المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تبدأ لتعزيز هدنة هشة

الوفد الدبلوماسي الذي كان قد أعد للتفاوض سابقاً، بات الآن يسمى "فريق الدعم" للسفير سيمون كرم من بيروت، وهو سيزوده بكل المعطيات التي يحتاجها أثناء مرحلة التحضير للتفاوض

"المجلة"
"المجلة"

المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تبدأ لتعزيز هدنة هشة

أفضت المفاوضات التحضيرية بين لبنان وإسرائيل في جولتها الثالثة، والتي انعقدت في 14 و15 مايو/أيار في وزارة الخارجية الأميركية، إلى الاتفاق على إطلاق مسارين، الأول سياسي والثاني أمني. كما نتج عنها اتفاق على وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، بدأت يوم الاثنين الماضي 18 مايو/أيار. لكن نتيجة التفاوض- بحسب ما صدر عنه- تواجه تحديات كبيرة، وتكاد تكون محاصرة من كل من إسرائيل التي لم توقف النار، ومن إيران التي لم يوقف حليفها "حزب الله" النار أيضاً.

​لكن قبل بدء العمل بوقف النار المفترض، أبلغ رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون لدى إطلاعه على ما آلت إليه المفاوضات، أن "أعطوني وقفاً للنار، والباقي عليّ". النار لم تتوقف. في حين قال رئيس الجمهورية، إن من واجبه، وانطلاقاً من موقعه ومسؤوليته، "أن يقوم بالمستحيل، وبما هو أقل كلفة كي أوقف الحرب عن لبنان وشعبه. فقد اختبرنا الحروب والى أين أوصلت لبنان. فهل من أحد يستطيع تحمل كلفتها بعد؟". وبالتالي يبقى السؤال، هل سيتم وقف نهائي للنار خلال الـ45 يوماً؟ وهل إذا التزم "الحزب" بوقف النار، أو بمجرد البحث به، يعني أنه يعترف بنتائج التفاوض اللبناني–الإسرائيلي عملياً؟ أم إن قراره لا يزال مربوطاً بالقرار الإيراني؟

هل يعتبر أي تجاوب من "حزب الله" مع الهدنة في حال تجاوبت إسرائيل اعترافاً منه بنتائج التفاوض؟

ما يتضح حتى الآن أن الأمور على الأرض تساوي "نصف هدنة". والحملة على رئيس الجمهورية، تنصب على اعتبار أنه سحب ورقة لبنان من يد إيران التي كانت في حوزتها وحوزة النظام السوري السابق، على مدى أربعين عاماً. حتى الآن يقول "الحزب" إنه لن يسلم سلاحه. إنما البديل هو استمرار الحرب الإسرائيلية وبصورة أعنف. وبأداء "الحزب" سترتفع شهية إسرائيل لمزيد من الاحتلال البري. لم يرد "الحزب"، سوى أن بري عاد ليقول بوقف نار شامل وانسحاب تام. فهل تسمح موازين القوى الحالية بتحقيق ذلك على الأرض؟

في هذا الوقت لن تتوقف المفاوضات، ففي مسارها السياسي ستنعقد في 2 و3 يونيو/حزيران لمتابعة البحث بكافة المواضيع المطروحة من الجانبين اللبناني والإسرائيلي. إسرائيل تطرح نزع سلاح "الحزب"، ولبنان لديه ورقة من خمسة بنود. في هذا المسار سيتم أولا، بحسب معطيات حصلت عليها "المجلة"، تقييم لأداء الطرفين خلال مرحلة الهدنة الجديدة. وسيناقش هذا المسار متابعة الترتيبات الأمنية، وتسويه الحدود البرية، وإطلاق الأسرى، وصولا إلى مستقبل الوضع بين لبنان وإسرائيل. لبنان يريد إنهاء حالة العداء، اما إسرائيل فتريد اتفاقاً سياسياً، وهنا يكمن الدور الأميركي.

