رمضان في أوروبا... فسيفساء الزمن المضاد

كيف يعيش المسلمون تجربة الصيام في بيئات مغايرة؟

shutterstock
shutterstock
لافتة تهنئة "رمضان سعيد" في شارع فريسغاسه بفرانكفورت، 11 مارس 2024

رمضان في أوروبا... فسيفساء الزمن المضاد

لم يعد ظهور الهلال في أوروبا مجرد إعلان لبداية شعيرة دينية، بل غدا علامة على تحول أعمق في مزاج المدن العام. فالهلال في القارة العجوز لا يكتفي بتحديد زمن الصيام، بل يعلن دخول إيقاع مختلف إلى فضاء اعتاد الصرامة والسرعة، إيقاع أبطأ، أكثر التصاقا بالجسد وبالتجربة اليومية للناس. غير أن ما يميز رمضان عن غيره من المناسبات في أوروبا أنه لا يضيف حدثا إلى الزمن القائم، بل يربك منطقه من الداخل. فهو لا يقوم على الاحتفال ولا على الاستهلاك، بل على الامتناع والانتظار، وعلى إعادة تنظيم اليوم حول الغياب لا الحضور.

تفاوض غير معلن

مع تراكم حضور الجاليات المسلمة عبر العقود، لم يعد رمضان حدثا محصورا في المجال الخاص، بل تحول تدريجيا إلى زمن اجتماعي مرئي، يتسرب إلى الحياة العامة دون ضجيج.

في هذا المعنى، ترى جوسلين تشيساري الباحثة في مجال دراسات الإسلام والسياسة والعلمانية في كتابها "حين يلتقي الإسلام والديمقراطية: المسلمون في أوروبا والولايات المتحدة"، أن الإسلام في السياق الأوروبي لم يعد يعيش في نطاق المعتقد الفردي وحده، بل أصبح جزءا من الزمن اليومي المشترك، حيث تتحول الممارسات الدينية المتكررة إلى وقائع اجتماعية يلاحظها الجميع.

بعد إعلان الهيئات والمؤسسات الإسلامية عن ثبوت الهلال، لا تتهيأ الجاليات المسلمة وحدها لاستقبال الشهر، بل تدخل المدن الأوروبية نفسها في حالة استعداد نفسي وثقافي صامت. لا يعني ذلك أن المدينة "تشعر" باعتبارها كيانا حيا، بل أن سكانها يدخلون في عملية تفاوض غير معلنة مع زمن جديد، يعيد طرح أسئلة الجسد والتعب وحدود الاحتمال.

لا تتهيأ الجاليات المسلمة وحدها لاستقبال الشهر، بل تدخل المدن الأوروبية نفسها في حالة استعداد نفسي وثقافي صامت

 يظهر هذا الاستعداد في تفاصيل صغيرة: تغير مواعيد بعض المحلات، الأسئلة المترددة في أماكن العمل، والانتباه المتزايد لأجساد تحاول التوفيق بين الصيام وزمن لا يتوقف. يكتسب هذا التحول وزنه من واقع ديموغرافي يصعب تجاهله، إذ تضم غالبية العواصم الأوروبية نسبا عالية من المسلمين، تصل في بعضها إلى نحو ربع السكان وفق تقديرات رسمية وغير رسمية، في ظل غياب إحصاءات دقيقة قائمة على تقسيم السكان وفقا لأديانهم. غير أن هذا الغياب لا يخفي الحضور، بل يجعله أكثر انتشارا وأقل قابلية للحصر.

 Charlotte SIEMON / AFP
بائع يحضّر "الزلابية" في حي بيلفيل بباريس قبل حلول رمضان، 17 فبراير 2026

عبور بين الثقافات

بروكسل، على سبيل المثل، لا يمكن من يسكنها أو يزورها أن يراها مدينة واحدة متجانسة. هي أقرب إلى فسيفساء من العواصم الصغيرة المتجاورة، لكل حي نكهته، ولكل بلدية طابعها، ولكل شارع لغته غير المكتوبة. الجدران، المطاعم، الأطباق، وحتى الإيقاع اليومي للمكان، كلها تحمل إشارات إلى خلفيات سكانها. غير أن هذه الفسيفساء، على جمالها، لا تمنح ساكنها هوية مستقرة، بل تعلمه العيش في حالة انتقال دائم، حيث يصبح الانتماء تجربة مؤقتة لا حالة نهائية. المشي في بروكسل ليس انتقالا مكانيا فحسب، بل عبور متواصل بين طبقات اجتماعية وثقافية متراكبة، يفرض على الفرد قدرة دائمة على التكيف أكثر مما يمنحه طمأنينة الاستقرار.

