الكشف عن حضارة قديمة تحت غابات الأمازون

مدن دون حجارة...

AFP
AFP

الكشف عن حضارة قديمة تحت غابات الأمازون

من الجو، لا يبدو جنوب غرب الأمازون مختلفا كثيرا عن بقية الغابة الاستوائية: غطاء كثيف من الأشجار يحجب سطح الأرض ويخفي ما تحته. لكن مسحا جويا باستخدام أشعة الليزر كشف مشهدا آخر من دوائر ومربعات ومضلعات ضخمة، إلى جانب خنادق وسواتر وطرق ومساحات مفتوحة، أنشأتها مجتمعات بشرية قبل مئات أو آلاف السنين.

وتشير دراسة نشرت في دورية "نيتشر" إلى أن هذه المنشآت قد تكون جزءا من منظومة حضرية واسعة ازدهرت في جنوب غرب الأمازون، في منطقة تقع أساسا داخل ولايتي أكري وأمازوناس البرازيليتين.

لا تقدم النتائج دليلا على وجود مدينة حجرية واحدة ضائعة تحت الأشجار، لكنها تشير إلى نموذج مختلف من العمران، يقوم على تجمعات سكانية متناثرة ومراكز احتفالية وسياسية كبيرة، مترابطة داخل مشهد يجمع بين الغابة والزراعة والطرق والمناطق السكنية.

مئات المواقع تحت الأشجار

استخدم الباحثون تقنية المسح الجوي بالليزر، المعروفة باسم "ليدار" لتغطية نحو 4497 كيلومترا مربعا خلال عام 2024، عبر مسارات طيران بلغ مجموعها أكثر من 4400 كيلومتر.

يعمل النظام من خلال إرسال أعداد هائلة من نبضات الليزر نحو سطح الأرض. وترتد معظم النبضات من قمم الأشجار والفروع، لكن بعضها يمر عبر الفجوات في الغطاء النباتي ويصل إلى التربة. وباستخدام توقيت عودة هذه النبضات، يستطيع الباحثون بناء نموذج دقيق للتضاريس، ثم إزالة الأشجار منه رقميا.

وأظهر المسح 432 منشأة ترابية، لم يكن معروفا منها من قبل سوى 36 منشأة، وهذا يعني أن 396 موقعا، أي أكثر من 90 في المئة من المنشآت المسجلة، كانت مجهولة حتى إجراء المسح، وفي إحدى المناطق التي كان الباحثون يعرفون فيها 30 منشأة من خلال صور الأقمار الصناعية، رفع "ليدار" العدد إلى 156 منشأة، أي أكثر من 5 أضعاف الرقم السابق.

وتكشف هذه المقارنة عن مشكلة أساس في المعرفة الأثرية الحالية بالأمازون، فغالبية المواقع المعروفة اكتشفت في أماكن أزيلت منها الغابات لإنشاء طرق أو مزارع أو مراع، بحيث أصبحت الأشكال الهندسية مرئية من الجو. أما المنشآت الموجودة تحت الغابات السليمة، فقد بقيت في معظمها بعيدة عن الرصد.

المنشآت كانت مراكز عامة واحتفالية وسياسية، تتجمع فيها الجماعات المحيطة لإقامة الطقوس والاجتماعات والأنشطة الاجتماعية وربما الرياضية والموسيقية

لا تتكون المواقع المكتشفة من قصور أو معابد حجرية، وإنما من تعديلات واسعة أجراها السكان القدماء على سطح الأرض، بحفر الخنادق ورفع السواتر وتشكيل ساحات هندسية منتظمة، وتتخذ المنشآت أشكالا دائرية أو مربعة أو مستطيلة أو متعددة الأضلاع، ويعرف كثير منها باسم "الجيوغليفات الأمازونية"، التي تعني الأشكال الهندسية الضخمة التي صنعها السكان القدماء على سطح الأرض في غابات الأمازون، وخصوصا في جنوب غرب البرازيل.

وتتراوح مساحة معظم المواقع بين 0.35 و14 هكتارا، بينما تقترب مساحة أكبر المنشآت المعروفة من 50 هكتارا. ويصل عرض بعض الخنادق إلى ما بين تسعة و13 مترا، وعمقها إلى نحو خمسة أمتار.

 

AFP

وفي بعض المناطق، لم يعثر الباحثون على شكل هندسي واحد منعزل، بل على مجموعات تضم ساحات وخنادق وسواتر مترابطة، قد يصل عدد منشآتها إلى ثمانية مواقع متجاورة.