لبنان يريد وقف النار، وإسرائيل تريد نزع سلاح "حزب الله"، وواشنطن تعتبر أن التفاوض هدفه الوصول إلى سلام بين لبنان وإسرائيل

وفي المسار الأمني، تفيد المعطيات لـ"المجلة" أيضاً، أن التفاوض الأمني، سينعقد في 29 مايو/أيار الجاري في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون). وسيتم بين وفود عسكرية من الأطراف الثلاثة: لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة. لبنان يحمل معه: انسحاب إسرائيل التدريجي من الأراضي التي احتلتها. وانتشار الجيش اللبناني، وسبل تقوية وتعزيز قدرات هذا الجيش. أما إسرائيل فتطرح سحب سلاح "حزب الله" وانتشار الجيش اللبناني وهي نقطة مشتركة ظاهرة بين المفاوِضَيْن. كما أن التفاوض سيتناول نقاطاً تفصيلية. ولبنان يريد أن تنشط اللجنة الدولية لمراقبة وقف النار، التي باشرت مهامها في ضوء اتفاق وقف النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أي ما يسمى "الميكانيزم"، تراقب كل الخطوات الأمنية. على أن تتم إعادة تفعيلها فوراً. ورئيس اللجنة أميركي ومعه فريق عمل عسكري أميركي، لا مانع لدى لبنان من زيادة العناصر الأميركية للمراقبة. وبالتالي ستكون هناك مشاركة أميركية في مراقبة الأمور على الأرض. إنما نضوج الصيغة النهائية سيكتمل في ضوء نتائج المسار الأمني.

رويترز
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض في مقر وزارة الخارجية بواشنطن العاصمة، خلال المفاوضات المباشرة بين اسرائيل ولبنان في 14 أبريل 2026

​الوفد اللبناني المفاوض يرأسه السفير سيمون كرم. والورقة التي يتمسك بها لبنان في التفاوض، تتألف من خمسة بنود، وفقاً لمسؤول لبناني قريب من رئيس الجمهورية جوزيف عون. وقال المسؤول لـ"المجلة"، إن البنود الخمسة هي: تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها إسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الجنوبية المعترف بها دولياً. وتصحيح الخط الأزرق، وهو خط الانسحاب الإسرائيلي سابقاً، ليصبح مطابقاً للحدود المعترف بها دولياً. وتسهيل إعادة الإعمار وتجنب عرقلتها لاسيما أمنياً. في حين أن أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة نورث كارولينا البروفيسور خضر زعرور قال لـ"المجلة": "إن لبنان يجب أن يطالب إسرائيل بالتعويض عن ضرب الزراعة لعقود مقبلة، نتيجة السموم والفوسفور التي تعرضت لها الأرض من جراء القصف والتدمير الشامل واستخدام الأسلحة المحرمة. كذلك التعويض عن التهجير. فضلاً عن الزام إسرائيل الاعتراف بالحدود الدولية للبنان".

الوفد اللبناني الذي شُكل سابقاً سيكون فريق الدعم لرئيس الوفد

​وفي المعطيات الخاصة أيضاً، أن الوفد الدبلوماسي الذي كان قد أعد للتفاوض سابقاً، بات الآن يسمى "فريق الدعم" للسفير كرم من بيروت، وهو سيزوده بكل المعطيات التي يحتاجها أثناء مرحلة التحضير للتفاوض، في انتظار انضمامه إليه لدى بدء التفاوض. وينكب "فريق الدعم" على التحضير لوثائق معينة قد تلزم بكثير من النواحي القانونية والدبلوماسية المتصلة بحقوق لبنان. ومع السفير كرم وفد لبناني، يضم السفيرة لدى واشنطن ندى معوض، والدبلوماسي في السفارة اللبنانية في واشنطن وسام بطرس، والملحق العسكري في السفارة الجنرال أوليفر حاكمة. ومهدت لهذه الجلسة التفاوضية مواقف من كل من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الراعية المباشرة والدائمة لهذا التفاوض، في مثلث يهيئ للأفكار التي ستُطرح. لبنان يريد وقف النار، إسرائيل تريد نزع سلاح "حزب الله"، وواشنطن تعتبر أن التفاوض هدفه الوصول إلى سلام بين لبنان وإسرائيل.

