التجارة العالمية تلاطم في بحر الأزمات

من مضيق باب المندب وامدادات أشباه الموصلات إلى التحديات المناخية في بنما

Al Majalla
Al Majalla

التجارة العالمية تلاطم في بحر الأزمات

مرة أخرى، تحتل رقصة التجارة العالمية المعقدة، وهي رقصة أطرافها سلاسل الإمداد والترابطات الاقتصادية، مركز الصدارة. عندما اجتمع قادة بارزون في دافوس لمناقشة مستقبل العولمة، تكشفت سلسلة أزمات يهيمن عليها البحر الأحمر وتايوان وبنما. ذلك أن هذه النقاط الجيوسياسية الساخنة، التي يتردد صداها مع أصداء النزاعات وأهميتها الاقتصادية، تهدد بإلقاء ظلالها على التعافي الموقت من التضخم والاضطرابات العالمية الأخيرة.

على الرغم من التفاؤل المبكر بأن سلاسل الإمداد قد عادت إلى الاستقرار نوعا ما، فرضت التطورات الأخيرة في منطقة البحر الأحمر مرحلة جديدة من عدم اليقين. التوقعات الإيجابية لمنظمة التجارة العالمية الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول، تواجه الآن الواقع القاسي المتمثل في تصاعد التوترات الجيوسياسية والاضطرابات في الشرايين البحرية الحيوية. وتحوم تحديات حول توقعها نمواً بنسبة 3,3 في المئة في تجارة البضائع العالمية هذه السنة.

صارت الهجمات التي يشنها الحوثيون في البحر الأحمر على السفن التجارية التي يعتبرونها مرتبطة بإسرائيل، أعمالا تخريبية. وهذا لا يؤثر في التجارة العالمية فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري. وتشهد طرق الشحن تغييرات إذ تختار شركات النقل بدائل أطول وأكثر تكلفة، مثل الطواف حول رأس الرجاء الصالح.

الاضطرابات في البحر الأحمر قد تستمر أشهرا، وآثارها ستظهرفي التضخم وتعطل سلاسل الامداد

فنسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة الشحن البحري العملاقة "ميرسك"

وكان فنسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة الشحن البحري العملاقة "ميرسك"، أعرب عن قلقه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، من أن الاضطرابات في البحر الأحمر قد تستمر أشهرا عدة، متوقعاً آثاراً تضخمية محتملة على الاقتصاد العالمي. وحذّر من أن التحول في المسارات سيعطل سلاسل الإمداد لفترة طويلة، مع تداعيات واضحة، واعلنت شركات مثل "تيسلا" و"فولفو" عن توقف موقت في مواقع للإنتاج بسبب نقص المكوّنات الحيوية.

في ديسمبر/كانون الأول المنصرم، شهدت التجارة العالمية انخفاضا بنسبة 1,3 في المئة، مدفوعاً في المقام الأول بانخفاض كبير في الشحنات عبر البحر الأحمر، وفق "معهد كيل للاقتصاد العالمي". وكشف مركز الأبحاث الاقتصادية الألماني أن العدد اليومي للحاويات التي تعبر البحر الأحمر انخفض بنسبة 60 في المئة، من 500 ألف في نوفمبر/تشرين الثاني إلى 200 ألف الشهر التالي.

وألقى تقرير "كيل"، الذي يحمل عنوان "حجم الشحن في البحر الأحمر"، الضوء على الآثار السلبية على الاتحاد الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول، مع انخفاض بنسبة اثنين في المئة في الصادرات وانخفاض بنسبة 3,1 في المئة في الواردات. كذلك شعرت الولايات المتحدة بالأثر، إذ شهدت انخفاضا بنسبة 1,5 في المئة في الواردات وانخفاضا بنسبة واحد في المئة في الصادرات.

AFP

على الرغم من الجهود التي يبذلها الجيش الأميركي وحلفاؤه لتعزيز الأمن البحري، تتواصل الهجمات الحوثية على هذا الممر المائي، المرتبط بقناة السويس، والذي يمثل 10-15 في المئة من التجارة العالمية، بما في ذلك صادرات النفط، ويعبره 30 في المئة من شحنات الحاويات في العالم.

زادت أحجام الشحن الجوي، وارتفعت أسعار الشحن البحري لتصل إلى 10 آلاف دولار لكل حاوية بقياس 40 قدم

أبعد من الأزمة المباشرة، تؤدي الطرق الالتفافية الواسعة التي اتخذتها سفن الشحن بسبب هجمات الحوثيين، إلى زيادة في أحجام الشحن الجوي. وإذا استمرت الأزمة، من المتوقع أن ترتفع تكلفة شحن البضائع من طريق الجو على نحو كبير، مما يثير المخاوف بين الشركات.