وكان إنشاء هذه الأعمال يتطلب نقل كميات كبيرة من التربة وتنظيم أعداد كبيرة من العمال، ويرى الباحثون أن ذلك يعكس وجود مجتمعات قادرة على التخطيط وتقسيم المهام وحشد السكان لتنفيذ مشروعات تتجاوز الاحتياجات اليومية المباشرة.

ولا تشير الأدلة الحالية إلى أن معظم هذه المنشآت كانت حصونا عسكرية، أو مدنا مكتظة يعيش جميع سكانها بصورة دائمة داخل حدودها. ويرجح الباحثون أنها كانت مراكز عامة واحتفالية وسياسية، تتجمع فيها الجماعات المحيطة لإقامة الطقوس والاجتماعات والأنشطة الاجتماعية وربما الرياضية والموسيقية.

عمران داخل الغابة

تتحدى الدراسة الصورة التقليدية للمدينة القديمة، التي تقوم عادة على المباني المتلاصقة والشوارع والقصور والمعابد. ففي الأمازون، ربما اتخذ العمران صورة أقل كثافة وأكثر انتشارا، وقد تكون الجماعات السكانية عاشت في قرى ومساكن موزعة داخل الغابة، بينما استخدمت المنشآت الكبرى مراكز مشتركة للسياسة والاحتفال والتبادل الاجتماعي.

ويطلق علماء الآثار على هذا النمط أحيانا اسم "العمران المنخفض الكثافة" أو "العمران الغابي" حيث تتداخل مناطق السكن والزراعة والأشجار المدارة والممرات والمراكز العامة، من دون وجود فاصل واضح بين المدينة والريف والغابة.

وإذا كان هذا التفسير صحيحا، فإن غياب الأبنية الحجرية لا يعني غياب الحضارة أو التنظيم الاجتماعي المعقد. فقد تكون الغابة نفسها جزءا من البنية التي قامت عليها هذه المجتمعات، وليست مجرد مساحة طبيعية تحيط بها.

ويربط الباحثون كثيرا من المنشآت بثقافة أطلقوا عليها اسم "أكويري"، وتشير النماذج الزمنية إلى أن الجيوغليفات المرتبطة بها شيدت تقريبا بين عام 600 قبل الميلاد و850 ميلادية، مما يعني أن تقاليد البناء والتنظيم الاجتماعي استمرت لأكثر من ألف عام.

أظهر المسح أن المواقع لم تكن موزعة بالتساوي، فقد سجلت المنطقة المحيطة بمدينة ريو برانكو كثافة مرتفعة من المنشآت، في حين انخفض العدد في اتجاه مناطق أخرى

لم يقتصر الباحثون على عد المواقع التي كشفها "ليدار" بل استخدموا البيانات الجديدة إلى جانب صور الأقمار الصناعية وكثافة المنشآت في المناطق المختلفة، لتقدير عدد المواقع التي قد تبقى مخفية داخل المنطقة الثقافية المرتبطة بأكويري.

وتبلغ مساحة هذه المنطقة نحو 183 ألف كيلومتر مربع. وقدرت النماذج أنها ربما تضم ما بين 24 ألفا و30 ألف منشأة ترابية.

ولا يعني هذا أن العلماء عثروا فعليا على 30 ألف موقع. فالرقم استنتاج إحصائي قائم على عينات من المشهد الطبيعي، ثم تعميم كثافة المواقع التي ظهرت داخل المناطق الممسوحة على المساحات الواقعة بينها.

وأنتج أحد النماذج تقديرا يبلغ نحو 23,760 منشأة، بينما اقترب نموذج آخر من 29,500 منشأة.

كما أظهر المسح أن المواقع لم تكن موزعة بالتساوي، فقد سجلت المنطقة المحيطة بمدينة ريو برانكو كثافة مرتفعة من المنشآت، في حين انخفض العدد في اتجاه مناطق أخرى قرب لابريا، ولهذا قسم الباحثون المنطقة إلى قلب تبلغ مساحته نحو 85 ألف كيلومتر مربع، تتركز فيه المنشآت، وهامش أقل كثافة يمتد عبر نحو 98 ألف كيلومتر مربع.

يكتسب هذا التقدير أهمية إضافية لأن المنطقة التي تناولتها الدراسة تمثل أقل من 3٪ من مساحة الأمازون الكبرى، وإذا كانت مناطق أخرى تحتوي على كثافات مشابهة، فقد يكون عدد المواقع الأثرية في الحوض كله أعلى بكثير من التقديرات السابقة، لكن من السابق لأوانه تعميم النتائج. فقد تكون أكويري حالة استثنائية توافرت فيها ظروف بيئية واجتماعية مختلفة عن بقية الأمازون.

