مفاوضات إسلام آباد... والمصير الغامض لـ"وكلاء" إيران

من يُفكك شبكة الوكلاء؟

رويترز
رويترز
متظاهر يحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، بينما يحاول أنصار الجماعات الشيعية العراقية المسلحة التوجه نحو السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد، العراق، 1 مارس 2026

مفاوضات إسلام آباد... والمصير الغامض لـ"وكلاء" إيران

جيدٌ أن تتوقف الحرب في الشرق الأوسط لمدة أسبوعين، أو حتى ليومٍ أو ساعةٍ واحدة، وإن لم ينجل الكثير من التفاصيل، بشأن شروط وبنود التفاوض خلال الهدنة المتفق عليها بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران بوساطةٍ باكستانية، ومهما بلغ مدى الجدل والسجال حول النقاط المقترحة من جانب طهران، للتفاوض وموقف واشنطن منها، فذلك أمرٌ معروف ووارد ومعتاد، عند نهاية كل حرب وبداية كل مفاوضات سلام، أو شروعٍ في اتفاق لوقف إطلاق نارٍ مؤقتٍ.

بعد إعلان الهدنة التي لقيت ترحيباً عالميا واسعاً، تَركز الحديث في العواصم المعنية على أن البحث في المفاوضات في إسلام آباد، سوف ينصب بشكلٍ أساسي على الملفين النووي والصاروخي لطهران، بما يضمن أمن إسرائيل، ومصالح الولايات المتحدة دون التطرق إلى ملف "وكلاء" إيران في المنطقة، أو بأن هذا الملف سوف يكون ملحقاً إضافيا مشمولاً، بما سوف يتم تداوله، والاتفاق عليه بين الطرفين الأميركي والإيراني.

وفي الوقت نفسه، سارعت تل أبيب إلى التأكيد على أن الأمر لا يشمل الجبهة اللبنانية، وأن ثمة فصلاً بينها والجبهة الإيرانية، الأمر الذي عادت واشنطن، وأكدت على أنه جزءٌ من الهدنة التفاوضية مع طهران، رغم استمرار الجيش الإسرائيلي في شن غاراتٍ داميةٍ عنيفة على لبنان، للتأكيد على ذلك منذ صبيحة اليوم التالي لإعلان الهدنة.

لكن عدم إشارة واشنطن وتل أبيب وطهران، وحتى الوسطاء الباكستانيين والمصريين والأتراك إلى قضية مستقبل العلاقة بين طهران وعملائها، يثير تساؤلات بل مخاوف من أن يتم ترك أمر "الوكلاء" في كل من العراق واليمن دون حل رغم خطورته، أو أن تتم معالجته لاحقاً من خلال مساراتٍ داخلية أو عبر تسويات مختلفة مؤجلة، وذلك ربما خشية أن يؤدي طرح كل ملفات الصراع دفعةً واحدة على الطاولة، إلى تعقيد مفاوضات إسلام آباد، وتشعب التفاوض حول الملفين الأهم لواشنطن وتل أبيب، وهما البرنامجان النووي والصاروخي لطهران.

صحيحٌ أن الأمور تقاس عادةً بخواتيمها، وأنه من المبكر أو السابق لأوانه التكهن بذلك، لكن الصحيح أكثر أن المقدمات تدل عمليا، وبشكلٍ منطقي مسبق على النتائج، وهو ما لا يبدو جليا أو أن موضوع الوكلاء سوف يكون ضمن صفقةٍ تاريخية شاملة.

صحيحٌ أن الأمور تقاس عادةً بخواتيمها، وأنه من المبكر أو السابق لأوانه التكهن بذلك، لكن الصحيح أكثر أن المقدمات تدل عمليا، وبشكلٍ منطقي مسبق على النتائج، وهو ما لا يبدو جليا أو أن موضوع الوكلاء سوف يكون ضمن صفقةٍ تاريخيّة شاملة

جبهة لبنان

قد يكون من غير المجدي أن تأمر طهران "حزب الله" بوقف إطلاق النار على إسرائيل من طرف واحد، في ظل إصرار إسرائيل على مواصلة حملتها العسكرية عليه، في كل أنحاء لبنان، وليس في الضاحية الجنوبية لبيروت فقط، وذلك بصرف النظر عما سوف يجري التفاوض عليه في مفاوضات العاصمة الباكستانية، خلال أيام الهدنة الأربعة عشر المفترضة بشأن "نووي وصاروخي" إيران أو حتى بين لبنان وإسرائيل في واشنطن.

