المنظّر الفرنسي جاك أومون يجيب "المجلة": أين أصبح صنع السينما وتلقيها في عالمنا الراهن؟

كيف تؤثر التطورات الرقمية على الفن السابع؟

wikipedia
wikipedia
جاك أومون

المنظّر الفرنسي جاك أومون يجيب "المجلة": أين أصبح صنع السينما وتلقيها في عالمنا الراهن؟

في عالم السينما الشاسع، قلة هي الأصوات القادرة على تسليط الضوء بدقة وعمق على أسرار هذا الفن المعقد. يجسد جاك أومون، الناقد والمنظّر الفرنسي البارز، هذه الشخصية الفريدة التي ينير فكرها نظرتنا إلى الصورة المتحركة. على مدى عقود قدم من خلال أعماله فحصا دقيقا للآليات والمشاعر والقضايا التي تنبثق وراء كل لقطة، كل مونتاج وكل سيناريو، راسما بذلك خريطة فكرية حقيقية للسينما المعاصرة.

يندرج هذا اللقاء ضمن التقليد الراقي الذي يجمع بين التحليل والتعبير، حيث تغتني النظرية بحساسية حية، ويتحول النقد إلى دعوة لإعادة اكتشاف جوهر السينما ذاتها. بدقة صارمة وعلمية مبسطة، يأخذنا جاك أومون إلى عمق النظرة، مستجوبا طبيعة الصورة ذاتها، وقوتها، وذاكرتها وغموضها.

في هذا الحوار، الذي جاء بعد صدور ثلاثة أعمال له باللغة العربية عن "دار جسور الثقافة" (بالتعاون مع مبادرة ترجم)، يبادر أومون إلى طرح تساؤلاته الراهنة، وأفكاره حول التحولات التكنولوجية والثقافية التي تعصف بالسينما، إضافة إلى رؤيته لفن في حالة تطور دائم.

السينما كنظرية وممارسة

في كتابك "نظريات السينمائيين"، تستكشف الأفكار والنظريات الخاصة بالمخرجين أنفسهم. كيف تؤثر نظريات هؤلاء في تلقي أعمالهم، وفي فهمنا للسينما عموما، خصوصا مع تصاعد حضور "الإحالة الذاتية" في الخطاب السينمائي؟

لا أظن أن "النظريات" التي عبر عنها بعض السينمائيين كان لها تأثير كبير، فهي لا تعرف إلا لدى جمهور محدود يتكون غالبا من عشاق السينما أو الأكاديميين الذين تكون مقاربتهم للسينما فكرية جدا في الأصل. أما لدى الجمهور العريض فلا أعتقد أن لها أي أثر يذكر.

من ناحية أخرى، كان مما لفت انتباهي حين ألفت هذا الكتاب، اتساع الفوارق بين هذه المشاريع النظرية المتعددة والاختلاف في النبرة: بعضها يميل إلى الشعرية مثل جان إبستاين، وبعضها يأتي في صيغة شذرات أو حكم كما لدى روبير بريسون، وبعضها متصلب ودوغمائي مثل دزيغا فيرتوف، إلخ. كما أن هناك اختلافا في التماسك أيضا، فقلة من السينمائيين يخصصون وقتا وجهدا كبيرين لبناء نظرية، وغالبا ما تكون كتاباتهم ملاحظات متفرقة لا ترمي إلى بناء نظرية شاملة، وهذا تحديدا ما يجعل دراسة نظريات السينمائيين ممتعة: كيف يفكر المرء في فنه حين يكون أستاذا فيه؟ على أي مسافة يقف من العمل الذي هو في صدد إنجازه في الوقت نفسه؟ ما نوع الصدى بين الخطاب النظري والعمل الفيلمي؟

تمنح التقنية الرقمية المونتاج طبيعة أقل مادية في جوهرها، لكن هذا لا يعني أنها تجعلنا نفكر أقل. ربما يمكن تشبيه الأمر بالفرق بين نص مكتوب باليد وآخر مكتوب على الحاسوب

تعد "الإحالة الذاتية" (mise en abyme) سمة شائعة في السينما المعاصرة، لكنها تختلف قليلا عن تطبيق نظرية، فهي نوع من اتخاذ مسافة يمكن أن يظهر بصور متعددة، وأكثر صوره شيوعا وبساطة في رأيي هو التلميح إلى عملية تصوير الفيلم، وهذا بلا شك يجعل المشاهد أكثر نقدا إزاء الفيلم، لكنه لا يقدم له تفكيرا نظريا.

