يحرص دونالد ترمب على أن يقدم نفسه بوصفه رجلا ذا سلطة مطلقة. وقال الرئيس الأميركي إنه لا يعترف بأي قيد فعلي سوى "أخلاقه" الشخصية، فلا القانون الدولي يردعه، ولا مواقف الدول الأخرى تقيده. وانطلاقا من هذا التصور، يتصرف كأن من حقه تحريك الجيش الأميركي متى شاء، وأن يلوح بإعادة رسم التجارة والعلاقات بين الدول على مستوى العالم.
لكننا نملك اليوم من الدلائل ما يكفي، بعد أكثر من عام من التحذيرات التصعيدية والتهديدات العلنية بالحرب، لندرك أن ثمة قوة واحدة تثير خوف ترمب لأنها تقع خارج إرادته، هي الأسواق. ويأتي تراجعه المفاجئ يوم الثلاثاء عن تهديداته الدموية و"اليائسة" بتدمير "حضارة" إيران عقب إغلاق طهران مضيق هرمز، الأمر الذي تسبب بارتفاع أسعار النفط، إلى جانب ما بدا قبولا بشروط تميل لمصلحة إيران، ليقدم دليلا جديدا على هذه الحقيقة.
غدا الهبوط المفاجئ في الأسواق، الذي يبدو أن ترمب يفسره بوصفه رفضا شخصيا له، جزءا ثابتا من نمط بات يعرف بصفقة "تاكو"، أي: "ترمب يتراجع دائما". ويعود هذا النمط إلى ما يزيد قليلا على عام، منذ إعلانه في أبريل/نيسان 2025 فرض رسوم جمركية على مستوى العالم، ثم تراجعه عن تهديده بغزو غرينلاند، قبل أن يعيد طرحه في يناير/كانون الثاني من هذا العام، وصولا إلى إحجامه الآن عن المضي في الحرب ضد إيران.

وقال ترمب إن ما يجري ليس سوى وقف لإطلاق النار لمدة 14 يوما، ريثما يتفاوض على صفقة أكبر. ومع ذلك، لم يتضح بعد ما إذا كان هذا الوقف سيصمد، إذ إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يبدو غير راض عما قد يراه نهاية مبكرة للقتال، قد واصل هجماته على لبنان. وفتح ذلك بدوره باب التساؤل عما إذا كانت طهران ستتجه إلى إعادة فتح المضيق بالكامل.
لا تسيئوا الفهم: فبعدما أشعل ترمب حربا استمرت 40 يوما من دون استفزاز حقيقي، بدا تراجعه أوضح من تراجع طهران.