العرب والمسلمون في بروكسل، كما في غيرها من المدن الأوروبية، يتمركزون في مناطق بعينها. لا يحدث ذلك انعزالا، بل يحدث بحثا عن مساحات تقل فيها الحاجة إلى الشرح الدائم للذات في مدينة تطلب من الفرد تبرير حضوره باستمرار. هكذا تظهر تسميات متداولة مثل "شارع العرب" أو "شارع المغاربة" أو "حي الأتراك"، وهي تقسيمات غير رسمية تعبر عن جغرافيا اجتماعية حية. غير أن هذه المساحات، وإن وفرت حماية من القسوة اليومية، تظل انتماءات مشروطة بحدود المكان، تتراجع فعاليتها خارجه، فتمنح الأمان لكنها تؤجل في الوقت نفسه مواجهة أوسع مع المدينة بوصفها فضاء لا يعترف بالهويات المستقرة.

مشهد متنوع

يشكل الأتراك النسبة الكبرى من المسلمين في أوروبا، ولا سيما في ألمانيا وبروكسل، ويليهم المغاربة في بروكسل وأمستردام. ولكل جماعة جغرافيتها الاجتماعية والثقافية الخاصة. إلى جانبهم نجد عربا من شمال أفريقيا والمشرق العربي، إضافة إلى مسلمين من باكستان وشرق أوروبا.

Thomas SAMSON / AFP
إمام جامع باريس الكبير شمس الدين حفيظ يلقي كلمة عشية "ليلة الشك" في جامع باريس الكبير، 17 فبراير 2026

هذا التنوع لا يصنع مشهدا رمضانيا واحدا، بل طبقات متجاورة من التجربة، تتقاطع داخل المدينة نفسها. وفي هذا المعنى، لم تصل فوانيس رمضان إلى أوروبا دفعة واحدة أو بقرار ثقافي واع، بل بوصفها نتيجة تراكمية لحضور زمني طويل، حين صار الشهر جزءا من الحياة اليومية لا حدثا طارئا.

هذا التنوع لا يصنع مشهدا رمضانيا واحدا، بل طبقات متجاورة من التجربة، تتقاطع داخل المدينة نفسها

يصنع هذا الخليط السكاني لدى زائر أوروبا، وحتى لدى من يسكنها منذ سنوات، ما يمكن وصفه بصدمة لطيفة: إحساس مفاجئ بالانتقال من أوروبا الغربية إلى أوروبا الشرقية، أو إلى مدينة شرق أوسطية، دون مغادرة العاصمة. أحيانا لا تفصل بين العالمين سوى دقائق معدودة في المترو أو الحافلة. هذه الصدمة ليست جغرافية فحسب، بل إدراكية، إذ تكشف هشاشة التصور القائل إن الهوية مرتبطة بالمكان وحده، وتظهر كيف يمكن المدينة الواحدة أن تحتوي عوالم متجاورة دون أن تذيبها أو تحسم اختلافها.

Bertrand GUAY / AFP
شمس الدين حفيظ ووزير خارجية فرنسا جان-نويل بارو خلال "إفطار السفراء" في جامع باريس الكبير، 18 مارس 2025

مع دخول رمضان، يبدأ إيقاع العواصم الأوروبية بالتغير. ولا يقتصر الأمر على الجاليات المسلمة، فحتى غير المسلمين يظهر لديهم نوع من الاستعداد النفسي للمشاركة. ترسل التهاني في أماكن العمل، وتتكرر الأسئلة الفضولية: كيف تصومون؟ ماذا تأكلون؟ هل العمل صعب أثناء الصيام؟ غير أن هذا الفضول، وإن بدا إيجابيا، يظل في كثير من الأحيان محكوما بمسافة آمنة، تسمح بالتجربة دون التزام، وبالفهم دون الحاجة إلى تغيير فعلي في نمط الحياة.

