هل تُخرج "حرب إيران" الصين من الخليج؟

بكين تستخلص دروساً حول القواعد الأميركية في "سلسلة الجزر الأولى"

أ ف ب
أ ف ب
صورة جماعية في قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين، عقب القمة السادسة والأربعين لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في كوالالمبور بتاريخ 27 مايو 2025

هل تُخرج "حرب إيران" الصين من الخليج؟

مع انطلاق الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران أواخر فبراير/شباط 2026، برز إجماع واسع بين كثير من المراقبين والمحللين والخبراء، لا سيما في الغرب، حول طبيعة الحسابات الباردة للصين في التعامل مع الأزمة. لم يستند هذا التقدير فقط إلى المبادئ الراسخة في تقاليد السياسة الخارجية الصينية، وحرص بكين على تغليب التعاون الاقتصادي والشراكات البرغماتية من دون التزامات أيديولوجية أو سياسية أو أمنية، بل أيضاً إلى طريقة تعامل بكين مع طهران في حرب الـ12 يوماً، ومع التدخل الأميركي في فنزويلا.

جاء هذا الإجماع، على ما يبدو، في إطار محاولة أعمق لفهم طريقة تفكير بكين، على خلاف ميل كان سائداً لفترة طويلة يقوم على قراءة سلوك الصين وفق معايير أيديولوجية ومحاولة جرّها إلى الاصطفاف في كل أزمة دولية.

في هذا السياق، تحولت عبارات مثل "إيران تحتاج إلى الصين، لكن الصين لا تحتاج إلى إيران" إلى ما يشبه المفاهيم المفتاحية في تحليل الموقف الصيني. وانطلقت من هذه الفرضية استنتاجات واسعة بأن بكين ستتعامل مع الحرب الإيرانية، أو "حرب الخليج الثالثة" كما وصفها بعض المراقبين، عبر الدعم البلاغي لطهران، وربما تقديم دعم سياسي ودبلوماسي متحفظ في الحد الأقصى، من دون انخراط مباشر في الصراع.

الصين تعوّل كثيراً على علاقاتها مع دول الخليج العربية، وقد لعب العدوان الإيراني على تلك الدول دوراً في كبح أي تفكير لدى البعض في بكين لترك واشنطن تغرق في وحول المستنقع الإيراني

رغم أنه من شبه المؤكد أن الصين لن تقدم أي دعم عسكري لإيران، ولن تخرج عن مبدأ الحذر الاستراتيجي أو تنجر إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن حساباتها حيال الهجوم الواسع الذي شنه دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على "الجمهورية الإسلامية"، من دون تشاور أو تنسيق حتى مع الحلفاء الغربيين التقليديين، لم تكن منطلقة من قراءة بسيطة للمشهد، بل قامت على طبقات متعددة من التقدير. فمن جهة، لا تمانع بكين تشتيت الاهتمام الأميركي بعيداً عن منطقة الهندي-الهادئ، المسرح الرئيس للمنافسة الاستراتيجية بين القوتين، ولا ترى بالضرورة أن انخراط واشنطن في حرب أخرى معقدة وغير مضمونة النتائج في الشرق الأوسط أمراً سيئاً، لا سيما أن كثيراً من المحللين يرون أن الحرب على إيران، بعد ما جرى في فنزويلا، ليست سوى حلقة في استراتيجية أميركية أوسع تستهدف الدول التي شكّلت مصادر منفعة اقتصادية وسياسية للصين، في إطار سعي واشنطن لتحسين موقعها في المنافسة الجيوسياسية مع بكين.

رويترز
صوّت فو كونغ، المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة، ضد قرار فرض عقوبات بشأن الوضع في إيران والشرق الأوسط خلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في 12 مارس 2026

خندق واحد

لكن من جهة أخرى، فإن الصين تعوّل كثيراً على علاقاتها مع دول الخليج العربية، وقد لعب العدوان الإيراني على تلك الدول دوراً في كبح أي تفكير لدى البعض في بكين لترك واشنطن تغرق في وحول المستنقع الإيراني. ومن هذا المنطلق يمكن فهم الاستجابة الصينية الدبلوماسية المتدرجة، من الاكتفاء بإدانة العدوان الأميركي–الإسرائيلي في بداية الحرب، إلى "الإدانة المعيارية غير المباشرة"، عبر التنديد بأفعال إيران دون تسميتها مع اتضاح نطاق العدوان الإيراني على دول الخليج بوصفه الرد الإيراني الرئيس على الهجوم الأميركي-الإسرائيلي، وصولاً إلى الإعلان صراحة- في اليوم الثاني عشر من الحرب، مع اتساع نطاق الاعتداءات الإيرانية لتشمل المنشآت الحيوية والمدنية والاقتصادية الخليجية- أن الصين لا توافق على استهداف إيران لدول الخليج وهو ما ترجم عملياً بامتناع بكين عن التصويت لتمرير قرار خليجي في مجلس الأمن يدين بوضوح العدوان الإيراني. وبالسياق نفسه، تدرج خطاب الصين، من دعوة الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف هجومهما فوراً إلى دعوة كافة الأطراف لوقف الأعمال القتالية. وطوال هذا الوقت، كانت بكين تدعو إلى العودة للحوار والمفاوضات، وقد عرضت وساطتها بين إيران ودول الخليج، في وقت مبكر من الحرب، لا سيما بصفتها الضامن لاتفاق المصالحة السعودية-الإيرانية.