غلاف كتاب "نظريات السينمائيين"

تميز في تحليلاتك بين "اللقطة" بوصفها مسؤولة تجاه العالم، و"الصورة" بوصفها مسؤولة تجاه ذاتها. على أي أساس تضع بينهما هذا التمييز؟

إنه تمييز يعود إلى تاريخ التفكير في فن التصوير (الغربي التمثيلي): في لوحة مرسومة، لنقل قبل القرن العشرين، كان المتلقي يتلقى معا تمثيل جزء من العالم (حقيقيا أو متخيلا كما في السينما) ومادية الصورة، أي حضور طبقة الطلاء وأثر الفرشاة الذي أعطاها شكلها. وهذه تقريبا هي الازدواجية التي مارستها السينما بعفوية: من جهة نمثل جزءا من العالم داخل إطار، ومن جهة أخرى نتيح إدراك المادة (الفوتوغرافية) للصورة. غير أن الإطار الفيلمي مختلف عن إطار اللوحة، لأن الإطار في فن زماني يمكن أن يكون هو نفسه متحركا، أو أن يتيح دخول أشكال متحركة إلى الكادر وخروجها منه. وكذلك فإن مادة الفيلم تختلف كثيرا عن مادة اللوحة: فهي لا تلمس، حتى في التخيل، وإن كان بعض الأفلام، ولا سيما التجريبي، قد حاول أن يمنح الإحساس به.

علاوة على ذلك توجد أفلام لا نجد فيها حقا "لقطات" بالمعنى التقليدي (أفلام الوميض، الأفلام المرسومة، والأفلام المحفورة على الشريط…)، كما توجد أفلام تتخذ فيها اللقطات الطويلة جدا مظهرا مختلفا كليا كأفلام اللقطة الواحدة (One take).

AFP
صورة من السبعينيات للفنان الأميركي مان راي (1890–1976)، أحد أبرز رموز الدادا والسوريالية، اشتهر أساسا بالتصوير الفوتوغرافي واشتغل أيضا في الرسم والنحت والكولاج

نادرة هي الأفلام التي تشتغل ماديا على مادة الشريط، ويمكن أن نذكر منها أفلاما تضع على الشريط أصباغا ملونة (كما في أعمال ستان براكهايج التجريدية في أواخر حياته)، أو تدرج عناصر أكثر ملموسية (مثل أجنحة الحشرات لدى المخرج نفسه في فيلم "ضوء العث" Mothlight))، أو تكتفي بأثر مثل هذه العناصر (كما في "العودة إلى العقل" (Le Retour à la raison) لمان راي).

تشير إلى أن المونتاج الرقمي يخلق علاقة أكثر "جدولية" بالعمل، ويحد من التدخلات الذهنية العميقة. كيف انعكس ذلك على ممارسة المونتاج نفسها، وعلى إدراكنا للفيلم بعد اكتماله؟ وهل لا يزال المونتاج فنا مستقلا في العصر الرقمي؟

لا أظن أنني فكرت في ذلك. تمنح التقنية الرقمية المونتاج طبيعة أقل مادية في جوهرها، لكن هذا لا يعني أنها تجعلنا نفكر أقل. ربما يمكن تشبيه الأمر بالفرق بين نص مكتوب باليد وآخر مكتوب على الحاسوب: قد يختلف الإحساس من الناحية الجسدية، لكن علاقتنا بالنص الذي نقرأه تظل من الطبيعة الذهنية نفسها.

لست متأكدا أيضا من أن المونتاج كان يوما "فنا قائما بذاته"، ففي الغالبية الساحقة من الأفلام يخضع المونتاج لتحديدات سابقة: سردية (عليه أن يساعد في فهم ما يجري)، أو إيقاعية (أسرع أو أبطأ، أكثر انتظاما أو أقل)، أو حسية محضة (وصلات يشتغل عليها تشكيليا بالتشابه على سبيل المثل أو بالفارق الكبير بين الصورتين الموصولتين).

بصورة أدق، يوجد فن للمونتاج (وتوجد فروق كبيرة بين السينمائيين من هذه الناحية)، لكن لا يوجد مطلقا مونتاج بوصفه فنا مستقلا إلا في بعض التجارب التجريبية مثل أفلام بيتر كوبيلكا. وحتى عند منظّري المونتاج مثل إيزنشتاين أو ڤفيرتوف، لا يعامل المونتاج البتة كفن مستقل منفصل عن إشكالات التمثيل، فهذان الكاتبان لا يطالبان للمونتاج إلا بحق التحرر من أي استمرارية سردية.

السينما المعاصرة وتحدياتها الجديدة

تقول إن بعض المخرجين الشباب اليوم يضعون أفلامهم داخل "عالم من الصور" فتغدو الحدود بين الصورة والواقع ضبابية. ما الأثر الفلسفي والجمالي لهذا التوجه؟ وهل يعني ذلك إعادة نظر في أحد أسس السينما الكلاسيكية، أي صلتها بالواقع الفيزيائي؟

إن الاتجاه إلى صناعة سينما "قائمة على الصورة" موجود بالفعل، ويمكن أن نجد بعض السينمائيين الذين مثلوه خير تمثيل (ليوس كاراكس في فرنسا، تساي مينغ-ليانغ في تايوان، وأبيشاتبونغ ويراسيتاكول في تايلاند…) أو الذين كيفوه مع مقتضيات السوق (كما في بعض أفلام دينيس فيلنوف).

