رابح ظريف لـ"المجلة": القصيدة شاخت والسينما هي لغة الشعر الجديدة

يرى أن العزلة ضرورية لحماية الذات من زيف العالم

facebook
facebook

رابح ظريف لـ"المجلة": القصيدة شاخت والسينما هي لغة الشعر الجديدة

في هذا الحوار، يفتح الشاعر والروائي وكاتب السيناريو الجزائري رابح ظريف آفاق تجربته الإبداعية الثرية، مقدما رؤى عميقة حول مسيرته الفنية المتنوعة. يتناول الحوار رحلته من الشعر إلى الرواية والسينما، مستعرضا التحولات التي صقلت رؤيته الفنية وأثرت في اختياراته الإبداعية.

من مصادفة الشعر إلى ضرورة السرد

بدأت تجربتك الإبداعية شاعرا قبل أن تتجه إلى الرواية وكتابة السيناريو. هل كان هذا الانتقال توسعا طبيعيا في مشروع الكتابة أم بحثا عن شكل آخر للحكاية؟

يحتاج هذا السؤال في الحقيقة إلى لقاءات أكثر لأتمكن من شرح هذا الانتقال، قد يكون توسعا طبيعيا في مشروع الكتابة وقد يكون أيضا بحثا عن شكل آخر للحكاية كما تفضلت، نعم، غير أنه في اعتقادي أن المصادفة هي التي حددت البداية، ليحدد البحث في ما بعد التحول. الشعر كان مصادفة جميلة جدا تستمر معي إلى اليوم، تلك اللحظة التي أصدرت فيها أول مجموعة شعرية لي سنة 1997 لم أكن قد بلغت التاسعة عشرة من عمري. مدين للشعر كونه فتح لي أفقا واسعا أطل من خلاله على عالم كنت أقرأه، فصرت أعيشه، كنت أغمض عيني حتى أراه، فصرت أفتح عيني لأراه. عالم انتقل فجأة من الحلم إلى اليقظة، لأجد نفسي قد تمكنت من تحويل الحلم إلى واقع، حين قررت أن أواصل الحلم طالما أنه لا شيء مستحيل، وجدت نفسي بعدها صحافيا في منابر أسبوعية ويومية، فتمكنت من القدرة على السرد الصحافي، وحين اجتمع السرد والشعر داخلي كانت الرواية "قديشة"، التي حاولت أن أقدم فيها تجربة مختلفة متميزة، لأضيف بعدها مسارا جديدا هو الكتابة للسينما منذ 2012 حيث تم قبول عملين لي هما "الظل والقنديل" و"سركاجي".

في دواوينك الشعرية تبدو الغنائية واضحة بوصفها رهانا جماليا. ما الذي بقي من تلك الحساسية الشعرية في كتابتك للسرد والسينما؟

بقي الشيء الكثير. السينما الحقيقية لا تخلو من الغنائية، لا سينما دون موسيقى ولا سينما دون صمت، حين أكتب للسينما أستعين بالشاعر والروائي والصحافي محاولا تقديم نسق متكامل مركز في اتجاه الصورة، قلت في إحدى المرات إن الشعر ليس القصيدة، القصيدة هي ذلك الشكل الطفولي للشعر. الشعر سبق القصيدة بآلاف السنين، لقد كان كائنا صامتا يسكن صمت الأسلاف قبل اكتشاف الكتابة، يسكن عجزهم عن التعبير وخوفهم من ذلك العجز.

الشعر كان مصادفة جميلة تستمر معي إلى اليوم، ومدين له كونه فتح لي أفقا واسعا أطل من خلاله على عالم كنت أقرأه فصرت أعيشه

 لقد حمل الاسلاف الحجر وكتبوا على الصخر أجمل الشعر وأبلغه. كل تلك الرموز والإشارات والرسومات المنحوتة على الصخور وفي الكهوف كانت الشعر، وبعدما شاخت البشرية شاخت القصيدة ولم تعد تحتمل قوة الطفل/الشعر الذي انتقل إلى الرواية والمسرح والسينما والرقص ومختلف أشكال الفنون. هي في الحقيقة عودة إلى بدايات الشعر (الصورة)، فالسينما في النهاية هي اللغة الوحيدة التي حملت وستظل تحمل الشعر في أبهى معانيه.