ثلاثة ملايين شخص

تربط الدراسة نحو ثلثي المنشآت المتوقعة بحضارة أكويري، بما يعادل نحو 16660 موقعا، بينما تعود منشآت أخرى إلى فترات تاريخية لاحقة، وتشير تواريخ المواقع إلى أن أكويري ربما بلغت ذروة نشاطها بين عامي 100 و300 ميلادية. وقدر الباحثون أن ما بين 25 و60 في المئة من منشآتها كان مستخدما خلال تلك الفترة.

ووفق هذه الحسابات، ربما كان هناك ما بين 4165 وعشرة آلاف مركز مستخدمة خلال فترة الذروة، وإن لم تكن جميعها متزامنة بالضرورة بالدرجة نفسها.

ولتحويل عدد المنشآت إلى تقدير سكاني، افترض الباحثون أن كل مركز كان مرتبطا بمجتمع يضم نحو 300 شخص، استنادا إلى حجم القوة العاملة اللازمة للبناء والصيانة، وإلى مقارنات مع قرى ومجتمعات أصلية أحدث في المنطقة.

وأنتجت هذه الحسابات تقديرا يتراوح بين 1.25 3 ملايين نسمة، مع حد أعلى نظري قد يصل إلى نحو 3.8 مليون شخص، إذا أضيفت المواقع التي لم يتمكن "ليدار" من رصدها.

لكن هذه الأرقام تظل من أكثر أجزاء الدراسة قابلية للنقاش، فالعلماء لم يكتشفوا مساكن تكفي لملايين البشر، ولم يجروا تعدادا مباشرا للسكان. والتقدير يعتمد على سلسلة من الافتراضات تبدأ بعدد المواقع غير المكتشفة، ثم نسبة المواقع التي كانت مستخدمة في الوقت نفسه، وتنتهي بعدد الأشخاص المرتبطين بكل منشأة.

يعيد احتمال وجود مئات الآلاف أو ملايين السكان طرح سؤال في شأن قدرة الأمازون على إعالتهم، إذ ارتبطت الغابة طويلا بصورة التربة الفقيرة التي لا تسمح بقيام تجمعات كبيرة بعيدا من الأنهار الرئيسة

وأي تغيير في أحد هذه الافتراضات يمكن أن يؤدي إلى خفض الرقم أو زيادته بصورة كبيرة، لكن الباحثين وجدوا مع ذلك، أن قرى ظهرت في المنطقة نفسها بعد القرن الثاني عشر ربما ضمت أعدادا قريبة من 300 شخص. كما يمكن تجمعات احتفالية لدى بعض جماعات السكان الأصليين، مثل شعب أبورينا، أن تجمع ما بين 200 و400 شخص.

ولا تثبت هذه المقارنات أن كل منشأة من منشآت أكويري خدمت 300 شخص، لكنها تشير إلى أن هذا الحجم من التجمعات كان ممكنا اجتماعيا في المنطقة.

يعيد احتمال وجود مئات الآلاف أو ملايين السكان طرح سؤال في شأن قدرة الأمازون على إعالتهم، إذ ارتبطت الغابة طويلا بصورة التربة الفقيرة التي لا تسمح بقيام تجمعات كبيرة بعيدا من الأنهار الرئيسة.

لكن الدراسة تشير إلى أن تربة منطقة أكويري من بين الأكثر غنى بالعناصر الغذائية في أجزاء واسعة من الأراضي الأمازونية المرتفعة، كما تكشف الدراسات الأثرية عن زراعة الذرة والقرع، إلى جانب احتمال زراعة الكسافا والبطاطا الحلوة والفلفل والفاصوليا والفول السوداني. واعتمد السكان أيضا على الصيد وصيد الأسماك وجمع النباتات.

AFP

وربما كان العامل الأكثر أهمية هو أن السكان لم يتعاملوا مع الغابة باعتبارها مصدرا طبيعيا ثابتا للغذاء، بل أداروا أجزاء منها بصورة نشطة.

وتظهر حول المواقع الأثرية أشجار ونباتات ذات قيمة غذائية مرتفعة، بينها الجوز البرازيلي وأنواع متعددة من النخيل. وقد يكون السكان القدماء زرعوا هذه الأنواع أو شجعوا انتشارها، وأنشأوا ما يشبه "حدائق الغابة" إلى جانب إدارة المياه والأراضي الزراعية واستخدام الحرائق بصورة مقصودة.

