من فيتنام إلى إيران... كيف تُضعف الحروب ثقة الأميركيين بإداراتهم

لا يستطيع الرؤساء تجاهل الكلفة طويلة الأمد لإنكار الحقيقة في سبيل الأمن القومي

(رويترز)
(رويترز)
صورة تظهر نشاطا عسكريا أميركيا على حاملة الطائرات "جيرالد فورد" خلال عملية عسكرية مرتبطة بالهجوم على إيران، 2 مارس 2026

من فيتنام إلى إيران... كيف تُضعف الحروب ثقة الأميركيين بإداراتهم

بعد الهجوم العسكري الواسع الذي شنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران، بالتنسيق مع إسرائيل، من دون مسوغات ثابتة، ومن دون أن يطرح مبرراته علنا أمام الكونغرس، يرجح أن تمضي هذه الخطوة في تعميق هشاشة الثقة بين الأميركيين والحكومة الفيدرالية، وهي هشاشة تعود إلى أوائل سبعينات القرن الماضي.

وبينما يرد بعض المعلقين تشكك الأميركيين في قدرة حكومتهم على الوفاء بوعودها إلى فضائح مثل "ووترغيت"، أو إلى الاستقطاب السياسي، أو إلى ما يراه عزرا كلاين وديريك تومبسون إفراطا في التنظيم، فإن الحرب تبقى العامل الأشد تأثيرا على تقويض ثقة الأميركيين بحكومتهم.

حطمت حرب فيتنام الثقة التي راكمها الأميركيون في الحكومة الفيدرالية خلال عهد "الصفقة الجديدة" والحرب العالمية الثانية، وبقي أثرها عالقا في الذاكرة العامة بوصفها شاهدا على ما تخلفه العمليات العسكرية، حين تدار على نحو سيئ، من أذى عميق بالبلاد.

فعندما مضى الرئيس ليندون جونسون في تصعيد الحرب في فيتنام عامي 1964 و1965، كانت ثقة معظم الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لا تزال متينة. فقد أسهم الأثر الذي أحدثه برنامج "الصفقة الجديدة" للرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت في الاقتصاد خلال ثلاثينات القرن العشرين، ثم النجاح في دحر الفاشية العالمية في أربعيناته، في ترسيخ ثقة الجمهور بقدرة واشنطن على الإنجاز. وفي تلك المرحلة، اتسع حجم الحكومة الفيدرالية ونطاق عملها على نحو هائل، فخففت وطأة انعدام الأمن الاقتصادي عن ملايين الأميركيين، وطبعت ببصمتها معظم جوانب الحياة الأميركية.

(أ.ف.ب)
صورة لإجلاء جنود أميركيين مصابين خلال إحدى أولى المعارك الكبرى بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية في حرب فيتنام، 1 نوفمبر 1965

ولهذا، أدرك دوايت أيزنهاور، الرئيس الجمهوري واسع الشعبية الذي تولى الرئاسة لولايتين في خمسينات القرن الماضي، أن أي مسعى إلى تقويض إرث روزفلت سيكون مكلفا سياسيا إلى حد بعيد. وكتب إلى شقيقه إدغار عام 1954: "إذا أقدم أي حزب سياسي على إلغاء الضمان الاجتماعي، وتأمين البطالة، وقوانين العمل، والبرامج الزراعية، فلن يبقى له أثر في تاريخنا السياسي". وبحلول عام 1958، كانت الثقة بالحكومة الفيدرالية قد بلغت مستوى لافتا، إذ أظهرت "الدراسة الوطنية للانتخابات" أن 73 في المئة من الأميركيين وثقوا بها "كي تتصرف بشكل صحيح، دائما أو في أغلب الأحيان".

حطمت حرب فيتنام ثقة الأميركيين بالإدارة وبقي أثرها عالقا بوصفها شاهدا على الأذى العميق الذي تخلفه الإدارة السيئة للعمليات العسكرية

كما ألهم الرئيس جون ف. كينيدي، الذي بدأ ولايته في يناير/كانون الثاني 1961، جيلا جديدا من الأميركيين للإيمان بما تستطيع واشنطن تحقيقه بمساعدتهم. وقال في خطاب تنصيبه: "لا تسأل عما يمكن أن يقدمه بلدك لك، بل اسأل عما يمكنك أن تقدمه لبلدك".

ثم جاءت فيتنام، الكارثة التي بددت ذلك كله، فمنذ عامي 1967 و1968، بدأ الجمهور يستشعر أن الإدارة لا تقول الحقيقة عن الحرب، بعدما شرع المراسلون الميدانيون أخيرا في الابتعاد عن الرواية العسكرية الرسمية التي اعتمدوها طويلا. ومع الوقت، أخذت الصحافة تنشر مزيدا من التقارير التي تكشف حجم المأزق الذي كانت القوات الأميركية تواجهه في قتالها ضد الفيتناميين الشماليين والفيتكونغ. وفي موازاة ذلك، راحت الحركة المناهضة للحرب تبني روايتها الخاصة عبر الصحف والمنشورات والتجمعات، وتطعن في صدقية التصريحات الرسمية. وبلغ هذا التحول ذروته في فبراير/شباط 1968، حين ظهر مذيع شبكة "سي بي إس" والتر كرونكايت على الهواء بعد زيارته فيتنام خلال "هجوم تيت"، ذلك الهجوم المباغت على القوات الأميركية الذي نسف الادعاءات الرسمية بأن الحرب توشك على نهايتها. وهناك، تخلى عن أعراف الموضوعية الصحافية، ليقول: "أصبح من الواضح لهذا المراسل أن المخرج العقلاني الوحيد يكمن في التفاوض، لا بوصفنا منتصرين، بل بوصفنا شعبا شريفا أوفى بتعهده في الدفاع عن الديمقراطية".