Mike Coppola / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
المخرج الكندي دينيس فيلنوف خلال حضوره حفل توزيع جوائز الأوسكار الـ97 في مسرح دولبي، هوليوود، 2 مارس 2025

غير أنه ليس اتجاها غالبا، فمعظم الأفلام المنتجة حاليا (أي رقميا في طبيعة الحال) واقعية من حيث صورتها: قد تكون هذه الصورة معالجة بدرجات متفاوتة، لكنها تظل في المقام الأول تمثيلا لواقع (أو لمتخيل). وفي حال وجدت مؤثرات الصورة، غالبا ما تهدف في معظم الأفلام إلى إبراز ملمح من ملامح التمثيل، ونادرا ما تكون موجودة لذاتها بوصفها أشكالا مجردة مقطوعة الصلة بتشخيص الواقع.

نمط التوزيع على طريقة "نتفليكس" أحدث مستجدات كبيرة في وضعية المشاهدة، فمشاهدة فيلم في البيت تخلق علاقة أكثر تباعدا ومسافة مع الفيلم

علاوة على ذلك، أجد من الأصعب استخلاص مسار بسيط وخطي لتطور الأسلوب المهيمن في الأفلام، فالمخرجون والمخرجات المعاصرون يمتلكون، مع الوسائط الرقمية، أدوات يسيرة للاشتغال على الصورة أثناء التصوير، وأكثر من ذلك في مرحلة ما بعد الإنتاج، كما أن معظمهم مطلعون على تاريخ السينما. لذلك يستطيع مخرجون لأفلام شباك التذاكر مثل بونغ جون-هو أن يلتقطوا من تاريخ السينما، من هنا وهناك، إلهامهم الشكلي.

Dia Dipasupil / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
آني بيكر وليوس كاراكس خلال عرض فيلم "لستُ أنا" في مهرجان نيويورك السينمائي الـ62، مسرح والتر ريد، نيويورك، 2 أكتوبر 2024

لذلك يلجأ المخرجون والمخرجات اليوم إلى مدى أسلوبي واسع جدا، ولا أشعر أنني قادر على تلخيصه أو توصيفه ببساطة. كان ذلك صعبا أصلا في زمن ما سمي "السينما الحديثة"، لكنه اليوم يكاد يكون مستحيلا. ثمة ذخيرة ضخمة من الأشكال يستطيع كل واحد أن ينهل منها ما يراه ملائما للمشروع الذي ينجزه، وغالبا من دون الاهتمام بتاريخ هذا الشكل أو ذاك (فالزوم إن على سبيل المثل كان عند ابتكاره إجراء أسلوبيا شديد الدلالة، وهو اليوم حاضر في كل مكان).

غيرت منصات البث الرقمي طريقة وصولنا إلى السينما، فوفرت تنوعا واسعا من الأفلام، لكنها غيرت أيضا الطريقة التي نستهلك بها هذه الأعمال. إلى أي حد تغير وفرة الاختيار وسهولة التنقل بين العناوين طبيعة التلقي؟

يصعب إعطاء جواب حاسم عن هذا السؤال، وهو سؤال مهم وراهن لكنه لا يزال جديدا نسبيا إلى حد لا يسمح بتقديم حصيلة واضحة. يبدو لي جليا أن نمط التوزيع على طريقة "نتفليكس" أحدث مستجدات كبيرة في وضعية المشاهدة، فمشاهدة فيلم في البيت (أو أثناء السفر) على شاشة أصغر من شاشة السينما ومع إمكان التحكم في العرض (يمكن أن يشاهد المرء نصف الفيلم ثم يكمل الباقي في اليوم التالي إن شاء)، تخلق علاقة أكثر تباعدا ومسافة مع الفيلم. أما مشاهدة فيلم في صالة السينما، حتى إن لم يكن المرء شغوفا بما يرى وبقي قليلا على الهامش، فهي تظل وضعا يكون فيه ساكنا في الظلام، والأهم أنه خاضع لزمن الفيلم. وهذه النقطة الأخيرة هي الفارق الأساسي في نظري، وهو نفسه تماما الفارق بين حضور حفلة موسيقية والاستماع إلى تسجيل للحفلة ذاتها. نربح كثيرا من المرونة والمسافة ونخسر من الانخراط الحسي، وقبل كل شيء تتبدل التجربة الزمنية تبدلا كبيرا. لذلك يبقى من المهم الحفاظ على هذه التجربة عبر الذهاب لمشاهدة بعض الأفلام في السينما (والاستماع إلى بعض الموسيقى في الحفلات…). من اللافت أيضا إعادة مشاهدة فيلم في البيت بعد رؤيته في الصالة (والعكس صحيح)، لأن ذلك يبرز دائما الفارق الكبير في الوضعية التي نشغلها كمشاهدين في كلتا الحالتين.

