق النووي لعام 2015 هو أن الأميركيين لا يمكن الوثوق بهم. وصور رجل دين كبير المحادثات، في خطبة حديثة، بوصفها مشروعا لإجبار إيران على الاستسلام. وعند الطرف الأقصى من هذا المعسكر، دعا محلل في "فرارو" إيران إلى السعي لامتلاك سلاح نووي، وتوقع تجدد الحرب بحلول الخريف. وخلف كثير من هذه التعليقات تقف القوة المؤسسية لكتلة "بايداري" المحيطة بجليلي.

ولا يقل معسكر الدبلوماسية حزما. فقد جادل بيزشكيان مرارا بأن الحرب تحمل، حتما، تكاليف اقتصادية فادحة، مقرا بأن التضخم والنقص والاضطرابات في صادرات النفط أمور لا مفر منها خلال الصراع. وتحدت رسالته، ضمنيا، أطرافا داخل الحكومة ممن يدعون إلى المواجهة بينما يتوقعون استقرارا اقتصاديا.

(أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في إسلام آباد قبيل محادثات السلام الأميركية الإيرانية، 11 أبريل 2026

وعمل وزير الخارجية عباس عراقجي على إرجاء أصعب المسائل النووية وتحويل الإكراه إلى نفوذ منضبط، بما في ذلك ترتيب محتمل بين إيران وسلطنة عمان بشأن مضيق هرمز. ويجسد قاليباف، وهو قيادي سابق في "الحرس الثوري"، التيار المحافظ البرغماتي الذي يريد إنهاء الحرب من دون تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. وتلتف حول هؤلاء شخصيات إصلاحية ووسطية مألوفة، ونزعة أكثر حدة من الواقعية: فقد هاجم المحلل كوروش أحمدي مباشرة الاعتقاد المطمئن بأن الوقت يعمل لمصلحة إيران، مشيرا إلى أن إطالة الضغط في هرمز ستلحق بالاقتصاد الإيراني المنهك ضررا أكبر مما يعترف به مؤيدو هذا الخيار.

بفعل الحرب زاد الانقسام تعقيدا بين الداعين للتهدئة والمتشددين في "الحرس الثوري" الإيراني

لسنوات، كان "الحرس الثوري" الإيراني الحاضنة المؤسسية الرئيسة لموقف الرفض. لكن الحرب دفعت المؤسسة الأمنية إلى مركز صنع القرار، مع تحول ميزان القوى نحو "الحرس" عقب مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي في فبراير/شباط. والآن، بعدما أصبحت مؤسسة "الحرس الثوري" والأمن تهيمن على عملية التفاوض بدلا من أن تقف خارجها بصفتها قوة تعطيل، لم يعد بوسعها ببساطة قيادة تمرد على المسار نفسه الذي تشرف عليه.

لم يأت الضغط المتشدد الموصوف أعلاه من "الحرس" بوصفه مؤسسة، بل جاء من كتلة سياسية دينية. وكان أحد أهدافه، قاليباف، قد صعد هو نفسه من داخل "الحرس الثوري". ويمر خط الصدع المهم اليوم داخل مؤسسات إيران، لا بينها على نحو مرتب. ولم يعد "الحرس الثوري" نفسه كتلة أيديولوجية واحدة.

لا تبدو نتائج تغلب أي معسكر في طهران مسألة نظرية، لأن إيران لا تزال تحتفظ بالقدرة على التصعيد في مجالات عدة في وقت واحد، وأظهرت استعدادا لاستخدامها.

ورقة الضغط الأكثر إلحاحا هي مضيق هرمز، الذي حولته طهران من ممر عبور محايد إلى أداة ضغط. ففي ذروة الصراع، حصّلت إيران رسوم عبور بالريال عبر بنكها المركزي، وبدأت بعض شركات التأمين تشترط على السفن اتباع مسارات توافق عليها إيران، وطرحت طهران فكرة نظام "وصول منضبط" يدار مع عمان، لا تحت مظلة أميركية.

وخلف الممر المائي تكمن بنية الطاقة التحتية في الخليج: فقد مست الحرب بالفعل راس لفان في قطر، وحقل بارس الجنوبي الإيراني، ومجمعا للبتروكيماويات في ماهشهر. وثبت أن ترسانة طهران أكثر صمودا مما روج له. فقد خلصت تقديرات استخباراتية في منتصف يونيو/حزيران إلى أن إيران أعادت بناء نحو ثلاثة أرباع قوتها الصاروخية قبل الحرب، ربما بمساعدة منظومات روسية وصلت حديثا، بعدما أطلقت نحو 1850 صاروخا خلال القتال. كما أن عقيدة آخذة في التشكل، صاغها صادق لاريجاني من "مجلس تشخيص مصلحة النظام"، تتعامل مع الهجمات على شركاء إيران المسلحين في المنطقة، مثل "حزب الله" في لبنان، بوصفها هجمات على إيران نفسها، بما يطمس الخط الفاصل بين حرب الوكلاء والحرب المباشرة من البحر المتوسط إلى باب المندب.