البحث عن القصة في قلب التاريخ

كتبت سابقا سيناريوا عن شخصية إصلاحية بارزة مثل عبد الحميد بن باديس. ما الذي يجذبك إلى الشخصيات التاريخية تحديدا؟

أنا مولع بالتاريخ، أتذكر جيدا أني في المرحلة المتوسطة التهمت مكتبة المركز الثقافي بعين الخضراء، حيث كانت كتب التاريخ تمثل النسبة الكبرى، لأجد نفسي، وأنا منساق في مساري السياسي والنقابي قبل أكثر من عشرين سنة، أمام شعراء وكتاب ومثقفين ورجال دولة، ألتقيهم شاعرا أو صحافيا أو ممارسا لعمل سياسي، وكنت أطرح الأسئلة الكثيرة دون أن أعي أو أدرك الدافع الحقيقي لطرح كل هذه الأسئلة، فمن توفيق الله عز وجل أن وجدت نفسي في العقد الثالث من العمر أجلس لساعات مع صناع التاريخ في بلدي، مما دفعني أكثر للبحث والقراءة في أعماق التاريخ الوطني.

ZINEDINE ZEBAR / AFP
تمثال عبد الحميد بن باديس، مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في مدينة قسنطينة شرق الجزائر، 17 أبريل 2015

فكنت إذا اهتممت بأي شخصية تاريخية أقوم بالاقتراب منها روحيا، الى درجة أني أطرح عليها الأسئلة في حديث داخلي عميق جدا. قد يبدو الأمر مبالغا فيه إلى حد ما، فشخصية مثل ابن باديس شخصية مركبة جدلية شكلت نقاشا سياسيا ودينيا كبيرا طيلة عقود من الزمن، نحتفل سنويا بعيد العلم الذي يصادف يوم وفاته، كيف استطاع رجل واحد مثل ابن باديس أن يصنع كل هذا الزخم؟ الاجابة عن هذا السؤال تطلبت مني بحثا متكاملا في كل مراحل حياة بن باديس من ميلاده الى وفاته، واستلزمت مني  تحقيقا صحافيا اعتمد على مساءلة التاريخ والالمام بكل الجوانب التي رافقت هذه الفترة من اقتصاد ونظم سياسية وبنى اجتماعية وبيئة اثنوغرافية ووسائل النقل وتطورها حتى اللهجات وتطورها.

حين أقرأ، دائما ما أبحث عن القصة داخل التاريخ وهو رهاني الحقيقي الذي رفعته منذ البداية، الرهان الحقيقي ليس تحويل التاريخ إلى قصة مثلما نشاهده في غالبية الأعمال التاريخية الكبرى، لا، فداخل التاريخ هناك عشرات القصص، وفي حياة الشخصية الواحدة عشرات القصص، لذلك رهاني هو البحث عن القصة داخل التاريخ، ولا يمكن النجاح في هذا الرهان إلا بفهم ومعرفة كل التفاصيل التي تحيط بالشخصية التاريخية، وهذا ما يستلزم تعبا كبيرا وإحساسا أكبر بشخصية مثل ابن باديس.

بين الدراما والتوثيق

في فيلمك الأخير عن أحمد باي بن محمد الشريف، حاولت الاقتراب من إحدى الشخصيات الإشكالية في التاريخ الجزائري. كيف تعاملت مع التوتر بين الأمانة التاريخية ومتطلبات الدراما؟

نعم، يكون الأمر في غاية التعقيد والحساسية، خصوصا حين يتعلق بأحد أبرز رموز المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، أحمد باي. لكن دعني أخبرك سرا، لقد كتبت فيلم أحمد باي قبل أن أكتبه. ففي سنة 2013 اتصل بي الأستاذ عز الدين ميهوبي لتحويل إحدى مسرحياته إلى عمل درامي تاريخي ملحمي بعنوان "المروحة والداي"، كلفني الأمر ثمانية أشهر بحثا وكتابة، قرأت في تلك الفترة كل ما كتب عن تلك المرحلة التاريخية محليا ودوليا، قرأت حتى صراعات أوروبا وبدايات تشكل اليمين واليسار في الغرف المظلمة وعلاقته بتاريخنا الوطني، مسلسل من ثلاثين حلقة بمعدل 52 دقيقة للحلقة الواحدة.