مع ذلك، أرى أن المسافة عنصر مكون من تجربة المشاهدة، وخلافا لما كانت تؤكده نماذج المشاهد السائدة قبل أربعين أو خمسين عاما، فإن مشاهد الفيلم، حتى في الصالة المعتمة، لا يندمج في الفيلم إلى حد يفقد معه كل إحساس بالعالم الواقعي، وربما كل قدرة على الحكم. قد تكون هناك أحيانا لحظات انفعالية تفلت جزئيا من سلطان العقل، لكن قناعتي الشخصية أن المشاهد في المجمل يحتفظ إزاء الفيلم الذي يشاهده (وهو يشاهده فعلا ولا يكتفي بأن يراه) بوجهة نظر نقدية ولو في حدها الأدنى، ويبدو ذلك أوضح لدى المشاهدين الشباب اليوم الذين، حتى إن ذهبوا إلى الصالة، اعتادوا مشاهدة الأفلام من مسافة أبعد ولديهم أيضا ثقافة أوسع بكثير حول شروط إنتاج الفيلم. وكثيرا ما رأيت شبابا، أمام أفلام تكثر فيها المؤثرات الخاصة (وغالبا ما تكون أفلام أبطال خارقين أو كائنات فضائية)، يعلقون قبل كل شيء على كيفية إنجاز هذه المؤثرات بدلا من التعليق على أحداث الفيلم الطفولية إلى حد ما.

مع صعود المنصات وتطور التقنيات، كيف تتصور مستقبل السينما؟ هل سيبقى الاستثمار في العرض على الشاشة الكبرى محورا أساسا، أم أن الصيغ الرقمية والتجارب الغامرة مثل الواقع الافتراضي ستغير صناعة الأفلام واستهلاكها على نحو حاسم؟

أرجو المعذرة، لكنني لا أخاطر بالتنبؤ بالمستقبل، فهذه لعبة نخسر فيها دائما. كل ما يمكنني قوله هنا أنني لا أتوقع نموا مهما للواقع الافتراضي، على الأقل في صورته التقنية الحالية، إذ يتطلب عتادا ثقيلا جدا مقابل نتيجة غالبا مخيبة.

تكفي قراءة تعليقات المشاهدين على الإنترنت ليتضح كم تتنوع ردود الفعل تجاه فيلم واحد من دون أن تكون بلا مبرر، لأن الدوافع تبقى في نهاية المطاف فردية

السينما فن في بعض الحالات ولدى بعضهم، لكنها أيضا صناعة واقتصاد ووسيط مجتمعي. حتى الآن، بما في ذلك "نتفليكس"، استطاع اقتصاد السينما أن يجد طرقا لتجديد نفسه كي يستمر (ولا شيء يضمن استمرار ذلك في المستقبل). ومن بين مستجدات السينما خلال نحو العشرين سنة الماضية في رأيي، ازدياد حرصها الواضح على الحديث عن المجتمع الذي تنتج فيه، وغالبا لانتقاده (ويظهر ذلك في تجليات النسوية، مناهضة الاستعمار، الاهتمام بالأقليات، مناهضة الرأسمالية وغيرها، في كثير من سيناريوهات الأفلام المعاصرة وفي اختياراتها الإخراجية).

المادة السينمائية وتجربة المشاهد

في كتابك "مادة الصور" تتحدث عن "المادة السينمائية" بوصفها تفاعلا بين الفيلم والضوء والشاشة. كيف يتداخل هذا الثلاثي لصنع تجربة غامرة؟ وكيف يتبدل معنى الانغماس مع تطور وسائل العرض من القاعة إلى البث الرقمي؟

إن فكرة "مادة الصورة" (matière d'image) في السينما مجازية إلى حد ما: فهذه "المادة" (matière) تفتقد الصفة الأولى للمادة، إذ لا تلمس ولا شيء فيها صلب. وقد اقترحت هذا المصطلح، وفيه شيء من الاستفزاز، لأؤكد أن الفيلم لا ينحصر في معطياته السردية (الموضوع، المحتوى، الحكاية…) وأن حتى أفلام الحركة أو الأفلام "ذات الرسالة" تحتوي، هي الأخرى، على صور تؤثر في متفرجيها تأثيرا حسيا.

