آرنو برتينا لـ"المجلة": أبحث عن "التركيب" أكثر مما أبحث عن السرد

أبدأ من جملة وأحاول منحها القوة التي تجعلها تحمل عالما كاملا

Facebook
Facebook
آرنو برتينا

آرنو برتينا لـ"المجلة": أبحث عن "التركيب" أكثر مما أبحث عن السرد

لا يمكن الحديث عن تجربة الكاتب الفرنسي آرنو برتينا (1975) السردية دون أن نستحضر انشغاله بالكتابة بوصفها بحثا في هوية متحركة، أي كتابة تنصت إلى الواقع وتعيد تركيبه عبر أصوات متجاورة، لا عبر راو واحد يملك الخلاصة. وما روايته الأخيرة، "قذائف، أرداف، وأطراف اصطناعية"، سوى واحدة من هذه المغامرات التي يلتقط فيها شرارة واقعية ويحولها إلى سرد متعدد المناظير: فندق فخم على الساحل التونسي، ناجون من حرب ليبيا بآثارها الجسدية القاسية، ونساء يتعافين من عمليات تجميل... مشهد يبدو غرائبيا، لكنه يفتح أسئلة حادة عن الجسد والنجاة، وما الذي يبقى من الإنسان حين يحاصر في مكان واحد يزدحم بالعنف والترف معا.

يعد برتينا من الأصوات الأدبية الفرنسية التي برزت منذ مطلع الألفية، كتب الرواية والنص الوثائقي، وهو أيضا من مؤسسي مجلة Inculte، ومنذ سبتمبر/ أيلول عام 2024 أصبح أول حامل للكرسي الفني في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) حيث يرافق البحث الأكاديمي بعمل على الوثائقي الأدبي كتابة وقراءة. أما كتابه الوثائقي، "أولئك الذين يتحملون الكثير"، فقد نال جائزة أفضل مؤلف عن عالم العمل لعام 2022. هنا حوار معه.

بأي معنى جعلت الجسد مركزا للسؤال الأخلاقي والسياسي في روايتك "قذائف، أرداف، وأطراف اصطناعية"، وأين ترسم الحد بين صدمة تكشف وأخرى تحكم قبضتها على التفاصيل الإنسانية؟

لقد لخصت بدقة جانبا مهما من رهانات الرواية. أما دافعي الأول للكتابة فهو الاهتمام بالشخصيات الأربع قبل أي شيء، إذ أردت الاشتغال على فرادة رفيقة، عاملة الفندق التي تعمل أيضا معلمة، وعلى ماجد، الجراح الذي تعرض لبتر وفقد بصره فلم يعد يلتقط العالم إلا عبر السمع. ثم تأتي نعيمة، امرأة فائقة الجمال لكنها ستطلب من طبيبة التجميل علاجا غير متوقع تماما. وأخيرا حسن الشاب، الموقوف للتحقيق والذي يصرخ ببراءته.

كنت أسأل نفسي: ما مأساة كل واحد من هؤلاء؟ لماذا ينوجدون في هذا الفندق الفخم؟ ولماذا يريدون مغادرته أو البقاء فيه رغم طابعه الكئيب؟ ما الحيوية الخاصة التي تملكها نعيمة، أو تلك التي تملكها رفيقة؟ لم أخش أن يؤدي هذا إلى تفكيك الكتاب لأن العمل يجري في مكان مغلق، وهذا وحده كفيل إعادة الشخصيات لتلتقي داخل ما سميته "توترا كبيرا واحدا". لهذا استطعت التقدم في تعرجات الرواية: أن أفتح أسئلة جراحة التجميل، وأن أقترب من أسئلة الحرب في ليبيا، وأن أمنح نفسي وقتا لمراقبة الشخصيات، وأن أكون رقيقا معها وأحترم بؤسها، وأن أصف كيف تتشبث الحياة بالبقاء. وفي النهاية يمكن القول إنهم أشبه بوحوش داخل قفص ويعيشون تجربة جماعية واحدة.

أردت أن أفتح أسئلة جراحة التجميل، وأن أقترب من أسئلة الحرب في ليبيا، وأن أمنح نفسي وقتا لمراقبة الشخصيات، وأن أكون رقيقا معها وأحترم بؤسها

العنوان نفسه يطلق صدمة لفظية: ثلاث صور ترمى دفعة واحدة في وجه القارئ (القذائف، الأرداف، الأطراف الاصطناعية) فتعلن منذ البداية أن الدخول إلى الرواية سيكون دخولا جسديا ومباشرا. وفي الوقت نفسه يحمل العنوان سخرية سوداء واضحة: العالم يجمع العنف والمتعة داخل السوق نفسه ويحول الألم إلى مادة قابلة للتداول.