الأمر بالغ الصعوبة في لبنان، هذا البلد الصغير المنهك والمنقسم بين "حزب الله" والدولة، حيث تؤكد إسرائيل أن قراراتها في لبنان شأنٌ خاصٌّ بها مختلف عن مجمل مصالحها مع حلفائها في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي طالما أقرت بذلك، بل إنها لا تستطيع الضغط على إسرائيل أو التدخل في ما تعتقد الأخيرة أنه مصلحة أمنية قومية واستراتيجية عليا لها، على حدودها الشمالية المتاخمة لكل من الجنوب اللبناني، وحتى سوريا الواقعة على خطوط التماس مع مرتفعات الجولان المحتلة، التي سبق لإدارة ترمب أن اعترفت بضم إسرائيل لها، وأقرت بسيادة تل أبيب عليها.

ولا يبدو أن إسرائيل سوف تتخلى عن عزمها على تكرار استهداف وإغلاق معبر "المصنع" على الحدود اللبنانية مع سوريا، بذريعة إيقاف تهريب السلاح الإيراني لـ"حزب الله" اللبناني عبر هذا المنفذ.

غيتي
خلال مراسم تشييع في بغداد، لأبي حيدر الحفجي، قائد ميليشيا "كتائب حزب الله" الشيعية العراقية، الذي قُتل في هجوم إسرائيلي على العاصمة السورية دمشق، العراق في 22 سبتمبر 2024

ومن المؤكد أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي ستظل ماضية في خططها للقضاء على "حزب الله" في لبنان، حتى بالتزامن مع محادثات واشنطن غير المسبوقة بين الطرفين، تحت ذرائع شتى أقلها أن الحكومة اللبنانية، من وجهة نظر نتنياهو، برهنت على عجزها عن بسط سيطرة جيشها على الأرض، في مناطق الجنوب والبقاع وغيرهما.

عراقياً، لا يبدو الأمر أقل سوءاً حيث لا يظهر أن الحكومة "الاتحادية" في بغداد، تملك أي قدرٍ من السيطرة على الفصائل الشيعية شديدة الولاء لطهران، وواسعة النفوذ في عموم البلاد، بل وتصر بغداد على أن بعض تلك الفصائل جزء شرعي لا يتجزأ عن المؤسستين العسكرية والأمنية للعراق.

‏رأينا كيف كان المشهد متداخلاً أثناء الهجمات التي شنتها تلك الفصائل على القواعد والمصالح الأميركية سواء في بغداد والبصرة أو إقليم كردستان لمساندة إيران، وكيف رد الأميركيون عليها، كما لم تتردد طهران عن قصف مواقع المعارضة الكردية الإيرانية في محافظة "السليمانية" وغيرها، في انتهاك صارخ لسيادة العراق الذي يرتبط معها بعلاقات استثنائية مميزة.

في الوقت ذاته فإن الحكومة العراقية ليست في حل من أمرها، في ما يتصل بعلاقاتها مع الولايات المتحدة التي حالت حتى الآن دون رغبة المجلس التنسيقي في إيصال مرشحه المقرب من إيران (نوري المالكي) إلى رئاسة الحكومة منذ الانتخابات التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي.

معضلة الحوثيين في اليمن

أما بشأن جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران في اليمن، فلا يزال الموقف أكثر غموضاً إزاء مستقبل هذه الجماعة المسلحة، التي تمثل الذراع الأخطر المتبقية لـ"الحرس الثوري" على الساحل الغربي لليمن ومشارف مضيق باب المندب، الذي لوحت إيران مراراً، بإمكان استخدامه في إطار الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

فكما هو حال الحكومة اللبنانية مع "حزب الله" يبدو كذلك عجز الحكومة اليمنية الشرعية، أكثر ضعفاً في التعامل مع هذه الجماعة، من خلال أي مسار سياسي أو عسكري، خصوصاً في ظل انشغال هذه الحكومة بتطبيع الأوضاع في مناطق سيطرتها المضطربة، وحالة الخذلان التي تعانيها القوى المناهضة للحوثيين.