التقارب في الموقف الشيعي مع موقف رئيس الجمهورية يعزز موقف لبنان التفاوضي، ويعزز مسار الوحدة الوطنية اللازمة في هذا الظرف المصيري

وفي وقت دقيق يمر به الوضع اللبناني، نتيجة الحرب التي استجلبت إسرائيل واحتلالها وويلاتها من قتل وتدمير، وفي ظل التغيير الذي يطرأ على المعادلة في الشرق الأوسط، وموقع الملف الإيراني في هذا السياق، يقف "حزب الله" رافضاً التفاوض. وأثر ذلك على موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي بدوره انعكست علاقته برئيس الجمهورية سلباً، كما علاقة "الحزب". مع الإشارة، إلى اقتناع بري ضمناً، بأنه لا مفر من التفاوض، ولا مفر من إيجاد حل لسلاح "حزب الله". فألغي اللقاء الثلاثي بين الرؤساء عون وبري ورئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا. كما أن بري لم يشأ البحث في تسمية شخصية شيعية في الوفد المفاوض السابق، والذي بات الآن الفريق الداعم للتفاوض.

​أما "حزب الله" الذي يريد إبقاء لبنان ورقة بيد إيران، خصوصاً في تفاوضها مع الولايات المتحدة، فيقوم بالتهديد والترهيب للداخل على كل المستويات، من الرئاسة الأولى، إلى بقية اللبنانيين. واعتبر المسؤول في "الحزب" محمود قماطي أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل "مهينة"، و"مخالفة للقانون". وفضّل بدلا من ذلك، التفاوض غير المباشر. وانتقد السلطة اللبنانية لعدم استثمارها "إنجازات المقاومة" كأوراق قوة. وشدد على استمرار القتال، حتى خروج آخر جندي إسرائيلي من لبنان. وأشار إلى قطع الاتصال مع الرئاسة. واعتبر أن الهدف هو استمرار المقاومة حتى "التحرير الكامل". وسأل قماطي رئيس الجمهورية: "بأي حق تتجاوز ركنا أساسيا في الدولة، وهو رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبأي حق تأخذ لوحدك قراراً يتعلق بمصير لبنان ويخالف الوحدة الوطنية والدستور"...

أ.ف.ب
السكان النازحون يمرون أمام المباني المدمرة أثناء عودتهم إلى مدينة النبطية جنوب لبنان في 18 أبريل 2026

​إلا أن هناك مؤشرات دقيقة ظهرت قبيل الجلسة الثالثة للتفاوض، تمثلت في بدء تواصل "حزب الله" مع القصر الجمهوري في بعبدا، وتكليف "حزب الله"، النائب في "كتلة الوفاء للمقاومة" حسن فضل الله تولي هذه الاتصالات. ويشكل ذلك وفقاً للمعطيات الدبلوماسية الخاصة، دليلا على شعور "الحزب" بالضغوط الهائلة من إسرائيل. وبعد اتهامه رئيس الجمهورية بالعمالة، فإنه يريد حالياً إعادة قنوات التواصل معه. وتبين له أن التعنت والعناد لا يوصل إلى أي مكان، بل على العكس، أدى ذلك إلى زيادة الخسائر المدنية والعسكرية والاقتصادية. وبالتالي، هناك مؤشرات على أن "الحزب" وصل إلى مرحلة أدرك فيها أن لا حل إلا عبر التفاوض. ويرتقب أن يعزز هذا التطور موقف الرئيس بري، وينعكس إيجاباً على تسميته أو موافقته على الشخصية الشيعية في الوفد المفاوض. كما أن التقارب في الموقف الشيعي مع موقف رئيس الجمهورية يعزز موقف لبنان التفاوضي، ويعزز مسار الوحدة الوطنية اللازمة في هذا الظرف المصيري.

الرئيس هو الذي يتولى المفاوضة، بفعل الصلاحية اللصيقة في الدستور. وله صلاحية تحديد شكل المفاوضة، لتأتي مباشرة أو غير مباشرة، أو عبر وسيط أو أكثر من وسيط

وفي المعطيات الخاصة أيضاً، أن كل ما يحصل على مستوى المسار اللبناني في التفاوض يتأثر، في جانب منه، بالمسار الأميركي-الإيراني في التفاوض نجاحاً أو فشلاً. الأيام الراهنة تشكل مرحلة مفصلية أمام الملف الإيراني.

