بيلا تار... "فيلسوف الزمن" ومجدد الحداثة السينمائية الغربية

العملاق الذي رسخ "جماليات القبح"

بيلا تار

بيلا تار... "فيلسوف الزمن" ومجدد الحداثة السينمائية الغربية

انطفأ مساء يوم الثلاثاء 6 يناير/ كانون الثاني 2026، قلب المخرج السينمائي المجري بيلا تار (1955 ـ 2026)، أحد رواد الفن السابع في العالم وعرّاب الحداثة السينمائية الأوروبية. ذلك أن بيلا تار، لم يصنف يوما في عداد أعلام السينما الترفيهية، بل قاده حسه الفلسفي المبكر إلى ارتياد عوالم سينمائية مدهشة تراهن على بشاعة الواقع وجرحه، بما يجعل المُشاهد، يجد نفسه أمام سينما كئيبة تطبعها مسحة من الحزن الوجودي المخيف. استطاع الراحل أن يؤسس لنفسه مسارا سينمائيا مغايرا يراهن على الاختلاف ويهجس بالتجريب. فالسينما بالنسبة له ليست ترميما تقنيا للصور ولا محاكاة للواقع ولا كشفا أخلاقيا لمباهج الذات وإنما موقف وجودي من العالم.

لذا فإن مشاهد أفلام من قبيل "اللعنة"(1988) و"الرجل القادم من لندن"(2007)، يجد نفسه أمام سينما مختلفة، سينما غير متعجلة في التقاط الصور وتدفق السرد، بل يحرص بيلا تار على أن تكون صوره السينمائية منتجة للمعنى، أي أنها سينما تُدخل المتفرج في عالم مليء بالكآبة والحزن، إذ تبدو دعامة قوية لإدانة الوجود وجرحه.

يعدّ بيلا تار من النماذج السينمائية الغريبة المغيّبة داخل العالم العربي، فهو وإن كان قد حضر أكثر من مرة وكُرّم في جملة من المهرجانات مثل "القاهرة السينمائي الدولي" سنة 2022، وقبله "المهرجان الدولي للفيلم بمراكش" سنة 2016 خلال مشاركته ضمن لجنة تحكيم، يظلّ حضور بيلا تار باهتا ولا أثر له يُذكر في يوميات السينما العربية، فهو ليس من المخرجين الذي نالوا شهرة واسعة بفضل نجوميتهم وفضائحهم وظهورهم الإعلامي، وإنما من فلاسفة السينما الذين لا يظهرون في الصورة، بقدر ما يتركون أفلامهم تتحدث عنهم ويقدّمون أفكارهم ومواقفهم وأنماط تفكيرهم، انطلاقا من الصناعة السينمائية وجمالياتها.

الدرجة صفر

ذلك أن أفلامه لا تشبه أفلام السينما الغربية، بسبب ما يطبعها من اشتغال مكثّف على الصورة ومحاولة خلق ما يمكن أن نسميه بـ"الدرجة صفر" في الصورة، بتعبير رولان بارت. فهي وإن كانت تهتم بمفهوم أوسع للفضاء، تبدو أحيانا عبارة عن شذرات فلسفية تعيد بناء عالم جديد من خلال المشهد. السينما عند بيلا تار ليست قضية سياسية ولا دافعا أخلاقيا تجاه مسألة ما، وإنما يلخصها صاحب "حصان تورين"(2011) في كونها قضية فلسفية وجودية، تتحول معها الصورة إلى لحظة إدراك حقيقي للعالم الذي ننتمي إليه.

السينما عند بيلا تار ليست قضية سياسية ولا دافعا أخلاقيا تجاه مسألة ما، وإنما فلسفية وجودية، تتحول معها الصورة إلى لحظة إدراك حقيقي للعالم الفيزيقي الذي ننتمي إليه

يعتبر "حصان تورين" بمثابة كشف مذهل في تاريخ السينما المجرية، فهو ليس فيلما عاديا يشاهده المرء قبل النوم، لأنه عمل سينمائي كُتب بأكثر من يد، إذ بمجرد مشاركته ضمن "مهرجان برلين السينمائي" وطرحه في الصالات السينمائية العالمية اختغى بيلا تار من المشهد السينمائي إلى الأبد، معلنا اعتزاله الإخراج وعزمه على العودة إلى سراييفو في السنة نفسها وتأسيس مدرسة تعليمية متخصصة في مهن الصناعة السينمائية، وعيا منه بالقيمة المعرفية للسينما وما يمكن نقله من تجارب مهمة الى الأجيال الجديدة التي جاءت الى المدرسة من مختلف دول العالم.

ملصق فيلم "حصان تورينو"

وعلى الرغم من كون بيلا تار عضوا في "أكاديمية السينما الأوروبية" (1997) ونال جائزة الشرف ضمن الدورة الـ 36 من جوائز السينما الأوروبية، إلا أن ذلك لم يشوش على عزلته التي تجعله مثل طائر الفينيق المنبعث من جرحه وصمته ورماده.