عوالم متجاورة

كيف تحضر تونس هنا، أبوصفها خلفية تاريخية أم بوصفها شخصية خامسة تغير ما يقوله كل صوت؟ وما الذي يمنحه هذا التوقيت للرواية من معنى يصنع اختلافه في كل تفصيل؟

الحقيقة أن الأمر لم يكن اختيارا بالمعنى الدقيق. إذا كانت الأحداث تدور في تونس، فلأن الحكاية التي رواها لي صديق كانت في تونس، ولم أجرؤ على نقلها إلى بلد آخر أو طمس ما فيها من دقة. سأوضح الصورة أكثر: في مساء إحدى ليالي نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 2019، حكى لي صديق أنه اضطر عام 2012 إلى تناول الغداء في فندق فخم بقمرت شمال تونس. وحين وصل إلى الشرفة ومشى في محاذاة المسبح، اكتشف مشهدا غير متوقع: جهة تضم نساء يتعافين من عمليات جراحية تجميلية، وفي الجهة المقابلة جنود أو مرتزقة مصابون بجروح بالغة قدموا من ليبيا. لم يستطع قول أكثر من ذلك لي إلا أن ذلك لم يكن مهما، فما قاله في ثلاث جمل كان كافيا تماما. هنا ولدت في رأسي شخصية على الفور: ماجد، الجراح المبتور الساق. ثم ظهرت الشخصيات الثلاث الأخرى لاحقا، وبشكل طبيعي.

REUTERS/Esam al-Fetori
مقاتل يلوّح بيده أمام سفينة تركية تقل جرحى من مدينة مصراتة الليبية المحاصرة لدى وصولها إلى ميناء بنغازي، 3 أبريل 2011

في هذا المعنى يضاعف سياق تونس عام 2012 ما يحدث داخل الفندق: مكان يبدو مثاليا وموعودا بالرفاه لكنه مخترق بقوى مقلقة وموتورة. بالنسبة لشخصيات الرواية، كما بالنسبة للتونسيين والتونسيات عام 2012، كان السؤال واحدا: هل ستكون حيويتنا أقوى؟ هل ستنتصر فينا رغبة العيش؟ كما أبقيت السياق التونسي لسبب آخر أيضا: الأماكن التي تعدك بإبعاد العالم عنك غالبا ما تكون خدعة. العالم يلحق بنا دائما. نزلاء هذا الفندق المبني على الشاطئ يرون البحر المتوسط أمامهم. يريدون تجاهله وعدم التفكير في شيء بسوى مسبح الفندق، لكن ما إن نحاول التحصن حتى يعود الواقع ليطرق الباب. أثناء كتابتي ذلك، كنت أفكر في رواية لإيمانويل باياماك تام بعنوان "أركاديا"، تصور جماعة شبه طائفية يربكها وصول لاجئ. كما كنت أفكر أيضا في أوروبا نفسها، التي بدأت بالتحصن في وجه لاجئي أفريقيا.

بقدر ما أحب الأعمال التي تجعل الواقع ينحرف ويختل، أشعر أنه من المؤسف طمس الأماكن أو التواريخ حين تأتيك الحقيقة بسخاء

وأخيرا، ثمة سبب أخير: فبقدر ما أحب الأعمال التي تجعل الواقع ينحرف ويختل (وهذا ما حاولت فعله في "قصور تحترق") أشعر أنه من المؤسف طمس الأماكن أو التواريخ حين تأتيك الحقيقة بسخاء وبوجهين واضحين: وجه الضيق والمعاناة من جهة، ووجه الكوميديا والتهريج من جهة أخرى، كما كان الحال حول ذاك المسبح.