أما الاتهام للرئيس بالخيانة من جراء قراره التفاوض فهذه مسألة أخرى. إذ يقول أستاذ القانون الدولي والدستوري في جامعات باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي، لـ"المجلة"، إنه "لا توجد مادة في الدستور اللبناني تحرّم التفاوض مع إسرائيل. والدستور ترك الفكرة متحررة من أي سلطة ضبط قانوني، لأنها ليست ثابتة. إنما هي متغيرة بحكم الظروف والمصلحة. إن العداء الموجود ضمن القوانين، هو متصل بقانون مقاطعة إسرائيل الذي صدر في يونيو/حزيران عام 1955. وهذا القانون يُعنى بضبط الشذوذ الفردي في التعامل مع الكيان على المستوى الفردي، لأنه يصبح خروجاً عن التوافق والإجماع العام. إنما هذا القانون لا صلاحية له لأي نشاط تقوم به الدولة ممثلةً بثنائيتها رئيس الجمهورية والحكومة. أما في ما خص الإطار الدستوري اللبناني المؤسساتي الذي يحكم لناحية تسابقية الأعمال السيادية، فإن السيادة لا تخضع لأي نوع من الرقابة. إنما هي سيادة لصيقة برئيس الجمهورية للقيام بأية نشاطات لا تتجاوز الدستور. وأصل النشاط هو حماية الدولة والمؤسسات والحفاظ على السلم. وهي المتعلقة بالفكرة المرتجاة، أي التفاوض. والمادة 52 من الدستور منحت شخص الرئيس صلاحية لصيقة بالتفاوض وعقود التفاوض، بالاتفاق مع رئيس الحكومة في مرحلة المفاوضة. ولا تصبح مبرمة إلا لدى عرضها على المجلس النيابي".

وأكد الشحيمي أن "الرئيس هو الذي يتولى المفاوضة، بفعل الصلاحية اللصيقة في الدستور. وله صلاحية تحديد شكل المفاوضة، لتأتي مباشرة أو غير مباشرة، أو عبر وسيط أو أكثر من وسيط، وفي مكان ما، أو غير ذلك من التفاصيل. ويعود إليه تحديدها، بحسب ما يراه مناسباً للدولة. على أن يحصل ذلك بالتوازي والتفاهم مع رئيس الحكومة انطلاقاً من المادة 65 في الدستور".

​وأضاف الشحيمي أن "هذه المادة تنص على أن السلطة التنفيذية اللبنانية منوطة بها سياسات الدولة التنفيذية العليا، بما فيها السياسة الخارجية، وصلاحية الحكومة المعطاة لها، سواء كنا نعترف بالدولة الأخرى أم لا، أو سواء كانت هناك خصومة، أو عداء، أم لا".

بقية اللبنانيين داعمون للرئيس ولمبادرته، بعدما عانوا من الحروب ونتائجها الإنسانية والاقتصادية. والقوى المسيحية تتجاوز خلافاتها دعماً للرئيس

وقال الشحيمي: "وبالتالي، يعود للحكومة أن تحدد شكل العلاقة، وطريقة التعامل معها من منطلق السياسة الخارجية. إن قرارات الحرب والسلم تعود للدولة، التي لها الحق الوحيد، في تحديد أية طريقة أو آلية تعامل مع أية شخصية اعتبارية وأي دولة أو كيان أو عضو في المنظمة الدولية، وبالطريقة المناسبة. إن تعديل قرارات الحرب والسلم، يأتي وفق المنطق الأساسي لتحديد سياسة الدولة على المستوى الخارجي. وهذا واضح، إضافة إلى الفقرتين (ج) و(ط)، في مقدمة الدستور: لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. المادة 52، تنص على أنه لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية، المقصد الأساسي للدخول إلى منطق التفاوض والحفاظ على الدولة، وكامل الجغرافيا ولاسترداد كامل الأرض. والنشاط الذي نراه في موضوع التفاوض، يدخل في أعمال السيادة، التي لا تخضع للمحاسبة. كما أنها لا تُخضع الشخص لذلك أيضاً سواء كان رئيساً أو شخصا يحدده الرئيس. لأنه لا يقوم بأعمال لشخصه، بل إنه ممثل الدولة وسيادة الدولة وبتفويض من الدولة. وبالتالي، المحاسبة أو الإدانة غير قانونية".

​على أن بقية اللبنانيين هم داعمون للرئيس ولمبادرته، بعدما عانوا من الحروب ونتائجها الإنسانية والاقتصادية. والقوى المسيحية تتجاوز خلافاتها دعماً للرئيس. وتتقاطع مواقفها في خيار الانفتاح على التفاوض المباشر مع إسرائيل. وتلتقي مواقفها مع موقف حاسم اتخذته البطريركية المارونية التي أكدت أهمية التفاوض بديلا عن الحرب.

font change