سينما الاختلاف

ولد بيلا تار في مدينة بيكس المجرية عام 1995 ودرس في "أكاديمية المسرح والسينما" في بودابست، حيث بدأ حياته السينمائية من خلال فيلم "عش العائلة"(1977). وعلى الرغم من الانتماء الإيديولوجي اليساري الماوي للمخرج في مطلع شبابه، فإن ذلك لم يؤثر لاحقا على عمله السينمائي. فهو وإن قادته التجربة اليسارية إلى مواجع وجراح الطبقة السفلى، فإن حدسه الجمالي دفعه إلى أن تكون أفلامه السينمائية خالية من السياسة، لكونها من الأشياء التي تتغير وتتلاشى مع الوقت ليصبح السؤال مطروحا على الجسد السينمائي وقيمته الجمالية وكيف يمكن أنْ يساعدنا في التفكير والتحرّر من ربقة الإيديولوجيات الرتيبة والمنغلقة.

AFP / Odd Andersen
المخرج وكاتب السيناريو المجري بيلا تار مع جائزته الفخرية خلال حفل الدورة الـ36 من جوائز السينما الأوروبية في برلين، 9 ديسمبر 2023

وإذا كان النقاد يحاولون دائما بترسانتهم المفاهيمية أن يسبغوا على بعض أفلامه طابعا سياسيا، إلا أنه يظل حريصا في كل لقاء معهم، على ضرورة تنبيههم من تبني هذا المفهوم خلال مشاهدة أفلامه، فهي أعمال تبحث في الجرح الجسدي وقاع الاجتماع الإنساني وتحرص دائما على الكشف عن المعركة الحقيقية التي تقودها الطبيعة ضد الإنسان والعكس أيضا.

فاز بيلا تار عن "عش العائلة" بالجائزة الكبرى من مهرجان مانهاتن الدولي للسينما عام 1979 بعدما صوّر حكاية حقيقية حول فتاة التقاها مصادفة في بودابست خلال تصويره فيلما وثائقيا عن العمال. وكانت هذه الفتاة (إيرين زايكي) تعيش لحظة حرجة في حياتها وهي تبحث عن مكان لتعيش فيه، بعدما عملت السلطات المحلية على ترحيلها لتشكل بذلك حكاية ملهمة لبيلا تار الذي حوّلها إلى عمل سينمائي، جعله من المخرجين السينمائيين الأشهر في المجر وهو لا يزال صغيرا.

شهرة اخترقت الآفاق

خلال عرض "تانغو الشيطان" عام 1994 ضمن "أسبوع الفيلم المجري"، اعتبر النقاد أن الفيلم لا يستحق المشاهدة بسبب مدته الطويلة التي تجعل المشاهد ينفر من فيلم تبلغ مدته 7 ساعات ونصف الساعة. وتعرّض تار حينذاك إلى نقد لاذع واعتبر مخرجا هامشيا بسبب عدم المشاهدات الكثيرة لفيلمه. لكن في مقابل المجر حظي الفيلم بإشادات واسعة في مختلف العالم ومن نقاد لهم خبرة واسعة وشهرة كبيرة في عالم الفن السابع.

عُرف عن بيلا تار نقده الكبير لأفلام الأبطال الخارقين والسينما التجارية التي تجمّد العمل وتحدّ من قيمة الخيال ومركزيته في ذاتية المتفرج. لذلك تباغتنا أفلامه بسيل جارف من الصور المتخيلة التي يبدو فيها الواقع أجرأ من الخيال نفسه. الصورة نفسها تنزوي في ركن من الوجود، حيث تصبح الكاميرا بطيئة في نقل الأجساد والعناصر وهي تتحرك داخل الفضاء السينمائي.

ملصق فيلم "الغريب"

لكن هذا النقد عن تار، نابع بدرجة أولى من التحولات التي باتت تعرفها السينما الأوروبية وكيف غدت الشبابيك تتحكم في الصناعة وتحوّلها إلى أعمال ترفيهية غايتها الاستهلاك. لم يتوقف نقد تار عند مفهوم الصناعة وكتابة السيناريو بل وجّه أكثر من مرة نقدا حادا للأفلام الملونة بطريقة بهلوانية وبلاستيكية، لهذا اختار الأبيض والأسود كمجال لتمرين بصري تسرح فيه العين، فالأسود في سينما بيلا تار، لا يحيل على نهاية العالم وإنما يغذيه بشعاع أبيض مضيء يدفع عين المُشاهد إلى أن ترسو في اتجاهه بشكل تلقائي، قبل أن تعيد اللقطة دورتها من جديد.

عُرف عن بيلا تار نقده الكبير لأفلام الأبطال الخارقين والسينما التجارية التي تجمّد العمل وتحدّ من قيمة الخيال ومركزيته في ذاتية المتفرج

على هذا الأساس، أنجز في سنة 2020 نسخة مرممة من فيلمه "تانغو الشيطان" اقتباسا عن رواية المجري لاسلو كراسناهوركاي (نوبل الآداب، 2025) التي كتبها عام 1985. إبقاء الأبيض والأسود علامة بصرية عن عوالمه الوجودية وأسلوبه السينمائي المختلف، مع أنه يتقاطع من ناحية الشكل مع بعض المخرجين أمثال الروسي أندره تاركوفسكي، إلا أن الأمر من وجهة نظر فلسفية، يظل مختلفا من ناحية الإيحاء والطريقة التي بها يوظف بيلا تار بعضا من عناصر الفيلم مثل الصورة وتدرجات الرمادي والجسد والمطر والسماء، فهي عناصر لها دلالاتها في سينما تار وغالبا ما لا يراد بها التطهر والتحرر والانبعاث وإنما الخضوع إلى سياق الصورة الواقعية ومتخيلها وتمثلاتها في ذاتية المخرج قبل كل شيء.