سبق أن ذكر أعلاه المونتاج قليلا، والآثار التي يولدها بإيقاعه وسرعته وبطاقته على القطع أو، على العكس، على الرتق، غير أن إحساس المادة الذي تمنحه الصورة يمر كذلك عبر التأطير (الكادر)، وتوزيع الضوء والظل، والملامس البصرية، إلخ. أي إن "مادة الصورة" هي أثر لعمل المخرج الذي يفترض به تنسيق الكل والسهر عليه، لكنها أيضا ثمرة عمل مصمم الديكور، ومدير التصوير، ومصمم الأزياء… وثمرة المختبر الذي يظهر النسخة النهائية (أو، في الرقمي، مرحلة ما بعد الإنتاج وخياراتها الأكثر حسما مما هي عليه في السينما الفيلمية).

غلاف كتاب "مادة الصور"

لا أعتقد أن "مادة الصورة" عامل من عوامل الانغماس في الفيلم، إلا في حالة أفلام شديدة التأمل، ومع مشاهدين مستعدين لقبول هذا النمط الخاص من الرؤية. وهي بالأحرى، كما في فن التصوير (ومن هناك جاءت الفكرة)، عامل للتباعد إزاء المشاعر والأحاسيس التي يثيرها السرد. وقد لعب سينمائيون مثل ويس أندرسون أو هو هسياو-هسين بهذا الإمكان لعبا لافتا، إذ يروون حكايات (أكثر لا واقعية قليلا في حالة الأول) تصحبها صور شديدة الحضور بذاتها. والنتيجة نوع من ازدواج الانتباه لدى المشاهد: فهو يتابع الحكاية وربما يتأثر بالمواقف أو بالشخصيات، لكنه يتلقى في الوقت نفسه الأحداث التشكيلية الخالصة التي تمر تحت عينيه.

أما رأيي في هذه المسألة فهو أن هذه الخاصية صمدت جيدا أمام الانتقال إلى الرقمي، مع آثار تختلف قليلا في مظهرها، لكنها من الطبيعة نفسها. يعد البكسل، مثل حبيبات الفيلم، قريبا بعيد القرابة من أثر الفرشاة في التصوير.

تصف السينما كمكان لتبادل الحركات والانفعالات، قريب من الحلم وواقع بين عالمين متخيلين. كيف يغير هذا التصور دورنا كمشاهدين؟ وهل تصبح المخيلة جزءا من إنجاز العمل، أم أن التمثيل السينمائي هو الذي يعيد تنظيم الواقع لنا؟

كانت هذه فكرة رائجة جدا منذ خمسين عاما، لكنها لم تقنعني قط. فهناك فروق كثيرة بين نمط الحلم ونمط الفيلم، ولا سيما يقظة مشاهد الفيلم المستمرة ووعيه الدائم بأنه يشاهد عرضا لا يسيطر عليه، لكنه ينبغي له أن يبذل جهدا لفهمه ومتابعته، في حين أن الحلم يفلت تماما من إرادتنا.

Joaquin SARMIENTO / AFP
المخرج الإيراني عباس كيارستمي خلال زيارته مهرجان قرطاجنة السينمائي الـ54، 16 مارس 2014

أن يكون خيالنا "في حالة اشتغال ليتولى متابعة العمل"، فذلك، على الأرجح، صحيح. وأفضل دليل على هذا، أن كل مشاهد يتلقى فيلما بعينه على نحو يخصه، لأنه يكيف هذا الفيلم ليتناسب مع عالمه الذهني والنفسي الشخصي. ينطبق الأمر نفسه على قارئ الروايات، بل وحتى، إلى حد ما، على قارئ النصوص المجردة. أما التمثيل فهو بالفعل "يعيد تنظيم الواقع" إلى حد ما، لكنه لا يستطيع إلا أن يقترح هذا التنظيم لا أن يفرضه. فالمشاهد حر دائما في أن يرى في فيلم ما شيئا غير ما كان ينطوي عليه مشروع المنتج والمخرج، بل وحتى شيئا غير ما ينقله الفيلم نفسه. وتكفي قراءة تعليقات المشاهدين على الإنترنت (غير المحترفين في النقد) ليتضح كم تتنوع ردود الفعل تجاه فيلم واحد من دون أن تكون بلا مبرر، لأن الدوافع، وإن تأثرت بالأيديولوجيات السائدة، تبقى في نهاية المطاف فردية.