ANIS MILI / AFP
سائح يسبح في مسبح فندق في مدينة الحمامات السياحية في تونس، 7 أكتوبر 2021

خيوط وامتدادات

يميل مشروعك الأدبي إلى الاقتراب من الواقع عبر مادة اجتماعية وشهادات وحكايات، وهذه الرواية تبدو كأنها تدفع ذلك خطوة إضافية: تركيب شديد المفارقة يضع القارئ أمام لقاء غير مريح بين حرب وجراحة تجميل. أين تضع هذه الرواية داخل مسارك؟

تهمني أسئلة المنطق الذي يحكم الكتابة والخيوط التي تربط كتبي ببعضها كثيرا، وأستطيع القول إن هذه الرواية جاءت كامتداد للكتابين السابقين، رغم أنهما كانا توثيقيين أكثر منهما روائيين. والامتداد يحدث على النحو التالي: علمتني إقامتي في الكونغو أربع سنوات، ثم في منطقة كروز بفرنسا ثلاث سنوات، الإصغاء الى الناس وهم يروون أنفسهم، والبحث عن الطريقة المناسبة التي تساعد الشخص في البوح، ثم عن الطريقة التي تمكنني من نقل ما قاله بأكبر قدر من الأمانة. كذلك علمتني التفكير في ترتيب الأصوات: ماذا تصنع هذه الأصوات مع بعضها؟ ما صورة العالم والزمن التي تكشفها عندما توضع جنبا إلى جنب؟

لهذا أعتقد أن هذه الرواية كانت لتخرج مختلفة تماما لو لم يسبقها هذان العملان. من كتاب إلى آخر أتعلم كيف أجعل الأصوات تتفاعل في ما بينها بشكل أدق، وما تشتغل عليه معا يصبح أكثر رهافة في كل مرة كما أعتقد. تساعدني الكتابة والاستمرارية في فهم معنى التعدد الصوتي بشكل أفضل: ماذا يتيح، وبماذا يعد؟

كيف تشتغل عندك فكرة المونتاج في السرد؟ وأين تتخذ قرار القطع والوصل: لرفع منسوب التوتر، أم لترك فجوة يتنفس منها القارئ، أم لجعل الصدمة تظهر عبر التراكم لا عبر ضربة واحدة؟

"المونتاج" رهان شعري أساس عندي بالفعل. في استطاعتي القول إن ثقافتي السينمائية ضعيفة جدا عموما، لكن منذ العشرينات من عمري كانت أعمال جان-لوك غودار (ومعه جون كاسافيتس) مصدر إلهام شديد الخصوبة. لقد كتب غودار كثيرا وتحدث مطولا عن فن المونتاج، ومن الأعمال التي تترجم هذه الحساسية بوضوح نجد فيلم "فصول السنة"- 1975 للأرميني أرتافازد بليشيان وهو عمل مذهل، وكذلك أفلام أورسن ويلز التي تظهر كيف باستطاعة المونتاج صناعة المعنى وقيادة الإيقاع.

تساعدني الكتابة والاستمرارية في فهم معنى التعدد الصوتي بشكل أفضل: ماذا يتيح، وبماذا يعد؟

عندما أشتغل على كتاب، معظم الأسئلة التي أطرحها على نفسي هي أسئلة مونتاج. ما يوجهني ليس التسلسل الزمني، ولا حتى الحكاية بالمعنى التقليدي. إذا كان لا بد من تمييز، فأنا أبحث عن "التركيب" أكثر مما أبحث عن السرد، وذلك لأن المونتاج يسمح بصنع انقطاعات وتجاورات أراها جميلة جدا. عندما أقطع جملة أو مشهدا وأضع بجانبه مشهدا آخر، فأنا أفعل ذلك لمنع الكتاب من الوقوع في الرتابة، ولإرباك المعنى الذي بدأ يستقر ويستريح. ومع هذا الارتباك تظهر أنواع أخرى من الحقيقة: أكثر حساسية، أقل عقلنة وتنميقا. قد يبدو هذا مصطنعا، لكنه في رأيي أحيانا أقل اصطناعا من سرد هادئ ومستقيم.

REUTERS/Esam al-Fetori
رجل جريح على متن سفينة تركية تقل مصابين من مدينة مصراتة الليبية في ميناء بنغازي، 3 أبريل 2011

كما أن هذه القفزات يمكن أن تكون مبررة أيضا بتجربة الأيام نفسها إذا انتبهنا لها. قد تظل تمضغ في رأسك رسالة فراق، بينما الجيران خلف الجدار يمارسون الحب… كيف يمكن نقل هذا الاضطراب دون وضع المشهدين جنبا إلى جنب؟ إذا أدخلته في سرد منطقي فسيختفي تنافره، وسيختفي معه أثره الكوميدي أو المؤلم. لكن هذا الميل لا يأتي من السينما وحدها. إن أول شغف فني كبير في حياتي كان الجاز: موسيقى متقطعة الإيقاع، تصنع زوايا في كل جملة وتلعب بالزمن وبالضد منه. تأتي الحيوية الاستثنائية التي وجدتها في الجاز من هذه القفزات والعودة المفاجئة. النص يتنفس، لا يقفل على نفسه. وفي هذه الفراغات، في هذا التعليق المؤقت للمعنى، تظهر أصوات أخرى. الصوت الأساس يبحث، يخطئ، يعيد المحاولة ويستأنف كلامه، ومن الزوايا التي يصنعها ذلك تجد الأصوات الثانوية طريقها كي تسمع.