REUTERS/Youssef Boudlal
تشانغ تشيوو يتسلم "النجمة الذهبية" عن فيلم «The Donor» من بيلا تار في ختام مهرجان مراكش السينمائي، 10 ديسمبر 2016

جماليات القبح

لا يكمن الجمال السينمائي عند تار في حد ذاته وإنما في العين التي تراه. لذلك كان يحرص على قلب مفاهيم الجمالية الحديثة ويزجّ بنا في ما يسمى "جماليّات القبح" بوصفه مرادفا للجمال، ليس بالتعريف التقليدي الكانطي وإنما بالمفهوم الذي وضعه المفكر الألماني كارل روزنكرانز، حيث يظهر القبح في الصورة السينمائية بعضا من الأصالة الوجودية الحقيقية. على هذا الأساس، حين أراد تار تصوير تحفته السينمائية "تانغو الشيطان"(1994) ظل يبحث في أكثر من بلد أوروبي عن بعض الأماكن "القبيحة" والفضاءات الموحشة التي يستطيع عبرها تمثيل قصصه وحكاياته وجعلها تحتل عرش الصورة السينمائية ومتخيلها. فالقبيح له دلالات وجودية ليست بمعزل عن الجميل، بل مرادفة له في أكثر من مشاهد الفيلم الذي تبلغ مدته أكثر من 7 ساعات والتي عادة ما كان يُشاهد بمعدل استراحتين خلال مدة عرضه.

حرص صاحب "الدخيل" (1981) في كل ما صنعه من أفلام، أن تكون الفلسفة في مقدمة مشروعه السينمائي، لا بوصفها علما، ولكن باعتبارها موردا يغذي خطاب الصورة السينمائية ويجعلها مشرعة على تحولات الوجود الإنساني المتبدل. لهذا يباغتنا في كل فيلم بنفس فلسفي مغاير لا يستقر عند حدود الخطاب البصري، وإنما يتجسد كفلسفة للفعل من خلال شعرية الفضاء وغموض اللقطة وحرارة الجسد وانسيابية الكاميرا وهي تلتهم ببطء مختلف عناصر وتفاصيل الفضاء السينمائي بطريقة تدفع المشاهد إلى التفكير والتأمل ومحاولة بناء علاقة تواصلية مع المنجز السينمائي.

تحرض أفلام صاحب "هارمونيات ريكميستر" على التأمل وعلى تعلم التفكير خلال فعل المشاهدة، حتى وإن كانت تولّد ضيقا وضنكا بالنسبة للبعض، فإنها تبقى من جهة أخرى عبارة عن تمرين فلسفي على التأمل والنقد.

ملصق فيلم "اللعنة"

في العرف السينمائي تأتي اللقطة المطولة كتقنية يحاول من خلالها المخرج أن يضفي إما الطابع الحميمي على المكان أو جعل اللقطة/ الصورة السينمائية، تبدو عبارة عن امتداد حقيقي للحياة العادية في تلقائيتها وفوضاها، لكنها في سينما بيلا تار، تأتي كنوع من اللعب على عنف اللحظة وتوتر الحواس، وهي تدفع المُشاهد إلى الانخراط الجسدي في تضاريس الفيلم ولقطاته.

يباغتنا في كل فيلم بنفس فلسفي مغاير لا يستقر عند حدود الخطاب البصري، وإنما يتجسد كفلسفة للفعل من خلال شعرية الفضاء وغموض اللقطة

رغم الشهرة الواسعة التي طبعت أفلام بيلا تار، فقد بقيت علاقته بالعالم العربي محدودة، فهو على حد تعبيره لم يسافر إلا إلى مصر والمغرب والعراق ولا يعرف الشيء الكثير عن العالم العربي. فعلى الرغم، من أن القليل من السينيفيليين الحقيقيين هم من يعرفون بيلا تار، فإن الأمر يفسر أسباب غياب أثر سينماه على العالم العربي. فهناك العديد من المخرجين العالميين، قد يعثر المشاهد على بعض من آثارهم داخل أفلام عربية، لكن تأثير تار يظل حكرا على أوروبا ونواحيها وذلك لأنه مخرج صعب ومركب وكل أفلامه تتسم بغموض فلسفي، تجعل مجمل المخرجين لا يقلدونه ولا يجارون أسلوبه السينمائي الذكي وطريقته في بناء فكرة الفيلم وعنصر التخييل والقبض عن مرارة العالم داخل صورة سينمائية بقدر ما تتوغل في الخيال تقترب شيئا فشيئا من الواقع.

font change

مقالات ذات صلة