كيف تعيد الحروب والجغرافيا السياسية تشكيل التجارة العالمية؟

عالم بلا مسارات آمنة وسفن في مرمى النيران

أ. ف. ب.
أ. ف. ب.
سفينة حاويات تبحر أمام ميناء تشينغداو، في مقاطعة شاندونغ شرق الصين، 25 يوليو 2025

كيف تعيد الحروب والجغرافيا السياسية تشكيل التجارة العالمية؟

منذ مطلع 2026، تجلت تغيرات عميقة في الأسس التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي، وهي لا تنتج من دورات اقتصادية معتادة، وإنما سببها توترات وصراعات مفتوحة وأزمات متتالية وعودة صريحة الى السياسات الحمائية، أثرت في طرق التجارة وسلاسل الإمداد. فالتجارة التي قامت لعقود على حسابات العرض والطلب، باتت اليوم رهينة الخرائط العسكرية وقرارات الأمن القومي، من الممرات البحرية المتوترة إلى ساحات العقوبات المتبادلة.

كل من هذه الأزمات كانت كفيلة إحداث صدمات كبيرة، لكن تداخلها معا أعاد رسم خريطة حركة التجارة، وأرغم شركات الشحن وإدارة اللوجستيات على إعادة تعريف الأخطار الجيوسياسية وقياسها وتقييمها في ظل بيئة دولية يتفاقم فيها عدم اليقين بوتيرة غير مسبوقة.

ويؤكد راجيف بيسواس، الرئيس التنفيذي لشركة "آسيا باسيفيك إيكونوميكس"، وهي مؤسسة بحثية مستقلة في سنغافورة، متخصصة في الأبحاث الاقتصادية الكلية والتحليل السياسي والاقتصادي لتدفقات التجارة، في حديث مع "المجلة"، أن ما نعيشه اليوم ليس مجرد اضطرابات متفرقة، بل هو إعادة هيكلة تراكمية للتجارة العالمية.

وازداد المشهد تعقيدا مع إعادة استخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي. فالتعريفات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام المنصرم على عدد من الشركاء التجاريين، أرست حالة من الارتباك في أسعار التكلفة والتدفقات التجارية دفعت الشركات إلى إعادة هيكلة سلاسل الإمداد وتأجيل العقود وتفكيك علاقات تجارية طويلة الأمد تحسبا لتصعيد إضافي. ولم يبدد قرار المحكمة العليا الأميركية يوم الجمعة المنصرم رفض هذه الرسوم حالة القلق، بل عمقها، وأضفى ضبابية في المسار القانوني للسياسة التجارية الأميركية عمن يكتب قواعد التجارة ومن يفرضها.

لم تعد التجارة العالمية رهينة العرض والطلب فقط، بل باتت أسيرة الخرائط العسكرية وقرارات الأمن

شهد الاقتصاد العالمي صدمتين متتاليتين أثرتا بعمق في سلاسل التوريد والتجارة. الأولى كانت جائحة "كوفيد-19" عام 2020، التي تسببت في توقفات واسعة بالإنتاج والنقل، وتكدس الحاويات، وإغلاق موانئ، مما أحدث اختناقات لوجستية واضطرابا كبيرا في حركة التجارة العالمية.

ومع انحسار الجائحة جزئيا، جاءت الصدمة الثانية في فبراير/شباط 2022 مع الحرب الروسية-الأوكرانية، التي عطلت صادرات الحبوب والأسمدة عبر البحر الأسود، وأدت العقوبات على روسيا إلى قيود في صادرات الطاقة والمعادن، ما رفع الأسعار عالميًا وزاد الضغوط التضخمية.

نتيجة ذلك، ارتفع التضخم في أسعار المستهلك العالمية من 4,7 في المئة في عام 2021 إلى 8,7 في المئة في عام 2022، ثم تراجع إلى 6,7 في المئة في عام 2023 نتيجة استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والغذاء. وقد دفع هذا التضخم البنوك المركزية في عدد من الدول إلى رفع أسعار الفائدة، ما أدى إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 6,6 في المئة في عام 2021 إلى نحو 3,5 في المئة في عام 2023.

إقليميا، تأثرت دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشدة بارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، ما زاد الضغوط المعيشية والاجتماعية في دول مثل مصر وتونس واليمن ولبنان.

نمو غير متوازن للتجارة العالمية

على الرغم من الصدمات، في عامي 2025 و2026 ، لم تتراجع التجارة الدولية بأكملها. فقد لفتت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى أن التجارة العالمية ستسجل نموا بنحو 7 في المئة عام 2025، لتتجاوز مستوى قياسياً جديداً يبلغ 35 تريليون دولار.

رويترز
تحميل حاوية على متن سفينة شحن أثناء رسوها في ميناء تابع لهيئة موانئ تايلاند، في بانكوك، 8 يوليو 2025

لكن حجم التجارة المادي، أي حركة البضائع الفعلية على السفن والطرق والسكك، أظهر أداء ضعيفا نسبيا. فقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن حجم التجارة البحرية، الذي يعد المقياس الفعلي لحركة السلع، كان من المتوقع أن ينمو بنحو 0,5 في المئة فقط في عام 2025، وهو معدل أقل بكثير من المعدلات التاريخية.