الرواية السياسية

كيف تفهم "الرواية السياسية" حين تقال عن عملك؟ وأي شيء تحرص عليه كي يبقى الأدب حاضرا: في اللغة، في السخرية، في بناء الشخصيات، وفي المساحة التي تعطيها للتناقض بدل الخلاصة؟

إذا كانت لكتبي أبعاد سياسية، فلأنها تفسح مجالا للتناقضات بدل أن تبحث عن خلاصة جاهزة. أنا مشدود إلى الزوايا، إلى الدقائق، وإلى ما يفلت منا.

يتيح لنا الأدب أن نكون طموحين: نطوف حول شخصية أو حول وضع معين ونحاول جعل الجمل قادرة على حمل كل الفروق الصغيرة التي نراها. وإن لم نرها أصلا نخترعها. عندها يصبح الكتاب أغنى، وأكثر كثافة، وأكثر توترا وحيوية من المشهد الذي استلهم منه.

لذلك لا أشعر أن علي الحفاظ على شيء كي لا تضيع الأدبية في الطريق. لا شيء يفتنني أكثر من الاشتغال على جملة وأراقب ماذا تفعل، هذا هو منطلقي الوحيد. كما أنني لا أبدأ من خطاب جاهز أريد قوله عن الواقع، أو عن فرنسا أو عن جراحة التجميل، إنما أبدأ من جملة وأحاول منحها القوة التي تجعلها تحمل عالما كاملا.

أي انزياح تتوقعه في المعنى حين تعبر الرواية إلى ثقافة، مثل الثقافة العربية، قد تلتقط كلمة "الأرداف" أولا بوصفها استفزازا أخلاقيا ثم تلتقطها بوصفها سؤالا ثقافيا؟

هذا سؤال شائك فعلا، خصوصا أنني في فرنسا نفسها سمعت من يقول إن العنوان "استفزازي"، وهذا غير صحيح في رأيي. لم أرد استفزاز أحد ولا أرى العنوان مستفزا، ولو كنت أريد الاستفزاز عبر الفحش مثلا لاخترت كلمة أخرى غير "الأرداف".

تساعدني الكتابة في أن أكون أكثر لياقة وتأنيا وأن أحترم أكثر، وحتى أشد لحظات الضيق في النص لا تأتي إلا لتؤكد قيمة الوجود وأهميته

بالنسبة لي، قد يكون الاستفزاز الحقيقي في العكس تماما: أن أتحدث بكلمات رقيقة وناعمة عن واقع ليس رقيقا أصلا، مثل جراحة التجميل. عندها قد يشعر القارئ بالاستفزاز بسبب الفارق بين واقع محبط وقاس (مثل عمليات شد الأرداف على الطريقة البرازيلية مثلا) وبين لغة مهذبة، خافتة وشديدة التحفظ. إذا كان العالم قبيحا، فلا ينبغي أن نلبسه ثوبا أجمل داخل الكتب. وكما لم أكن أريد استفزاز القارئ الفرنسي، فأنا أيضا لن أسعى إلى استفزاز القارئ العربي الذي قد يتلقى الكلمة بحساسية مختلفة لأسباب ثقافية، لكنني أرى أن هذه هي فائدة انتقال الأعمال بين اللغات: عبر الترجمة يدخل القراء إلى ثقافات أخرى، إلى طريقة أخرى للنظر إلى العالم. هذا بالضبط ما أشعر به حين أقرأ أدبا مترجما من العربية أو من لغات أفريقية.

غلاف كتاب "قذائف، أرداف، وأطراف صناعية"

أعتقد حقا أن الوصول إلى طبقة أخرى من هذا الكتاب ليس أمرا صعبا، فأي قارئ يتجاوز العنوان ويفتح الرواية سيكتشف بسرعة أن اللغة المباشرة والقاسية ليست غاية في ذاتها، بل هي جزء من فكرة أعمق: أن هناك عظمة ما تستحق أن تكشف. تساعدني الكتابة في أن أكون أكثر لياقة وتأنيا وأن أحترم أكثر، وحتى أشد لحظات الضيق في النص لا تأتي إلا لتؤكد قيمة الوجود وأهميته كما أراها في ما أكتب.

font change