للمزيد إقرأ: خرق "قواعد الاشتباك الاقتصادي"

ولوحظت الزيادة الحالية في استخدام الشحن الجوي في شكل خاص في أحجام الشحنات المتجهة إلى أوروبا. هذا التحول هو استجابة من الشركات التي تتجنب الطرق الالتفافية الممتدة في البحر الأحمر حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. وكذلك الأمر بالنسبة الى تجار التجزئة، حيث تعطي الشركات المعتادة على النقل البحري الأولوية إلى خيارات التسليم الأسرع. وتؤكد توقعات تصدرها "زينيتا"، وهي منصة قياس لأسعار الشحن، هذا الاتجاه. ويشير هذا التحول إلى توسع وشيك في دور الشحن الجوي في المنظومة الإيكولوجية الأوسع لسلاسل الإمداد. ففي الأسابيع الأخيرة، ارتفعت أسعار الشحن البحري، لتصل إلى 10 آلاف دولار لكل حاوية بقياس 40 قدماً. وسلكت سفن الحاويات، التي تجنبت هجمات الحوثيين، طرقاً التفافية طويلة، مما أدى إلى تحويل أكثر من 200 مليار دولار من البضائع بعيداً من هذه الطريق التجارية الحيوية. 

إن قدرة الشحن الجوي على تقليل أوقات التسليم على نحو كبير مقارنة بشركات النقل البحري تضعه في موقع أكثر بروزاً. ومع استمرار التأخير في التجارة البحرية، تدرك الشركات في شكل متزايد الكفاءة والسرعة التي يوفرها الشحن الجوي، مما يعيد تشكيل ديناميكيات سلاسل الإمداد.

التداعيات الاقتصادية

يشكل الإغلاق المطول للبحر الأحمر تهديداً كبيراً لسلاسل الإمداد العالمية. وتواجه سفن الحاويات، التي تُعتبَر ضرورية لنقل البضائع المختلفة، تأخيرات محتملة، مما يثير مخاوف في شأن نقص المنتجات. وأوقفت أطراف فاعلة رئيسة في الصناعة، بما في ذلك "تيسلا"، الإنتاج بسبب تعطل إمدادات قطع الغيار، فيما تعيد شركات صناعة السيارات الأوروبية توجيه الشحنات، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف والتأخير. وتحذر شركات تعمل في تجارة التجزئة مثل "إيكيا" و"نكست" من تأخيرات الشحن والنواقص المحتملة.

EPA

ويؤدي عدم اليقين في البحر الأحمر إلى ارتفاع أسعار النفط، إذ قفز خام "برنت" والخام الأميركي بنحو ثلاثة في المئة أخيراً. ويضيف الخوف من نشوب نزاع إقليمي أوسع إلى التوتر، تجسد في استيلاء إيران على ناقلة نفط في خليج عمان. وإذا ما حولت هجمات الحوثيين تركيزها إلى ناقلات النفط والسفن التي تنقل المواد الخام الحيوية، فقد تكون التداعيات على الاقتصاد العالمي شديدة. ويمكن أن يؤدي النزاع الأوسع نطاقاً إلى تعطيل إمدادات الطاقة، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتداعيات كبيرة على أسعار السلع الأخرى.

وقد يواجه الشاحنون الذين يسارعون إلى تلبية الطلبات قبل إغلاق المصانع في الصين لمناسبة السنة الصينية الجديدة، تحديات إضافية، مما يضيف تعقيداً إلى المشهد الاقتصادي العالمي الحالي.

قناة بنما التي تعاني جفافا ونقصا في المياه يتفاقم بسبب تغير المناخ وظاهرة النينيو، محورية في سلاسل التجارة العالمية

ويؤكد تقرير للبنك الدولي التآكل المحتمل لشبكات الإمداد وزيادة احتمال حدوث اختناقات تضخمية بسبب الاضطرابات في طرق الشحن الرئيسة. وتسير ست شركات كبرى لشحن الحاويات سفنها الآن بعيداً من البحر الأحمر، مما يتسبب في تأخيرات تصل إلى ثلاثة أسابيع.

ويعرب اقتصاديون عن مخاوفهم على صعيد الآثار التضخمية المحتملة للاضطرابات المطولة. فكلما طال أمد تعطل سلاسل الإمداد، زادت قوة آثار الركود التضخمي في الاقتصاد العالمي، كما أشار محمد العريان، كبير الاقتصاديين في "أليانز".