AFP
المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك (1899–1980) خلال مؤتمر صحافي في باريس لتقديم فيلمه الأخير "سايكو"، 18 أكتوبر 1960

قمت أخيرا بتحليل أهمية "التفصيل الكاشف" الذي قد يبدل معنى المشهد بحركة بسيطة أو عنصر صغير. كيف تقيم اشتغال بعض السينمائيين المعاصرين على تفاصيل دقيقة – بصرية أو سردية – تبدو هامشية لكنها ضرورية لفهم الفيلم ككل؟

لا أرى فرقا جوهريا بين السينما المعاصرة وسينما الماضي. فقد بنى سينمائيون مثل هيتشكوك أو فريتز لانغ جزءا من شهرتهم، من بين أمور أخرى، على حرصهم على الإكثار من التفاصيل الدالة في أفلامهم. ويمكن أن نجد طرائق مماثلة لدى مخرجين ذوي جمهور واسع مثل ستيفن سبيلبرغ، أو لدى مخرجين يخصون عشاق السينما مثل فيكتور إريثيه أو عباس كيارستمي.

Rodin Eckenroth / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلال حضوره حفل جوائز AFI في لوس أنجليس، 9 يناير 2026

التفصيل جزء لا مفر منه من عمل التحضير وإنجاز الفيلم، وقد عرف ذلك جميع السينمائيين الجادين ويعرفونه. وكلما صقلت التفاصيل (حتى تلك التي لا ترى بسهولة للوهلة الأولى) ازداد الفيلم متانة وإثارة للاهتمام. صحيح أن كثيرا من المشاهدين لن يدركوا كل الدقائق التي ينطوي عليها هذا العمل، لكن حضورها مع ذلك يؤثر في تلقيهم للفيلم، فالجميع تقريبا حساسون لكون الفيلم غير مشتغل عليه تفصيليا: عندها سيبدو لهم "خاما" أو قليل الإتقان.

جماليا، تصبح إعادة استعمال أعمال الماضي مثيرة للاهتمام حين لا تكتفي باستنساخها، بل تضيف إليها شيئا

أما "التفصيل الكاشف" (détail révélateur) ففكرة أخص: إنه تفصيل يؤدي دورا حاسما في الحبكة، عادة بوصفه مفتاحا لحل لغز. وقد يكون هذا اللغز معلنا بوضوح، كما في الفيلم البوليسي، وقد يظل غير مفصح عنه، كما في كثير من الألغاز النفسية المتصلة بدوافع إحدى الشخصيات.

كثيرا ما تشيد بانتقالات اللقطات، مثل التلاشي التدريجي، بوصفها جزءا من خصوصية التجربة السينمائية. كيف تعمل هذه الانتقالات، رغم أنها قد تمر بلا انتباه، على توليد معنى ضمني أو إحساس محدد؟ وكيف يظهر ذلك في أفلام غودار وتاركوفسكي؟

إن الانتقال من لقطة إلى أخرى تجربة باتت مألوفة اليوم، لكنها في ذاتها تجربة فريدة: فهي لا تشبه ما نختبره في الحياة العادية، ولا تقع إلا أمام فيلم (أو ما يشبهه)، إذ يجري انتقال فجائي من زمكان إلى زمكان آخر.

روبير بريسون وأندريه تاركوفسكي على منصة مهرجان كان بعد فوزهما بالجائزة الكبرى للإبداع السينمائي عن "النقود" و"الحنين إلى الوطن"، 19 مايو 1983

وقد طورت السينما السردية، لكي تجعل هذه الانتقالات مقبولة ومفهومة بل وممتعة، طائفة واسعة من الأشكال والتقنيات. وفي بعض الحالات لا يكون "القطع" (cut)، أي الانتقال المباشر بلا وصلة، أقل فاعلية، وهو واسع الاستعمال اليوم. وفيلم مثل "المرآة" (بما أنك ذكرت تاركوفسكي) غني بانتقالات من مقطع إلى آخر على نحو لا ينتمي إلى منطق الوصل التقليدي، بل إن المقاطع نفسها تبنى غالبا وفق تقطيع لا يراعي كثيرا الانتقالات الناعمة، ويجعل تعاقب اللقطات محكوما بإيقاع عاطفي في الأساس (وهو ما يبدو جليا في أفلام مثل "سولاريس"، و"ستالكر"، و"أندريه روبلوف".

يندرج التلاشي ضمن مخزون أشكال الانتقال، وله خصائص قريبة من خصائص غيره. ومن سماته أنه يصعب أكثر أن يفلت من الانتباه. قد لا نلاحظ أننا انتقلنا من لقطة إلى أخرى في مشهد حواري، لكن إذا تم الانتقال بتلاش، فالأرجح أننا سنراه، ببساطة لأن ذلك لا يشبه إدراكنا الواقعي بالقدر نفسه.