وتشير هذه الأدلة إلى أن الغابة الحالية قد تحمل آثارا مستمرة للقرارات البشرية القديمة. فكثافة بعض الأشجار، وخصوبة أجزاء من التربة، وانتشار نباتات نافعة قد لا تكون نتيجة عمليات طبيعية فقط، بل قد تكون إرثا لمجتمعات عاشت في المنطقة قبل قرون.

ولا يعني هذا أن الأمازون كانت مزرعة واحدة مترابطة أو أن كل أجزائها كانت مأهولة بكثافة. فقد وجدت الدراسة مناطق منخفضة الكثافة وممرات تخلو تقريبا من المنشآت، ربما كانت أراضي غير مأهولة أو مناطق فاصلة بين جماعات مختلفة.

لكن النتائج تضعف فكرة أن الغابة كانت مساحة طبيعية خالية تقريبا من التأثير البشري قبل وصول الأوروبيين. وتقدم بدلا منها صورة أكثر تعقيدا، تضم غابات كثيفة وحدائق وأراضي زراعية وقرى ومراكز احتفالية وطرقا ومناطق مفتوحة.

الليزر لا يجيب عن كل الأسئلة

يمثل "ليدار" أداة قوية للكشف عن شكل سطح الأرض، لكنه لا يستطيع بمفرده تحديد من أنشأ كل موقع، أو متى استخدم، أو الغرض الدقيق منه.

ولهذا يحتاج كل اكتشاف جديد إلى أعمال أثرية تقليدية، تشمل الحفر ودراسة الفخار والفحم وبقايا الطعام، وتأريخ المواد العضوية باستخدام الكربون المشع.

كما يتعين على الباحثين التمييز بين المنشآت التي تعود إلى فترات زمنية وثقافات مختلفة. فبعض المواقع المدرجة في التقدير العام شيد بعد عام 1000 ميلادية، كما أن الحدود الجغرافية الدقيقة لحضارة أكويري لا تزال غير مؤكدة في بعض الجهات.

لا تتمثل أهمية الاكتشاف في العثور على "مدينة مفقودة" واحدة، بل في احتمال أن يكون المشهد كله قد خضع للإدارة والتنظيم البشري بدرجة أكبر مما كان معروفا

وتظهر الدراسة أيضا أن "ليدار" نفسه ليس قادرا دائما على اختراق الغابة. ففي بعض المناطق كانت الأشجار كثيفة إلى درجة لم يصل معها عدد كاف من نبضات الليزر إلى سطح الأرض. ويعني ذلك أن المسح المتقدم قد يكون بدوره أقل من الواقع.

تترك الدراسة سؤالا أساسيا مفتوحا: هل تمثل أكويري حالة فريدة، أم أن المسوح المستقبلية ستكشف أن النمط نفسه كان منتشرا في مناطق أخرى من الأمازون؟

فالمنطقة التي فحصها الباحثون واسعة وفق مقاييس علم الآثار، لكنها محدودة مقارنة بحوض الأمازون الذي يمتد عبر ملايين الكيلومترات المربعة.

وإذا كشفت المسوح المستقبلية كثافات مماثلة، فلن تقتصر النتيجة على إضافة عشرات الآلاف من المواقع الجديدة إلى الخرائط، بل ستفرض إعادة النظر في حجم السكان والتنظيم الاجتماعي والتأثير البيئي البشري في الأمازون قبل الاستعمار الأوروبي.

وتكشف النتائج مفارقة لافتة، فالغابة التي أخفت المواقع عن العلماء ربما تكون هي نفسها التي حافظت عليها من التدمير. وما بدا طويلا من الجو مساحة خضراء بلا آثار واضحة بدأ يظهر، بعد إزالة الأشجار رقميا، باعتباره مشهدا مليئا بالطرق والخنادق والساحات الهندسية.

ولا تتمثل أهمية الاكتشاف في العثور على "مدينة مفقودة" واحدة، بل في احتمال أن يكون المشهد كله قد خضع للإدارة والتنظيم البشري بدرجة أكبر مما كان معروفا.

وفي ضوء هذه النتائج، تبدو الأمازون أقل شبها ببرية ظلت خارج التاريخ، وأكثر شبها بأرشيف واسع غطته الأشجار، لم يكشف "ليدار" حتى الآن سوى جزء محدود منه.

font change

مقالات ذات صلة