وفي عام 1965، مرر جونسون عبر الكونغرس واحدا من أوسع البرامج الداخلية في تاريخ الولايات المتحدة، لكن مع اقتراب نهاية ولايته كانت "فجوة المصداقية" قد أرهقته، وأفقدت كثيرا من الناخبين ثقتهم بما يقول.

وأدى نشر "أوراق البنتاغون" عام 1971، وهي دراسة شديدة السرية أعدتها وزارة الدفاع وسربها دانيال إلسبرغ إلى الصحافيين، إلى كشف السجل الكامل للتحريفات والتضليل والأكاذيب المحضة التي أحاطت بالحرب. وحين رفضت المحكمة العليا مسعى الرئيس ريتشارد نيكسون إلى وقف النشر، وجد الأميركيون أنفسهم أمام رواية مفصلة، قدمتها "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" ووسائل إعلامية أخرى عديدة، تشرح كيف انزلقت الولايات المتحدة إلى مستنقع قاتل، في صورة ناقضت كثيرا مما ظل الرؤساء ومسؤولون آخرون يرددونه على مسامعهم لسنوات.

(أ.ف.ب)
صورة لجنود أميركيين في قاعدة خي سان أثناء حرب فيتنام في ظل القصف والخطر المستمر خلال هجوم تيت الذي قاده الفيتكونغ، فبراير 1968

وكشف ذلك أيضا أن لحظات مفصلية في الحرب، من بينها طلب جونسون من الكونغرس إقرار "قرار خليج تونكين" في أغسطس/آب 1964، الذي منح تفويضا باستخدام القوة العسكرية في جنوب شرق آسيا، قامت على مزاعم خاطئة، إن لم تكن أكاذيب محضة، بما أظهر إلى أي مدى كان الرؤساء مستعدين للمضي في خيانة ثقة الجمهور.

لا تسأل عما يمكن أن يقدمه بلدك لك، بل اسأل عما يمكنك أن تقدمه لبلدك

جون ف. كينيدي، رئيس أميركي راحل

وخضعت الأساليب التي أخفى بها مسؤولو الحكومة أفعالهم عن الجمهور لمزيد من التدقيق خلال جلسات الاستماع الواسعة التي قادها النائب أوتيس بايك والسيناتور فرانك تشيرش، إذ كشفت تلك الجلسات كيف كانت مؤسسة الأمن القومي تدير أعمالها خلف الأبواب المغلقة في السنوات الأولى من الحرب الباردة. وفي الوقت الذي كان الرؤساء يفاخرون فيه بمحاربة الشيوعية دفاعا عن الديمقراطية، كان مسؤولون في السلطة التنفيذية يتورطون في محاولات لاغتيال قادة أجانب من دون تفويض، ويتجسسون على مواطنين أميركيين شاركوا في احتجاجات مناهضة للحرب، وينتهكون مرارا حريات مدنية أساسية.

وفي حملة الانتخابات الرئاسية عام 1976، فاز جيمي كارتر بعد تعهده للناخبين بأنه: "لن أكذب أبدا على الشعب الأميركي". لكن هذا التعهد لم يكن كافيا لقلب المسار.

ومنذ منتصف ستينات القرن الماضي، بدأت ثقة الشعب بالحكومة في التراجع، قبل أن يتفاقم الأمر بعد فضيحة "ووترغيت" واستقالة نيكسون، ولم تستعد تلك الثقة عافيتها كاملة حتى اليوم. ولم يتوقف سيل الأكاذيب عند ذلك. فقد كشفت التحقيقات في فضيحة "إيران-كونترا" عام 1987 أن إدارة ريغان باعت أسلحة لإيران، التي كانت تعد آنذاك من أبرز الدول الراعية للإرهاب، ثم حولت عائدات تلك المبيعات سرا إلى قوات "الكونترا" في نيكاراغوا، رغم الحظر الصريح الذي فرضه الكونغرس. ومع ذلك، أخفق الكونغرس في العثور على دليل حاسم يثبت أن الرئيس نفسه هو من أصدر الأوامر بتنفيذ العملية بأكملها.

كما صرفت الإشادة التي رافقت النجاح السريع لعملية "عاصفة الصحراء" عام 1991- حين قاد الرئيس جورج بوش الأب الولايات المتحدة وتحالفا من الدول الحليفة لإخراج القوات العراقية من الكويت- الأنظار أيضا عن سيل من المزاعم الكاذبة التي روجت لها الإدارة في التمهيد للحرب، بما في ذلك الروايات الملفقة عن جنود عراقيين انتزعوا أطفالا من حاضنات في مستشفى كويتي.