في بعض المدن، تطورت هذه الرغبة إلى مبادرات مؤسسية، حيث نظمت موائد إفطار في رعاية بلديات أو داخل كنائس. وفي ألمانيا  مثلا، شاركت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عام 2021، في مأدبة إفطار رمضانية نظمتها وزارة الخارجية في برلين، دعما للتعايش ومشاركة الجالية الإسلامية.

لا يمكن قراءة هذه المشاهد بوصفها احتفالات رمزية فقط، بل محاولات واعية لتعليق التوتر لا لإلغائه، وخلق مساحة مؤقتة يسمح فيها للاختلاف بأن يكون حاضرا دون صدام. الإفطار هنا لا يوحد العقائد، لكنه يخفف حدتها، ويعيد تعريف المكان بوصفه فضاء اجتماعيا قبل أن يكون فضاء دينيا.

Charlotte SIEMON / AFP
يبيع "الزلابية" في متجره بحي بيلفيل بباريس قبل حلول رمضان، 17 فبراير 2026

مطبخ الذاكرة وصراع الحضارات

الشق الأكثر حيوية وربما الأكثر متعة في رمضان الأوروبي، هو ما يمكن وصفه بالصراع الجميل بين المطابخ. تتجاور الأكلات المغربية والتركية والهندية والأفغانية والشامية. هذا التنوع لا يقدم الطعام فقط، بل يستدعي الذاكرة، وكأن كل طبق يحمل محاولة لاستعادة مكان مفقود. في المنفى، يصبح الطعام آخر أشكال الذاكرة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تصطدم باللغة أو اللهجة، بل تصل إلى الجسد مباشرة، وتمنحه وهم الاستمرارية.

الإفطار هنا لا يوحد العقائد، لكنه يخفف حدتها، ويعيد تعريف المكان بوصفه فضاء اجتماعيا قبل أن يكون فضاء دينيا

يشكل رمضان أيضا فرصة لأصحاب المطاعم والمقاهي، لكنه في الوقت ذاته فرصة للناس لاستعادة حنين مؤجل. العزائم والولائم ليست ترفا اجتماعيا، بل محاولة لترميم علاقات أنهكها ضغط العمل والحياة السريعة، واستعادة دفء افتقده كثيرون في مدن لا تترك وقتا طويلا للتوقف.

قبل الإفطار بساعتين أو ثلاث، تصبح بعض الشوارع مزدحمة، وتبقى المقاهي مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، كما يحدث في المدن الأم. غير أن ما يميز هذه الجلسات هو اختلاط اللغات والعادات، وكأن رمضان تمدد خارج حدوده الجغرافية وخصوصيته الدينية ليصبح تجربة مشتركة، تقابل بالفضول والاحتفاء، كما في "ساوثهول" في لندن، و"نويكولن" في برلين، وحي "مولنبيك" في بروكسل.

Eddie Mulholland/Pool via REUTERS/File Photo
الملك تشارلز الثالث يحضّر علب تبرعات مع طبق "البرياني" قبيل رمضان في لندن، 26 فبراير 2025

زمنان متقاطعان

رمضان في المدن الأوروبية قد يشكل هاجسا نفسيا حقيقيا. تتقاطع الساعة الرمضانية، المبنية على الانتظار وضبط الرغبة، مع زمن أوروبي سريع لا يعترف بالتباطؤ. النهار قد يكون طويلا أو قصيرا، لكن إيقاعه لا يلين. هنا لا يختبر الإيمان فقط، بل المعنى ذاته: كيف يمكن الحفاظ على طقس بطيء داخل عالم لا يعترف إلا بالسرعة؟ في هذا التصادم، لا يصبح الصيام اختبار إرادة، بل يصبح تمرينا على مقاومة منطق زمني شامل يفرض إيقاعا واحدا على جميع أشكال الحياة.