القصيدة شاخت ولم تعد تحتمل قوة الشعر الذي انتقل إلى الرواية والمسرح والسينما والرقص

وبعد أسبوع اتصل بي الشاعر ابراهيم صديقي يتوسط لصالح السيدة سميرة حاج جيلاني لغرض إعادة كتابة سيناريو حول أحمد باي لمناسبة الحدث الثقافي الكبير، "قسنطينة عاصمة الثقافة العربية". في الحقيقة ترددت في البداية، أخبرت ابراهيم أني متعب وبحاجة الى شطر من الراحة، ويتعذر علي الالتزام، فسافر إلي ابراهيم والسيدة سميرة وانطلقنا، قدمت السيناريو وتمت الموافقة عليه دون أي ملاحظة تاريخية أو فنية، وفي هذه المناسبة أحيي المنتجة سميرة حاج جيلاني التي عانت الكثير من أجل تحويل الفيلم من الورق الى الشاشة، ونجاح الفيلم توقف في كل محطاته على مدى صبر وعزيمة سميرة.

عطفا على سؤالك، فإني انطلقت في كتابة العمل بحذر شديد. فالعمل يمر على مطبات تاريخية وسياسية كثيرة جدا، ألغام يصعب تفكيكها حاليا. ستتفكك بالتأكيد لكن لاحقا، فالزمن جزء من الحل. أحمد باي في النهاية إنسان، كان علي أن أعمل على تقريب هذه الشخصية إلى الجمهور. كيف استطاع أحمد باي أن يقاوم؟ هذا هو السؤال الكبير. من أجل أقدم إجابة بصرية، ركزت على لحظات الضعف والخوف التي عاشها الإنسان أحمد باي، تلك التمزقات التي لو تعرض لها الآخرون لاستسلموا بسهولة، لكن أحمد باي كان قويا في مواجهة لحظات الضعف، متماسكا في لحظات الخوف، لذلك كانت المقاربة هي أن يقف أحمد باي بين لحظات الضعف ولحظات القوة في المنتصف وعلى مسافة واحدة. لكنه يقرر أن يواجه الخوف حتى يتمكن من مواجهة العدو، أن ينتصر على هشاشته كإنسان قبل أن ينتصر على صلابة وجبروت المستعمر.

FETHI BELAID / AFP
زوار يتأملون لوحة تعود إلى عام 1856 تجسد أحمد باي، حاكم تونس في عهد الدولة الحسينية، خلال معرض في قصر السعيد بضواحي تونس، 25 نوفمبر 2016

فمن غير الممكن أن يكون أحمد باي قد نجح في مواجهة العدو دون أن ينجح في مواجهة الأسئلة الكبرى التي طرحها في داخله. من هنا يأتي دور السينما التاريخية الجديدة في بناء وعي جديد، يقوم على عدم تمجيد البطل من الخارج فقط، بل على وضع البطل في سياقة الاجتماعي والسياسي والنفسي لتظهر عبقريته التي تنطلق من قوة داخلية رهيبة. وهذا ما اعتمدته في الأفلام السبعة التي قدمتها للسينما التاريخية في بلدي، رغبة مني في تقريب صورة البطل من الجمهور. أحيانا تكون المسافة بينهما صفرا في لحظات الضعف الإنساني، فالاكتفاء بتمجيد البطل من الخارج من شأنه أن يضع مسافة كبيرة بين الجمهور والبطل، فيضع الجمهور البطل في مخيال ميتولوجي أشبه ما يكون بالأسطورة التي لا تتكرر، حينها سيعجز الحاضر عن إنتاج رموزه الجديدة.

REUTERS/Zohra Bensemra
مشهد لجزء من الميناء من أحد أسطح المدينة القديمة، القصبة، في الجزائر العاصمة، 25 أكتوبر 2015

ثم إن السينما التاريخية في بلد كالجزائر مغامرة صعبة جدا، لذلك كان الرهان الأصعب هو كيف يمكن تقديم فيلم يوازن بين ما تتطلبه السينما وما يتطلبه التاريخ وما ينتظره الجمهور، هذا ما ركزت عليه كثيرا في كل الأعمال التاريخية التي أنتجت أو تلك التي لم تنتج بعد.