(أ.ف.ب)
وزير الخارجية الأميركي كولن باول يعرض قارورة قال إنها بحجم يمكن استخدامه لحمل الجمرة الخبيثة (الأنثراكس) أثناء كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، نيويورك، 5 فبراير 2003

لكن المشهد الأميركي لم يعرف، منذ حرب فيتنام، ما يضاهي الأسلوب الذي اتبعه الرئيس جورج دبليو بوش في شن الحرب على العراق عام 2003. فبينما كان الشعب الأميركي لا يزال يرزح تحت وطأة آثار هجمات 11 سبتمبر/أيلول، مضت الإدارة الأميركية في تسويق الحرب على العراق بالادعاء بأن نظام صدام حسين يراكم مخزونا كبيرا من أسلحة الدمار الشامل يمكن أن يستخدمه ضد الولايات المتحدة، وبأنه يرتبط بشبكات تنظيم "القاعدة" المسؤولة عن تلك الهجمات. ومع أن أيا من هذين الادعاءين لم يثبت، فقد تصدر عدد من أكثر المقربين إلى بوش مصداقية، وفي مقدمتهم وزير الخارجية كولن باول، لتسويق هذه الرواية علنا أمام العالم. لكن الحرب سرعان ما كشفت أن الرئيس قد ضلل الشعب. ومع امتداد الصراع لنحو تسعة أعوام، وتحوله إلى حرب مرفوضة على نطاق واسع، غدت تبعات تلك المزاعم جزءا أساسيا من إرث بوش.

لن أكذب أبدا على الشعب الأميركي

جيمي كارتر، رئيس أميركي راحل

خلفت تلك العقود الخمسة من الأكاذيب والحروب أمة يطغى عليها التهكم، ويعتريها انعدام الثقة، وتنظر بعين الريبة إلى كل ما تفعله الحكومة تقريبا. وغالبا ما كان الجمهوريون الأقدر على التكيف مع ثقافة الشك هذه، لأن أجندتهم انطلقت في الأساس من السعي إلى تقليص دور الحكومة. أما الديمقراطيون، فحملوا قسطا أكبر من عبء هذا الإرث، لأن حزبهم لا يزال يتمسك بالدفاع عن دور حكومي قوي في بلد بلغ فيه انعدام الثقة بالحكومة مستوى عميقا.

ومن المرجح أن تدفع الحرب على إيران بهذا المسار إلى مزيد من التدهور، فامتناع ترمب عن السعي إلى نيل دعم الكونغرس ترك الأميركيين في مواجهة هجوم خطير متصاعد لا يفهمون أي مبرر لإطلاقه. ولم تسهم المبررات المتبدلة والادعاءات المتضاربة التي ساقها مسؤولو الإدارة، بما في ذلك مزاعم دُحضت سريعا عن امتلاك إيران صواريخ قادرة على بلوغ الولايات المتحدة، في بناء تأييد شعبي للعملية، حتى في أيامها الأولى، وهي اللحظة التي درج فيها الرأي العام تاريخيا على الالتفاف حول العلم. ويزيد من وطأة ذلك أن الحرب تدور في عهد رئيس له سجل موثق في الكذب.

وإذا أراد الرؤساء يوما إعادة بناء الثقة بالحكومة، فعليهم أن يبدأوا ذلك في زمن الحرب. وقد كتب إريك ألترمان في كتابه الصادر عام 2004 "عندما يكذب الرؤساء" أن خطورة "الأكاذيب الرسمية" تكمن في "ميلها، كخلية الأميبا، إلى التكاثر الذاتي. فكلما كذب قائد على شعبه، وجد نفسه مضطرا إلى المزيد من الكذب".

(أ.ف.ب)
المقدم أوليفر نورث، المساعد السابق لمستشار الأمن القومي، أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، خلال جلسات الاستماع حول بيع أسلحة لإيران وتحويل أرباحها إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا، واشنطن 7 يوليو 1987

ورغم الحوافز القوية التي تدفع إلى قول كل ما يلزم لإضفاء الشرعية على العمليات العسكرية، فإن الأكاذيب تنكشف في نهاية المطاف. ولا يستطيع الرؤساء تجاهل الكلفة طويلة الأمد لإنكار الحقيقة في سبيل الأمن القومي. حيث إن الضرر الذي ألحقته هذه الحروب بنفسها، وبإرث الرؤساء الذين خاضوها، وبمكانة الحكومة الفيدرالية التي يعتمد عليها جميع الأميركيين، كان هائلا.

وإذا أراد الرئيس شن هجوم عسكري، فعليه أن يمتلك من الشجاعة ما يكفي لعرض أقوى حججه على الأمة، استنادا إلى الحقائق لا إلى الخيال، وأن يسلك سبيل الإقناع من داخل النظام الديمقراطي الذي أقامه الآباء المؤسسون، بدلا من الالتفاف عليه.

font change

مقالات ذات صلة