Miguel MEDINA / AFP
المخرج السويسري جان-لوك غودار خلال تقديم فيلمه «الفيلم الاشتراكي» في باريس – 18 يونيو 2010، ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي

السينما والحوار بين الفنون

في دراساتك حول تاريخ السينما، تستكشف الترابط بين السينما وغيرها من أشكال الفن، مثل الرسم، والتصوير الفوتوغرافي، بل وحتى الرقص. بم يثري هذا الحوار بين الفنون فهمنا للسينما المعاصرة؟

لقد قدمت هذه "التبادلات" (échanges) الكثير للسينما بوصفها فنا بصريا. ومع ذلك، أعتقد أن الجزء الأهم من هذا الإسهام تحقق في عقد العشرينات، ذروة السينما الصامتة. فمن جهة كانت تلك السينما أكثر تركيزا على التأثيرات البصرية، ومن جهة أخرى لم نكن قد تخلصنا بعد تماما من فكرة الرسم بوصفه، في المقام الأول، فنا تمثيليا، وأخيرا كانت الفوتوغرافيا بدورها تعيش عقدا من التجارب على الصورة، ومادتها، وتصويريتها.

هذا لا يعني أن السينما قطعت صلتها تماما بالتصويرية، لكن منذ منتصف القرن العشرين لم تعد هذه الصلة علاقة معاصرة، لأن الفن المعاصر ابتعد كثيرا عن أي هيمنة للرسم، ولا سيما الرسم التشخيصي/التمثيلي، بين عامي 1950 و2000. صحيح أن الأمور تغيرت قليلا على هذا الصعيد، لكن عودة الرسم التمثيلي لا علاقة تذكر لها، في رأيي، بالسينما.

وعليه فإن "الحوارات" (dialogues) المحتملة هي من صنع سينمائيين ذوي حساسية تجاه فن الرسم، إما لأنهم مارسوه (أنطونيوني، تاركوفسكي، موريس بيالا، غودار…) وإما لأن ثقافتهم الخاصة تدفعهم إلى ذلك (كما لدى عدد من السينمائيين الآسيويين مثلا، من أكيرا كوروساوا إلى إيم كوون-تيك). لكن مرة أخرى، لا أرى من جهتي أن هذا الحوار ثر على نحو خاص في عام 2025، وحتى حين يستدعى، فإنه يجري وفق طرائق لا تختلف كثيرا عما قدمه تاريخ السينما في القرن الماضي.

Tobias SCHWARZ / AFP
المخرج التايواني تساي مينغ-ليانغ خلال عرض فيلم "أيام" في مهرجان برلين السينمائي الدولي الـ70 (برليناله)، برلين، 27 فبراير 2020

تناولت مفهوم "هجرة الصور"، الذي يشير إلى قيام الفنانين المعاصرين بتحويل الأعمال القائمة وإعادة توظيفها. هل تعد هذه النزعة إلى "إعادة استخدام" صور الماضي في سياق جديد فعلا إبداعيا قائما بذاته، أم أنها تعبر عن شكل من أشكال الإنهاك في وسائل التعبير السينمائي الأصيلة؟

الاقتباس، والإحالة، و"إعادة الاستخدام" (réutilisation) بكل أشكالها، ليست وليدة اليوم، ولا وليدة السينما. ثم إن فكرة "الهجرة" صيغت أصلا في سياق الرسم (لدى آبي واربورغ) للدلالة على عودات غير متوقعة لأفكار تصويرية من الماضي (وأحيانا من ماض بعيد منسي) داخل أعمال جديدة. وفي السينما كانت هذه الفكرة حاضرة دائما، بدءا بممارسة "إعادة صنع الفيلم" (remake). فإعادة صنع فيلم موجود تعني الإحالة إليه واقتباسه (ولو من دون التصريح بذلك)، واستخراج بنية منه أو عناصر حكائية أو أسلوب، ثم نقل ذلك بطريقة أخرى. وليس الأمر فكرة تخص السينمائيين وحدهم، إذ إن الصناعة السينمائية نفسها دفعت إلى عدد كبير من النسخ المعاد صنعها.

جماليا، تصبح إعادة استعمال أعمال الماضي مثيرة للاهتمام حين لا تكتفي باستنساخها، بل تضيف إليها شيئا. ومثالا—قد يكون شديد البساطة—نسخة "سايكو" (Psycho) المعاد صنعها من قبل غاس فان سانت عن فيلم هيتشكوك: فهي تلتزم إلى حد بعيد سيناريو الأصل، لكنها تغير بعض اختيارات الإخراج، وأولها افتتاحية الفيلم المصورة في لقطة واحدة متواصلة بدل مونتاج متعدد اللقطات كان يسمح بالاقتراب من نافذة غرفة الفندق ثم الولوج إليها.