اختلافات

كتابة السيناريو تختلف جذريا عن كتابة الشعر أو الرواية. ما الذي تعلمته من هذه المغامرة السينمائية؟

أن تكتب رواية، فأنت تستهدف قارئا، وأن تكتب سيناريو فأنت تستهدف قارئا أيضا، لكن الفرق هو أن الأول يقرأ على الورق والثاني يقرأ على الشاشة، الأول يساهم في تحويل الحروف والجمل إلى مشاهد متخيلة، والثاني يستقبل المشاهد التي يفرضها عليه السيناريو والمخرج.

رهاني الحقيقي هو البحث عن القصة داخل التاريخ، لا تحويل التاريخ إلى قصة، فداخل حياة الشخصية الواحدة تكمن عشرات الحكايات

 إذن، الأول يتخيل الحكاية، والثاني يراها. لذلك، الرهان الأصعب بالنسبة لي هو كيف يمكن السيناريو ألا يقضي على المشاهد، أن يترك له فرصة للمشاركة في ما يشاهد. لكن قبل كل هذا، يظل السيناريو هو ورقة الطريق الأهم، ويظل السيناريست هو المخرج الأول للفيلم، فالسيناريو هو النص الذي يوجه بدرجة أولى الى فريق عمل وانتاج عكس الرواية التي توجه مباشرة الى القارئ

غلاف "قديشة"

حماية الذات من ضجيج الخارج

يشعر كثير من الكتاب اليوم بأن المشهد الثقافي العربي أصبح محكوما بضجيج الجوائز ووسائل التواصل. كيف تنظر إلى هذه التحولات؟

نعم، أصبحت الجوائز ختم صدقية لهذا الكاتب أو ذاك، وهي لا تخلو أبدا من اعتبارات سياسية وأيديولوجية، لكن الأسماء التي تقدمها الجوائز في النهاية هي أسماء محترمة وتكتب بشكل معقول جدا. غير أن الأسماء الكثيرة التي انتشرت في الساحة الثقافية العربية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لم تمر عبر نضال ثقافي ميداني يمنحها المشروعية اللازمة للإضافة. أتحدث عن الشعر مثلا، لقد تداخلت التجارب الشعرية ولم نعد نميز بين هذا الشاعر أو ذاك، الشعراء العرب يكتبون قصيدة واحدة بمفردات متقاربة ونفس شعري مرتبك جدا، فما يقوله شاعر تونسي شاب هو ما يقوله شاعر عراقي وسوري ومصري وجزائري..

العزلة ضرورية لترتيب أولويات الذات في لحظة تتعرض فيها لفوضى الخارج، وهي تمنح الكاتب فرصة للتواصل مع عالمه الداخلي الصامت

لقد انخرط شعراء التواصل الاجتماعي في شخصية القصيدة الواحدة وألغوا أي مسار ثقافي يكون شخصية كل شاعر منهم. لقد انهارت الوحدة الموضوعية للنص، بل وانهارت الوحدة البنيوية للبيت الواحد. تسمع شطرا جميلا ثم شطرا أجمل، وحين تحاول أن تربط بينهما لا تجد أي حلقة وصل، وحين تقرأ البيت التالي لا تشعر أن له علاقة بالبيت السابق، ولهذا علاقة مباشرة بانهيار البنى الثقافية والفكرية العامة والخاصة التي تصنع التمايز والاختلاف. لقد تجاوزنا فكرة موت المؤلف إلى موت المؤلف (فتحة فوق اللام).

REUTERS/Zohra Bensemra
رجل يسير في أحد أزقة القصبة في الجزائر العاصمة، 25 أكتوبر 2015

 هل يحتاج الكاتب أحيانا إلى نوع من العزلة كي يحمي مشروعه الإبداعي من الاستهلاك الإعلامي؟

نعم، العزلة في مرحلة ما ضرورية جدا، لكنها لن تكون مهمة إذا كانت نمط حياة. العزلة تمنحنا فرصة وحيدة لترتيب أولويات الذات في لحظة تتعرض فيها الذات لفوضى الخارج، بل تعالجها في لحظة تكون فيها مهددة بزيف العالم الخارجي. لذلك من المهم بالنسبة للكاتب أن يستسلم للعزلة التي تطلبه وتسيطر عليه، فيمنح فرصة للتواصل مع عالمه الداخلي، بأن يفتح ممرا صامتا يصرخ فيه الأنين وتتعالى فيه أصوات الذات المقموعة بسياط المجتمع والتاريخ.

font change

مقالات ذات صلة