الصين ودول الخليج عملياً في خندق واحد فيما يخص أزمة الطاقة، مما يعزز شراكتهما الاقتصادية

ويقول الكاتب السياسي والباحث الصيني تشاو تشي جيون لـ"المجلة" إن الصين تعتبر وسيطاً لا غنى عنه لأنها تمتلك حق الوصول إلى إيران الذي فقدته الدول الغربية تماماً، مضيفاً أنه في ظل اعتمادية إيران الاقتصادية على بكين بظل العقوبات الدولية، فإن القيادة في طهران تعلم جيداً أنها من دون الدعم الصيني ستواجه عزلة تامة أمام الضغوط العسكرية والدبلوماسية، وهذا يمنح الصين مكانة فريدة، فهي القوة العظمى الوحيدة القادرة على إرسال إشارات ضبط النفس إلى القيادة الإيرانية دون أن ينظر إليها كتهديد.

ويرى تشاو أنه حتى في ظل التنافس الاستراتيجي مع بكين، فإن واشنطن بحاجة لاستخدام الرافعة الصينية كصمام أمان وقناة اتصال لمنع الصراع من الانزلاق نحو أزمة نووية أو حرب إقليمية منفلتة.

ولا يستبعد تشاو في هذا الإطار، أن يتخلل زيارة الرئيس ترمب المرتقبة إلى بكين، محاولات لضمان الاستقرار الإقليمي بشروط تجارية واقتصادية أوسع.

من منظور آخر، قد تعيد الحرب فتح النقاش حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج، بعدما امتدت الهجمات الإيرانية إلى أراضي دول خليجية بحجة استهداف قواعد أميركية. ورغم أن هذه الدول ستبقى متمسكة بالشراكة الدفاعية والمظلة الأمنية الأميركية، فإن تجربة الحرب قد تدفعها إلى السعي بشكل أوسع من السابق إلى تنويع خياراتها الأمنية، بما في ذلك توسيع بعض أشكال التعاون العسكري أو الأمني مع الصين، بحيث تمتلك هامشاً أوسع من الخيارات في الأزمات المعقدة.

رويترز
الرئيس الصيني شي جين بينغ يلقي خطاباً في حفل افتتاح الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني العربي، في دار ضيافة دياويوتاي الحكومية في بكين، الصين، في 30 مايو 2024

وعلى عكس بعض السرديات الأميركية التي كانت تهدف إلى تصوير حرب إيران على أنها وسيلة لإخراج الصين من منطقة الخليج، يظهر الواقع أن هذه الحرب قد ثبتت موقع بكين في المنطقة. فرغم أن إيران سمحت مبدئياً للناقلات الصينية بالمرور عبر مضيق هرمز، فقد أصبح النفط الإيراني أقل استدامة بفعل غموض مستقبل النظام، في حين يبقى نفط الدول الخليجية، الذي يشكل نحو 35 في المئة من واردات الصين، أكثر موثوقية واستقرارًا. ونتيجة لذلك، باتت الصين ودول الخليج عملياً في خندق واحد فيما يخص أزمة الطاقة، مما يعزز شراكتهما الاقتصادية.

السيناريو الذي تكشف في الخليج يقوم على معادلة مألوفة في التفكير العسكري الصيني، دولة محاطة بقواعد عسكرية أميركية، تسعى إلى تحييد هذه القواعد عبر ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة مكثفة

كما لا تجد الصين نفسها في وضع غير مريح فيما يتعلق بإيران، إذ يتحدث خبراء صينيون بثقة، وبينهم الأستاذ الزائر في جامعة بكين رين هانغون، في فيديو لاقى رواجاً كبيراً على منصة "ويشات" بأن الصين تموضعت في موقع رابح-رابح أيا كانت نتيجة الحرب الإيرانية. ويقول هؤلاء إنه في حال صمود نظام الجمهورية الإسلامية، فستزداد اعتمادية طهران على بكين، أما في حال سقوط النظام الجزئي أو الكامل، فسيكون أي نظام يتشكل في طهران بحاجة إلى الصين للموازنة بوجه الشروط القاسية التي قد تفرضها واشنطن. وفي هذا السياق نفسه، يشير تشاو إلى أن ميزة الصين التنافسية تتمثل بقدرتها على بناء البنية التحتية دون شروط، وهي حاجة ملحة في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب.