لا يدل هذا التباين سوى على أن ارتفاع قيمة التجارة في ظل تباطؤ حركة الشحن يعكس ارتفاع التكاليف، وامتداد المسارات، وزيادة الأخطار بدلا من زيادة الكفاءة أو النمو الحقيقي في حركة البضائع.

أين تعطلت طرق العبور؟

تعد الاضطرابات الأمنية في منطقة البحر الأحمر بين أواخر 2023  وحتى 2025 من أكثر الاضطرابات تأثيرا في التجارة العالمية خلال السنوات الأخيرة. إذ أدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى تحويل مسارات الشحن بعيدا عن قناة السويس، ما أطال زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 12 يومًا ورفع كلفة النقل.

ما كان يعد سابقا ممرا بحريا أصبح اليوم خط تماس سياسيا مفتوحا

على الرغم من أن الأرقام تختلف بحسب المسار والموسم، إلا أن أسعار الحاويات على بعض الطرق الرئيسة ارتفعت بشكل كبير في عام 2024، إذ أظهرت بعض المؤشرات أسعارا تجاوزت 7,000 دولار للحاوية على بعض الرحلات بين آسيا وشمال أوروبا. حتى أوائل عام 2026 لا تزال أسعار النقل البحري للحاويات متقلبة، حيث تظهر بعض المؤشرات الأسبوعية أسعارا في حدود 3,000 دولار للحاوية على طرق التجارة بين آسيا وشمال أوروبا، وهو مستوى لا يزال أعلى من مستويات ما قبل الأزمة.

إيرادات قناة السويس بين الانهيار والتعافي

تعد قناة السويس واحدة من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ كانت تستحوذ على نحو 10 إلى 12 في المئة من حركة الملاحة البحرية العالمية. وقد شهدت القناة تقلبات حادة في إيراداتها نتيجة هذه الاضطرابات.

في عام 2023، سجلت هيئة قناة السويس إيرادات قياسية بلغت نحو 10,25 مليارات دولار. لكن في عام 2024، ومع تأثير أزمة البحر الأحمر وتحويل سفن الحاويات إلى طرق طويلة، انهارت الإيرادات إلى نحو 3,99 مليارات دولار، بانخفاض يزيد عن 60 في المئة.

أ. ف. ب.
رافعات الحاويات في محطة فينيكس للخدمات البحرية في ميناء لوس أنجلوس، كاليفورنيا، 31 يوليو 2025

واجهت القناة خسائر كبيرة في رسوم العبور والعملات الأجنبية، إذ انخفضت حركة السفن إلى النصف تقريبا مقارنة بالسنوات السابقة. بدأ الاستقرار يعود إلى القناة في عام 2025. وبحلول نوفمبر/تشرين الثاني، أعلنت هيئة قناة السويس توقع وصول الإيرادات إلى نحو 4,2 مليارات دولار، بزيادة نحو 7,6 في المئة مقارنة بالعام السابق بفضل نمو أعداد العبور وتحسن الثقة.

وتظهر بيانات أوائل عام 2026 تحسنا إضافيا. بين يناير/كانون الثاني وبداية فبراير/شباط، حققت القناة نحو 449 مليون دولار من الإيرادات، وشهدت ارتفاعا في عدد السفن ووزن البضائع مقارنة بنفس الفترة من العام المنصرم وفقا لتقارير اقتصادية محلية.

يعكس التعافي الجزئي في قناة السويس الحالة الأوسع للتجارة العالمية، حيث تبدو البيئة مجزأة وغير متجانسة ومعرضة لتأثيرات سياسية ولوجستية متعددة.

لن يشهد العالم نهاية التجارة، بل نهاية افتراض أن التجارة محايدة وآمنة

يشير بيسواس إلى أن شركات الشحن الدولية تظل حذرة في استئناف العمليات عبر البحر الأحمر بشكل كامل، حتى مع وقف إطلاق النار في غزة في أواخر عام 2025.

ويقول لـ"المجلة": إن "الأخطار لا تزال موجودة، والعديد من شركات الشحن الدولية تتخذ موقف الانتظار والمراقبة. السلامة الخاصة بالطواقم والبضائع أولوية، وحتى تستقر أوضاع التأمين والأمن، يبقى تحويل المسارات خيارا للكثير من المشغلين".

وأفادت تقارير اقتصادية بأن شركات الشحن الكبرى تواجه تحديات هيكلية حتى مع إعادة فتح بعض مسارات الشحن، حيث تستمر ضغوط أسعار النقل بسبب زيادة السعة العالمية وتباطؤ نمو حجم التجارة.

تقلب أسعار أسواق الحاويات

تشير التوقعات إلى نمو محدود في حجم الحاويات بين نحو 2 و4 في المئة في عام 2026 مقارنة بالعام المنصرم. وتعكس بيانات أسعار الحاويات تغيرات في المشهد العالمي. في بداية عام 2026 أظهرت بعض الأسواق انخفاضا في أسعار الحاويات، بدعم من زيادة السعة وعودة بعض عمليات المرور عبر البحر الأحمر.