اضطرابات في الشرق والغرب

تشهد رقعة الشطرنج الجيوسياسية تحركات جديدة مع تصاعد التوترات بين بكين وواشنطن في شأن مضيق تايوان. يؤكد تشديد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن على الدور المحوري للتبادلات التجارية عبر هذا المضيق، هشاشة هذا الممر البحري. فالاضطراب هنا، كما حذر بلينكن، لن يقتصر على هزات إقليمية. سيرسل، بدلاً من ذلك، موجات صدمة يتردد صداها عبر المشهد الاقتصادي العالمي. 

تؤدي تايوان دوراً معقداً، ولا سيما في إنتاج أشباه الموصلات. ويعتمد الطلب العالمي على الأجهزة والمركبات الإلكترونية على نحو كبير على هذه الرقائق، وأي اضطراب في سلسلة إمداد أشباه الموصلات يمكن أن يضخم المشاكل الحالية. إن أهمية تايوان الاستراتيجية تتجاوز المواقف السياسية، إذ تساهم تايوان في شكل لا غنى عنه في المنظومة الإيكولوجية التكنولوجية الحديثة.

يتحول السرد نحو قناة بنما الضيقة والمحورية، التي تواجه جفافا ونقصا في المياه يتفاقم بسبب تغير المناخ وظاهرة النينيو، وهي قناة حاسمة في التجارة العالمية، محدثة اضطرابا هائلا.

التحديات، سواء أكانت بتحريض سياسي، أم نابعة من ظواهر طبيعية، أم مدفوعة بتحولات مجتمعية مثل تلك التي حدثت أثناء الجائحة، توسع نطاق الاضطرابات. يزيد هذا التضخيم احتمال أن تخلق الأحداث "اختناقات" في متاهة طرق التجارة العالمية. إن أوجه المعاناة المحيطة بقناة بنما بمثابة تذكير مؤثر بأن الاضطرابات يمكن أن تنبع من مصادر مختلفة، مما يتطلب نهجاً شاملاً لتحصين التجارة العالمية في وجه العقبات غير المتوقعة.

في هذا النسيج المعقد للتجارة العالمية، يبرز البحر الأحمر وتايوان وبنما كنقاط حاسمة، كل منها محفوف بالتحديات والفرص

الآثار الاقتصادي والتحول نحو الحمائية

تشير وجهات نظر إلى أن كل اضطراب في سلاسل الإمداد، مهما كان نوعه، يصبح حافزاً لميل متزايد نحو "تقريب مواقع الأعمال من مواطنها" (Nearshoring) أو "إعادتها إلى هذه المواطن" (Reshoring). تلخص مصطلحات كهذه اتجاهاً يتزايد إلى توطين الإنتاج أو نقله – في استجابة استراتيجية لتخفيف نقاط الضعف التي كشفتها الاضطرابات العالمية.

AFP
سفينة شحن بالقرب من هويس ميرافويس، في قناة بنما المهددة بالجفاف ما يحدد عدد السفن التي تعبر الممر المائي، 11 يناير 2024

إن السيناريو الجيوسياسي المتوتر، الذي يشبه غيوم العاصفة في الأفق الاقتصادي، يحفز العودة إلى التدابير الحمائية. وبينما تعاني الدول مع عدم اليقين الاقتصادي، تصبح جاذبية حماية الصناعات المحلية مغرية على نحو متزايد. حتى رئيس مجلس الدولة الصيني (رئيس الوزراء) لي تشانغ، في إشارة مبطنة إلى سياسات الولايات المتحدة، ندد "بالتدابير التمييزية في التعامل مع التجارة والاستثمار"، مسلطاً الضوء على الرقصة المعقدة للسياسات الاقتصادية في عالم مترابط.  

ففي هذا النسيج المعقد للتجارة العالمية، يبرز البحر الأحمر وتايوان وبنما كنقاط حاسمة، كل منها محفوف بالتحديات والفرص. إن هشاشة التجارة العالمية لا تتطلب فقط اتخاذ تدابير تكون رد فعل على الاضطرابات الفورية بل أيضاً استراتيجية استباقية دولية للتحصين ضد آثار متدحرجة من التعقيدات الجيوسياسية وعدم اليقين البيئي. 

بينما نبحر في هذه المياه غير المؤكدة، يصبح من الضروري النظر إلى التجارة العالمية ليس ككيان متجانس بل كمنظومة إيكولوجية معقدة، عرضة إلى عدد لا يُحصى من الآثار. إن الأصداء من البحر الأحمر، والتحركات الاستراتيجية في مضيق تايوان، وأوجه المعاناة المحيطة بقناة بنما، هي بمثابة ملاحظات تحذيرية، تحض على اتباع نهج شامل وتعاوني لضمان مرونة شبكة التجارة العالمية وقدرتها على التكيف.

font change

مقالات ذات صلة