بشكل عام، فإن الاقتباس الصريح (مثل إحالة "ميتروبوليس" (Metropolis) في فيلم "باريس لنا" (Paris Belongs to Us)) لا يؤدي الوظيفة نفسها، وربما لا يحمل القيمة نفسها، التي يحملها تقليد عنصر شكلي أو أسلوبي أو استملاكه فنيا. إن الحضور الصامت لأسلوب روبير بريسون في عدد من أفلام شتراوب، أو حضور أسلوب شانتال أكيرمان في بعض أفلام غاس فان سانت أو تساي مينغ-ليانغ، شكل من أشكال التكريم من مبدع إلى آخر—يتفاوت وضوحه لدى المشاهد. ولست مخطئا حين ترى في ذلك صدى غير مقصود لإجراءات أصبحت شائعة في الفن المعاصر: فهذا اليوم معطى يندرج ضمن إمكانات الخلق الفني.

الفنانون يحتاجون إلى مراعاة الشروط المادية والاقتصادية التي ينتجون في إطارها. وفي المقابل أدركت الصناعة منذ وقت مبكر أن من مصلحتها أن تروج لصورة عن السينما تجعلها تعتبر فنا

لا أظن أن ذلك يعني استنفادا من أي نوع، إذ يمكن المرء أن يكون أصيلا وهو يستعيد عملا قائما، ويعبره، ويحوله، ويكيفه، ويستملكه فنيا. فالعمل، في النهاية، نقطة انطلاق لا تقل اهتماما ولا إلهاما عن الواقع.

في تأملاتك حول السينما كفن، أشرت إلى مسألة تصنيف السينما. هل تعتقد أن هذا الميل الدائم إلى توصيف السينما كفن، يعيق بطريقة ما طابعها الطليعي وقدرتها على إعادة اختراع القواعد؟

لقد طرحت فكرة السينما بوصفها فنا أول الأمر (في عشرينات القرن الماضي) ردا على بداهة طابع تقنيتها الصناعي المحتمل، وعلى أهمية الميزانيات الكبيرة التي تستلزمها. وكانت هناك ثنائية ساذجة: من جهة، فيلم تنتجه شركة لا يهمها إلا جمهور جماهيري وأرباح كبيرة، ومن جهة أخرى عمل فنان فرد لا مال له ولا يعنيه أن يحظى بجمهور واسع. هذا التصور ساذج بعض الشيء، لأن الفنانين يحتاجون، مثل غيرهم، إلى مراعاة الشروط المادية والاقتصادية التي ينتجون في إطارها. وفي المقابل أدركت الصناعة منذ وقت مبكر أن من مصلحتها أن تروج لصورة عن السينما تجعلها تعتبر فنا.

وقد تيسر هذا المشروع إلى حد كبير بفضل ابتكار مفهوم "مؤلف الأفلام" (auteur de films) (على يد النقد الفرنسي في خمسينات القرن العشرين، ثم تبناه النقد في الولايات المتحدة). وقد رأينا منذ ذلك الحين كيف حرص المخرجون—الأوروبيون أولا، ثم الأميركيون والآسيويون—على الظهور بوصفهم المسؤولين الوحيدين، فكريا وفنيا، عن الأفلام التي ينجزونها. وليس في ذلك ما يدعو إلى الاستغراب حين يكون الأمر متعلقا بشخصيات أصيلة، مبتكرة وخلاقة، غير أنه يثير الدهشة أحيانا أن يشار إلى محض تقنيين في الإخراج بوصفهم "مؤلفين"، مع أنهم بالكاد يملكون أفكارا شخصية.

ومن الوارد جدا أن تكون هذه المسلمة الشائعة في طور الاستنفاد، لا لأنها موضع اعتراض، بل لأنها غدت تحصيلا حاصلا. فعندما ابتكرت فكرة "الفن السابع" نحو عام 1920، كانت فكرة سجالية لا تنطبق إلا على أقلية صغيرة من الأعمال السينمائية، أما اليوم فيفترض أن كل الأفلام أو جلها يمكن أن تندرج ضمن الفن. لذلك لم تعد هذه الصفة تمييزا، وفي رأيي لم يعد لهذا الوصف بوصفه "فنيا" معنى يذكر، ويجب البحث في مكان آخر عن الفروق الممكنة بين الأفلام المبتكرة والمغامرة (أو الطليعية إذا كنت تفضل هذا التعبير) وبين الأفلام الدارجة، الجيدة الصنع فحسب والممتعة. وهذا يفترض، في رأيي، ثقافة تاريخية وجمالية كانت طوال زمن طويل الموضوع الرئيس للدراسات السينمائية، لكنها لم تعد كذلك منذ نحو عقدين، إذ انزاحت هذه الدراسات عن محورها، وأصبحت اليوم تكاد تنحصر في قضايا المجتمع كما قلت أعلاه. وعليه يمكن، على مضض، أن نتوقع قدرا من تماثل الأساليب والأشكال، وندرة أكبر في الأصالة والابتكار الشكلي (آمل أن أكون مخطئا).

font change

مقالات ذات صلة