(أ.ف.ب)
علي لاريجاني وسعيد جليلي خلال مراسم المصادقة على انتخاب الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في طهران، 28 يوليو 2024

لا يظهر ذلك في مكان أوضح مما يظهر في دولة الإمارات، التي تكشف بأشد الصور كيف تعلمت طهران المناورة ضد جيرانها في الخليج، عبر تحويل الاعتماد الاقتصادي والأمني المتبادل إلى نقطة ضغط. فلم تكن حملة طهران الإعلامية الأخيرة ضد أبوظبي، ولا آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقتها إيران عليها خلال الحرب، خطوات عشوائية. إنها أداة يريد معسكر الصمود تصعيد استخدامها. وفي المرحلة المقبلة، راقبوا الضغط على الخليج، وستتمكنون من قراءة الجدل الداخلي في حينه، واتجاه السياسة الإقليمية الإيرانية.

اتفاق أميركي لا يمنح البرغماتيين شيئا ملموسا سيقتل من الداخل

في الوقت الراهن، يملك التيار البرغماتي أفضلية في هذا الجدل. فقد نجا قاليباف، ويعمل الزعيم الأعلى الجديد على بناء الغطاء الداخلي الذي يتطلبه اتفاق قابل للاستمرار، كما أفادت تقارير بأن واشنطن خففت مطالبها القصوى، بما في ذلك وقف التخصيب بالكامل ونقل اليورانيوم الإيراني إلى الخارج. والبنية التي تتشكل متواضعة عمدا: إطار من مرحلتين ينهي القتال ويعيد فتح هرمز الآن، مع دفع الملف النووي إلى جولة ثانية مدتها 60 يوما. وتدفع الضائقة الاقتصادية العميقة في إيران، من تقنين الوقود إلى ركود تضخمي يلوح في الأفق وضغوط على صادرات النفط الخام، بقوة في الاتجاه نفسه.

لكن أفضلية البرغماتيين مشروطة، ولا يزال المعطلون يحتفظون بما يحتاجون إليه لرفع كلفة التسوية: منصات إعلامية، ونفوذ برلماني، وبيروقراطية أمنية. ويكمن الخطر في أن يجعل المتشددون أي اتفاق باهظ الكلفة سياسيا في الداخل إلى حد يدفعه إلى التصدع قبل أن تظهر نتائجه. وكما حذر زيدآبادي، بات التهديد لهذا الاتفاق يعيش الآن داخل النظام الإيراني.

(رويترز)
منشأة في حقل جنوب فارس للغاز بمدينة عسلوية جنوب إيران، 19 نوفمبر 2015

إذا أرادت الولايات المتحدة أن يصمد وقف النار، فعليها أن تأخذ السياسة الداخلية في طهران على محمل الجد، وأن تمنح المعسكر المؤيد للاتفاق شيئا ملموسا يستطيع الإشارة إليه: ربما فوائد مرئية ومبكرة لا يستطيع المتشددون بسهولة رفضها بوصفها استسلاما. فالآلية التي تحدثت عنها تقارير لمنح إيران قدرة على الوصول إلى عشرات المليارات من الأصول المجمدة عبر قطر هي نوع الخطوة التي تترك أثرا. أما اتفاق لا يمنح البرغماتيين شيئا ملموسا، فسيقتل من الداخل، والبديل هو مسار التصعيد الموصوف أعلاه، مع تداعيات عالمية بدأ البنك الدولي إدخالها في حساباته. وفي المقابل، ينبغي لواشنطن أن تتوقع التنازلات المتبادلة التي تريدها فعلا: سقف للتخصيب، وتطبيع حركة الملاحة في هرمز، وضبط الصواريخ والوكلاء، على أن يرتب ذلك كله ضمن المرحلة الثانية.

لم تنه الحرب أقدم نقاش في السياسة الخارجية للنظام الإيراني، بل أعادت فتحه تحت النار وفي ظل زعيم أعلى جديد. وسيتقرر في طهران ما إذا كان النظام سينجح في إدارة مواجهاته، وأي اتفاق مع واشنطن سيصمد أو يسقط تبعا للإجابة عن ذلك.

font change

مقالات ذات صلة