على سبيل المثل، أظهر مؤشر دروري العالمي للحاويات انخفاضا بنحو 13 في المئة في أسعار الحاويات العالمية في 19 فبراير/شباط 2026، مقارنة بنهاية 2025، ليبلغ 1,919 دولارا لحاوية الـ40 قدما.

أ. ف. ب.
صورة جوية لسفن حربية أميركية

وتوضح التحديثات الأسبوعية لتكاليف الشحن أن أسعار خطوط التجارة بين آسيا وشمال أوروبا لا تزال في حدود 2,900 دولار للحاوية، وأن الأسعار في طرق آسيا إلى الولايات المتحدة تظل مرتفعة لكنها غير مستقرة بحسب الطلب الموسمي وعقود الشحن.

وتشير هذه البيانات إلى أن أسعار النقل لا تزال بعيدة عن مستويات ما قبل الأزمة، وأن العودة إلى أسعار مستقرة قد تستغرق أشهرا، وربما سنوات.

ماذا عن تأثير التضخم في أرباح الشركات؟

هذه الاضطرابات ليست مجرد أرقام على الورق. إذ إن تباطؤ نمو الشحن، وارتفاع تكاليف التأمين، وزيادة أوقات النقل، وتقلب أسعار الحاويات كلها تؤثر بشكل مباشر في التضخم، وهوامش أرباح الشركات، وأسعار المستهلك.

اضطرت صناعات تعتمد على دقة المواعيد مثل صناعة السيارات والإلكترونيات وتجارة التجزئة إلى إعادة النظر في مخزوناتها، وتنويع مصادر التوريد، وتحمل تكاليف توزيع أعلى لتحقيق استقرار الإنتاج.

في النظام التجاري الجديد، لا تسافر البضائع وحدها… بل تسافر معها الأخطار السياسية والأمنية ورسوم التأمين الباهظة

وبالنسبة لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تظل الأخطار أعلى بشكل خاص. فاعتماد مصر الكبير على إيرادات قناة السويس يجعل موازنتها معرضة لتقلبات التجارة البحرية، بينما تظل دول أخرى حساسة للتغيرات في أسعار الغذاء والطاقة التي تتأثر مباشرة بالجغرافيا السياسية وتدفقات السلع الأساسية.

تشكل خريطة تجارية جديدة

على الرغم من كل الاضطرابات، فإن الشركات والحكومات تتكيف مع الواقع الجديد. ويقول بيسواس إن "الاقتصاد العالمي يتكيف مع بيئة أكثر غموضا في اليقين. أصبحت سلاسل التوريد أكثر مرونة، لكنها أيضا أكثر ارتباطا بالسياسة من أي وقت مضى".

ويشير إلى ارتفاع الاهتمام بمسارات تجارة بديلة، فقد زاد الطلب على طرق السكك الحديدية البرية التي تربط آسيا بأوروبا. كما أصبح هناك تركيز متزايد على مشاريع البنية التحتية مثل خط السكة الحديد بين الدوحة والرياض وجسر يربط مصر والسعودية كخيارات استراتيجية لسلاسل التوريد.

وقال بيسواس إن "هذه المبادرات لديها القدرة على تعزيز دور منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في التجارة الإقليمية والدولية". ويرى أن التكامل بين السكك الحديدية والموانئ والعمليات اللوجستية يمكن أن يخلق فرصا اقتصادية جديدة ويقلل من أخطار الاعتماد على طرق بحرية حساسة.

"أسوشيتد برس"
حاويات الشحن على متن سفينة في ميناء أوكلاند، 6 أغسطس 2025

ومع الشهر الثاني من السنة الجارية، تشير الأرقام إلى نمو ثابت في قيمة التجارة العالمية، لكن هناك تغيرات واضحة في كيفية تحرك السلع وكيفية حساب الأخطار. وفي هذا السياق، أكدت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نغوزي أوكونجو إيويالا، في 13 فبراير/شباط الجاري اتفاقها مع الدعوات الأميركية لإصلاح نظام التجارة العالمي، قبيل اجتماع مهم للمنظمة يعقد الشهر المقبل في الكاميرون.

ويأتي ذلك بينما تواجه التجارة العالمية ضغوطا إضافية بفعل قرارات حمائية سابقة، أبرزها الأمر التنفيذي الذي أصدره دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية بين 10 و41 في المئة على واردات من عشرات الدول، والذي رفضته المحكمة العليا الأميركية في نهاية الأسبوع المنصرم.

فالتجارة لا تزال قائمة لكن بإطار أكثر تعقيدا في المكان الذي تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية واللوجستيات. وأصبحت طرق الملاحة البحرية التي كان ينظر إليها سابقا على أنها مجرد مسارات اقتصادية، أصولًا استراتيجية لا يمكن اعتبار استقرارها أمرا مفروغا منه. وعلى الرغم من استمرار حركة السفن والبضائع، فإن عصر العولمة السلسة قد تلاشى تدريجيا ليحل محله نموذج أكثر حذرا وتنافسية، نموذج تسافر فيه السياسة على متن كل سفينة.

font change

مقالات ذات صلة