في السياق الأوروبي، يفقد رمضان كثيرا من غطائه الاجتماعي المعتاد، ويجبر الصيام على أن يكون تجربة فردية قبل أن يكون طقسا جماعيا. فحين تغيب كثافة المشهد الرمضاني، ويخف الإيقاع المشترك الذي كان يخفف ثقل الامتناع، يجد الصائم نفسه وجها لوجه مع سؤاله الخاص: لماذا أصوم؟ هنا لا يعود الصيام محمولا على العادة أو الجماعة، بل يتحول إلى قرار يومي يتجدد في صمت، وإلى تمرين على المعنى أكثر منه التزاما للشكل. في هذا الفراغ النسبي، ينكشف الصيام بوصفه علاقة شخصية مع الجسد والزمن، علاقة لا تراقب ولا تكافأ اجتماعيا، لكنها تختبر صدق التجربة وحدودها، حيث لا يسند الطقس سوى اقتناع صاحبه.

الأطفال يعيشون هذه التجربة بحدة مختلفة. في المدارس، يتعلمون كيف يرفضون كأس ماء أو قطعة طعام، ويطلب منهم شرح معنى الصيام. في هذه اللحظة، يكتشف الطفل أن هناك عالمين متوازيين: عالم البيت وعالم المدرسة. هذا الانقسام، وإن بدا مرهقا، قد يتحول لاحقا إلى قدرة على العبور بين العوالم، لكنه يفرض على الطفل عبئا مبكرا لا يختاره: أن يكون مترجما لهويته قبل أن يعيشها بحرية. بالإضافة إلى الجهد والصبر اللذين يبذلهما الأطفال، على الجوع والعطش، في بدايات الصوم وعلى مقاعد الدراسة.

لتخفيف حدة هذه الأجواء، على العمال والأطفال، اقترحت وزيرة الهجرة والاندماج الدنماركية، إنغر ستويبرغ، في الأعوام الماضية، بأن يأخذ المسلمون إجازة طيلة شهر الصيام.

Jewel SAMAD / AFP
مصلٍّ يتلو من نسخة من القرآن الكريم في مسجد بأحياء نيقوسيا القديمة خلال رمضان، 21 فبراير 2026

من الجدير بالذكر أن هناك دراسات ومقالات تنشر في أوروبا بين حين وآخر تتناول "مدى تأثير صيام رمضان على الأداء الأكاديمي." ومن ذلك مقال كتبه أوليفييه ماري، أستاذ اقتصاديات العمل في كلية "إيراسموس" للاقتصاد، بأن  إجراء الامتحانات في هولندا خلال شهر رمضان في عامي 2018  و2019 أدى إلى زيادة الفجوة في معدلات التخرج بنسبة 16.4%، مما يعكس مدى تأثير ذلك على الطلاب المسلمين، وفي حين لا يستبعد أن تكون هذه الدراسات محكومة بأهواء سياسية أو أيديولوجية، فإنها تعكس حضور المسلمين وشعائرهم المتزايد في المجال الاجتماعي الأوروبي.

ينكشف الصيام بوصفه علاقة شخصية مع الجسد والزمن، علاقة لا تراقب ولا تكافأ اجتماعيا، لكنها تختبر صدق التجربة وحدودها

أما بالنسبة لبعض الأفراد، خاصة المغتربين واللاجئين ومن يعيشون وحدهم، فقد يأتي رمضان مثقلا بالوحدة. الصيام، في غياب الحضور الاجتماعي، قد يتحول إلى عبء نفسي أكثر منه تجربة روحية. في مواجهة قسوة لا تأتي من العداء بقدر ما تأتي من البرودة والتنظيم الصارم للحياة، تتحول الموائد الجماعية إلى فعل مقاومة ناعمة، لا تغير النظام، لكنها تمنح الأفراد القدرة على الاستمرار داخله دون الانهيار.

Charlotte SIEMON / AFP
بائع يقف قرب عرض للتمر في متجر بحي بيلفيل بباريس قبل حلول رمضان، 17 فبراير 2026

ويبقى الهاجس المشترك بين الجميع هو الحنين: حنين إلى أطعمة بسيطة، إلى شوربة أو قطايف، إلى نكهات مرتبطة بذاكرة جماعية تصعب استعادتها كاملة، لكنها تعود كل عام مع الهلال، كأنها تذكير صامت بأن الإنسان، حتى في أقسى الأمكنة، يحتاج إلى زمن يشبهه، ولو مرة واحدة في السنة.

font change

مقالات ذات صلة