أما بشأن جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران في اليمن، فلا يزال الموقف أكثر غموضاً إزاء مستقبل هذه الجماعة المسلحة، التي تمثل الذراع الأخطر المتبقية لـ"الحرس الثوري" على الساحل الغربي لليمن

 لطالما شكا اليمن من خطورة ميليشيات الحوثيين "الانقلابية" على الأمن والسلم العالميين في منطقة جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر، غير أن الولايات المتحدة التي كانت ممسكة بالملف اليمني في مجلس الأمن الدولي، ومن بعدها المملكة المتحدة التي تسلمته منهما أصمَّتا آذانهما، ووصل الأمر بواشنطن ولندن إلى درجة الامتناع، والحد من إمداد التحالف العربي، الذي قادته السعودية لدعم الشرعية في اليمن، بالمعدات والذخائر والدعم اللوجستي اللازم خلال عملية "عاصفة الحزم" بحجة وقوع بعض الأخطاء، وإساءة استخدام الأسلحة الأميركية والبريطانية خلال المواجهات العسكرية مع جماعة الحوثيين التي ظلت ميليشياتها تتلقى في المقابل المزيد من الأسلحة والذخائر والخبرات العسكرية من قبل إيران و"حزب الله" اللبناني.

وبلغ سوء تقدير الحكومة البريطانية ذروته إلى أن ضغطت على الحكومة اليمنية والتحالف العربي، لوقف تقدم قواتهما في ديسمبر/كانون الأول 2018 لاستعادة موانئ الحديدة من قبضة الميليشيات الموالية لإيران، وفرضت اتفاق استكهولم الذي تلاعب الحوثيون بتنفيذه، منذ اللحظة الأولى للإعلان عنه.

رويترز
متظاهرون من أنصار الحوثيين، يتظاهرون إحياء لذكرى "يوم القدس العالمي"، في آخر جمعة من شهر رمضان، في صنعاء باليمن في 28 مارس

‏يتعين اليوم على الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك دول الوساطة والجوار، وهي بصدد التفاوض مع طهران، الوقوف بمسؤولية أمام مستقبل وكلاء إيران، ذلك أن مشروع الوكلاء مصمَّمٌ إيرانيا في الأصل بغية استهداف الجميع خدمةً لأجندة طهران، حيث تسبب هذا المشروع في زعزعة استقرار المنطقة من خلال إسقاط بلدان وعواصم، وإفشال دولٍ وإشعال الحروب فيها، ومقتل وجرح مئات الآلاف، ونزوح وتشريد الملايين من سكان دول "محور المقاومة" كما درجت طهران على وصفها.

مشروع الوكلاء الذي استثمرت فيه إيران عشرات المليارات من الدولارات طوال عقودٍ من الزمن، قد يمثل- في جزءٍ صغيرٍ منه- مشكلةً داخلية لبلدان هؤلاء الوكلاء، لكن الجزء الأكبر منه إيراني بامتياز بعقيدته وأصوله وسلاحه وميليشياته ونفوذه، ويجب أن يكون التعامل معه في صلب ما يجب أن يكون مطلوباً بحزمٍ من طهران أثناء مفاوضات إسلام آباد، وليس بعدها، إن أرادت طهران والمتفاوضون معها سلاماً دائماً ونهائيا مع الجيران والعالم.

مشروع الوكلاء هذا يمثل نفس خطورة البرنامج النووي المزعوم لإيران، وكذلك برنامجها الصاروخي الذي أصبح الكثير من منتجاته بيد الفصائل والميليشيات الموالية لإيران في كل من العراق ولبنان واليمن، بدليل فاعلية الصواريخ والطائرات المسيرة المتوفرة لدى "حزب الله"، على وجه التحديد، في إلحاق أكبر قدر من الإيلام لإسرائيل، وتوفير الذريعة للأخيرة لارتكاب عدوانها الإجرامي الصارخ وحربها الوحشية المدمرة المستمرة على لبنان.

font change

مقالات ذات صلة