وعلى مستوى أوسع، قد تمنح حرب إيران الصين فرصة لتعزيز السردية التي تروج لها منذ سنوات حول طبيعة النظام الدولي ودور الولايات المتحدة فيه. فالهجوم الذي شنته واشنطن على إيران بالتنسيق مع إسرائيل فقط، ومن دون تشاور فعلي مع القوى الإقليمية، ولا سيما دول الخليج التي عارضت الحرب، يقدّم لبكين مثالاً عملياً على ما تصفه بأحادية القرار الأميركي في إدارة الأزمات، وذخيرة قيّمة لمواصلة الدعوة إلى نظام دولي أكثر توازناً وتعدداً للأقطاب، لا تُفرض فيه قرارات الحرب والسلم من قبل قوة واحدة.

وتكتسب هذه السردية وزناً إضافياً في لحظة تبدو فيها القوى العظمى الأخرى منخرطة في حروب مباشرة: روسيا في أوكرانيا، والولايات المتحدة في إيران، فيما تحاول بكين تقديم نفسها على أنها القوة الكبرى الوحيدة التي تتصرف بمسؤولية.

ثلاثة دروس قيمة... ومجانية

من منظور آخر، منحت حرب إيران المخططين العسكريين في بكين نموذجاً عملياتياً قريباً جداً من البيئة الاستراتيجية التي قد تواجهها الصين في أي صراع محتمل في غرب المحيط الهادئ.

فالسيناريو الذي تكشف في الخليج يقوم على معادلة مألوفة في التفكير العسكري الصيني، دولة محاطة بقواعد عسكرية أميركية، تسعى إلى تحييد هذه القواعد عبر ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة مكثفة. وهذا النموذج يشبه إلى حد كبير البيئة التي تحيط بالصين عبر ما يُعرف بـ"سلسلة الجزر الأولى"، وهي السلسلة الجغرافية الممتدة من اليابان مروراً بتايوان وصولاً إلى الفلبين، حيث تنتشر قواعد وقوات أميركية، والتي تشكل جزءاً أساسياً من استراتيجية الردع الأميركية التي أعادت استراتيجية الدفاع الوطني الأميركية الصادرة في يناير/كانون الثاني الماضي التأكيد عليها.

أظهرت الحرب أن استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية في الدول الحليفة لواشنطن قد يكون وسيلة فعالة لرفع كلفة استضافة القواعد الأميركية

أول هذه الدروس يتعلق بقابلية القواعد العسكرية الثابتة للاستهداف. فقد أظهرت الحرب أن القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة حول العالم ليست محصنة كما يُفترض أحياناً في الخطاب العسكري التقليدي. فالهجمات المتكررة بالصواريخ والمسيّرات كشفت أن هذه القواعد يمكن أن تتحول سريعاً إلى أهداف مكشوفة في أي صراع عالي الكثافة عبر الإغراق. والدرس الثاني يرتبط بما يمكن تسميته اقتصاد الاستنزاف العسكري. إذ يمكن لأسلحة منخفضة الكلفة نسبياً مثل المسيّرات أو الصواريخ التكتيكية أن تفرض على الطرف المقابل استخدام منظومات دفاعية باهظة الثمن لاعتراضها. وبالنسبة للصين، التي تمتلك واحداً من أكبر مخزونات الصواريخ في العالم، فإن هذه المعادلة قد تكون عاملاً مهماً في أي مواجهة.

أ ف ب
يركب المصطافون الدراجات المائية بجوار سفن الشحن الراسية قبالة سواحل دبي في 2 مارس 2026

أظهرت الحرب أن استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية في الدول الحليفة لواشنطن قد يكون وسيلة فعالة لرفع كلفة استضافة القواعد الأميركية، وخلق ضغط اقتصادي وسياسي يجعل تلك الدول أقل استعداداً لتحمل تبعات صراع لا يمسها مباشرة، خصوصاً إذا كان مرتبطاً بطرف ثالث مثل تايوان.

وفي حين تكافح الصين للتعامل مع التداعيات الآنية للحرب سواء الاقتصادية بما في ذلك أزمة تقلب أسعار النفط والغاز واحتمال انقطاع الإمدادات- وهو سيناريو تتحضر له الصين منذ سنوات عبر المفاعلات النووية والطاقات النظيفة الأخرى- أو أي تداعيات سياسية قد تنشأ عن المزيج بين محدودية القدرة على التأثير والموقف الدبلوماسي المعقد، فإن الكلام عن إخراج الصين من الخليج لا يبدو واقعياً، في وقت قدمت لها حرب إيران اختبارات ودروسا قيّمة ومجانية.

font change

مقالات ذات صلة