منذ مطلع 2026، تجلت تغيرات عميقة في الأسس التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي، وهي لا تنتج من دورات اقتصادية معتادة، وإنما سببها توترات وصراعات مفتوحة وأزمات متتالية وعودة صريحة الى السياسات الحمائية، أثرت في طرق التجارة وسلاسل الإمداد. فالتجارة التي قامت لعقود على حسابات العرض والطلب، باتت اليوم رهينة الخرائط العسكرية وقرارات الأمن القومي، من الممرات البحرية المتوترة إلى ساحات العقوبات المتبادلة.
كل من هذه الأزمات كانت كفيلة إحداث صدمات كبيرة، لكن تداخلها معا أعاد رسم خريطة حركة التجارة، وأرغم شركات الشحن وإدارة اللوجستيات على إعادة تعريف الأخطار الجيوسياسية وقياسها وتقييمها في ظل بيئة دولية يتفاقم فيها عدم اليقين بوتيرة غير مسبوقة.
ويؤكد راجيف بيسواس، الرئيس التنفيذي لشركة "آسيا باسيفيك إيكونوميكس"، وهي مؤسسة بحثية مستقلة في سنغافورة، متخصصة في الأبحاث الاقتصادية الكلية والتحليل السياسي والاقتصادي لتدفقات التجارة، في حديث مع "المجلة"، أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد اضطرابات متفرقة، بل هو إعادة هيكلة تراكمية للتجارة العالمية.
وازداد المشهد تعقيدا مع إعادة استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي. فالتعريفات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام المنصرم على عدد من الشركاء التجاريين، أرست حالة من الارتباك في أسعار التكلفة والتدفقات التجارية دفعت الشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتأجيل العقود وتفكيك علاقات تجارية طويلة الأمد تحسبا لتصعيد إضافي. ولم يبدد قرار المحكمة العليا الأميركية يوم الجمعة المنصرم رفض هذه الرسوم حالة القلق، بل عمقها، وأضفى ضبابية في المسار القانوني للسياسة التجارية الأميركية عمن يكتب قواعد التجارة ومن يفرضها.



