كثيرا ما استُخدم الحصار الاقتصادي أداة للإكراه، توضع عمدا في المنطقة الرمادية بين الديبلوماسية والحرب. فمن الحصار البحري البريطاني لألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، الذي أضعف اقتصادها تدريجيا، إلى حصار برلين السوفياتي الذي أراد دفع الغرب إلى الانسحاب عبر قطع طرق الوصول البرية إلى المدينة، ظل الهدف واحدا، وهو انتزاع تنازلات سياسية عبر التضييق على الإمدادات الحيوية. حتى في العصر النووي، أظهر "الحجر الصحي" الذي فرضته الولايات المتحدة على كوبا خلال أزمة الصواريخ، كيف يستطيع الحصار ممارسة ضغط كبير من دون الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة. وفي جميع هذه الحالات، لم تكن الغاية نصرا حاسما، بل تعديل حسابات الطرف المقابل تحت ضغط اقتصادي يتصاعد.
وللشرق الأوسط تاريخه الخاص، الأكثر تفتتا، في سياسات الحصار. وهو يقوم على أنه حين ترتفع تكلفة الحسم العسكري المباشر أو تبتعد عن المتناول، ينتقل الصراع إلى التحكم في الحركة، عبر من يتاجر، من يستورد، من يسافر، ومن يصل إلى العالم الخارجي.
غير أن المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تحمل تحولا نوعيا. فهي لا تتعلق بحصار هامشي يستهدف اقتصادا محدودا، وإنما بمحاولة الضغط على دولة تمر شرايين اقتصادها عبر مضيق هرمز، وهو واحد من أهم الممرات في النظام العالمي.
كيف يتآكل الاقتصاد الإيراني تدريجيا؟
على خلاف كثير من الحالات التاريخية، يعاني الاقتصاد الإيراني انكشافا بنيويا. فخريطته التجارية ضيقة ومركزة، وتعتمد بدرجة كبيرة على النقل البحري. ويمر أكثر من 90 في المئة من تجارة نفطه وتجارته غير النفطية عبر الخليج، فيما تهيمن عائدات النفط والبتروكيماويات على صادراته، وتعتمد مدخلات الصناعة الأساس وواردات الغذاء والتدفقات المالية على الممر نفسه، ولو كان لإيران مصادر تجارة برية ناشطة مع تركيا والعراق ودول آسيا الوسطى. ومن ثم، فإن تعطيل هرمز لا يعني تشديد القيود على الهوامش، بل الضغط مباشرة على قلب المنظومة.



