سوريا بعد تبدّل الحسابات الأميركية… قراءة في مسار جديد للمكون الكردي

رسائل ما بعد مؤتمر ميونيخ

أ.ف.ب
أ.ف.ب
جنود سوريون يعتلون دبابة أثناء سيطرتهم على مواقع "قسد" بعد انسحابها من مسكنة، شمالي سوريا، في 17 يناير 2026

سوريا بعد تبدّل الحسابات الأميركية… قراءة في مسار جديد للمكون الكردي

انعقد مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 في لحظة تاريخية مفصلية، يعاد فيها رسم ملامح النظام الدولي القائم على القواعد، ضمن ما اصطلح على تسميته "الحقبة الترمبية". وشهدت أروقة ميونيخ كلمات بالغة الدلالة ألقاها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب مسؤولين رفيعي المستوى، عرضوا فيها قراءاتهم للتحولات المتسارعة، واستشرفوا مسارات المرحلة المقبلة.

في هذا السياق، استأثر الملف الكردي السوري باهتمام خاص، إذ شارك في المؤتمر من سوريا قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية فيها إلهام أحمد، وشارك من العراق نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق.

وخلال سنوات الحرب الأهلية السورية، أعاد الأكراد تنظيم صفوفهم عسكريا وسياسيا، مستفيدين من الدعم الأميركي، ومنخرطين مع واشنطن وحلفائها في الحرب على تنظيم "داعش". ولم تمض سنوات حتى أحكمت "قسد" سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق ذات أغلبية عربية مثل دير الزور والرقة، إضافة إلى حقول نفطية استراتيجية، ومعابر حدودية، وسدود ومجارٍ مائية، ومساحات زراعية واسعة.

غير أن هذا المشهد تبدل على نحو دراماتيكي في يناير/كانون الثاني الماضي، حين شن الجيش السوري هجوما واسعا أجبر قوات "قسد" على التراجع، فأعاد رسم التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد. وأدى ذلك إلى فقدان "قسد" ما لا يقل عن 80 في المئة من الأراضي التي كانت خاضعة لنفوذها، وخسارة موردها المالي الرئيس المتمثل في حقول النفط، وفقدان دعم مكونات قبلية عربية ضمن صفوفها، فضلا عن تراجع الدعم الأميركي غير المشروط الذي لطالما حظيت به.

ما زال في واشنطن لوبي كردي وآخر مؤيد لـ"قسد" يتمتعان بنفوذ راسخ، ويستندان إلى حلفاء قدامى داخل المؤسسات الدفاعية الأميركية

أفضت هذا النقلة أساسا إلى تبدل سياسة الرئيس دونالد ترمب تجاه دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية" وتركيا، وهو تبدل رأت فيه أوساط عدة فصلا جديدا من فصول تخلي واشنطن عن الأكراد. ووفق روايات متداولة في الأروقة الدبلوماسية، أبلغ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك قائد "قسد" مظلوم عبدي، خلال محادثات أربيل التي توجت باتفاق 30 يناير/كانون الثاني، أن الولايات المتحدة لن تتدخل عسكريا لصالحهم، وأن على "قسد" التكيف مع الواقع الجديد.

ومع ذلك، ما زال في واشنطن لوبي كردي وآخر مؤيد لـ"قسد" يتمتعان بنفوذ راسخ، ويستندان إلى حلفاء قدامى داخل المؤسسات الدفاعية الأميركية، وإلى أعضاء متعاطفين في الكونغرس، من بينهم السيناتور ليندسي غراهام، فضلا عن مجموعات ضغط مؤيدة لإسرائيل. وسعت هذه الأطراف إلى إعادة ضبط نهج الإدارة، فنجحت في إيصال هواجسها إلى نائب الرئيس جيه دي فانس، ثم إلى الرئيس ترمب نفسه، الذي تربطه علاقة عمل وثيقة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

سانا/ أ ف ب
الرئيس أحمد الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي لدى توقيع اتفاق 10 مارس/اذار في دمشق

وأسهمت هذه التحركات في بلورة مخرج وصفه مراقبون للشأن السوري بالتسوية، إذ منح اتفاق 30 يناير "قوات سوريا الديمقراطية" تنازلات أقل مما تضمنته مسودة 4 يناير، غير أنها فاقت ما عرض عليها في مقترح 18 يناير.

في ميونيخ، عقد ممثلو "قسد" سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى مع شخصيات فاعلة، شملت وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والسيناتور ليندسي غراهام، ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول. ووصف الرئيس ماكرون مظلوم عبدي وقواته بـ"مقاتلي الحرية" وقرن ذلك بدعوته إلى استمرار الدعم. وتردد صدى كلمات ماكرون في قرار البرلمان الأوروبي الصادر في 12 فبراير/شباط، الذي جدد تأكيد دعمه حماية الحقوق المدنية والتعليمية لأكراد سوريا والاعتراف الكامل بها. كما طرحت فرنسا نفسها، إلى جانب الولايات المتحدة، ميسرا رئيسا للمسار الدبلوماسي، مساهمة في صياغة ترتيبات تفضي إلى الاندماج في هياكل الدولة بالتوازي مع ضمان الحقوق الكردية.

حمل الاجتماع الأميركي السوري في ميونيخ ثقلا رمزيا كبيرا، إذ جلس وزير الخارجية ماركو روبيو قبالة نظيره السوري أسعد الشيباني، وقائد "قسد" مظلوم عبدي، وأعضاء وفديهما

حمل الاجتماع الأميركي السوري في ميونيخ ثقلا رمزيا كبيرا، إذ جلس وزير الخارجية ماركو روبيو قبالة نظيره السوري أسعد الشيباني، وقائد "قسد" مظلوم عبدي، وأعضاء وفديهما. ورغم التكتم على فحوى المباحثات، أكد المبعوث الأميركي الخاص توم باراك أهمية اللقاء عبر منصة "إكس"، واصفا إياه بأنه "صورة تغني عن ألف كلمة.. بداية جديدة".

لفت الأنظار أيضا حضور مظلوم عبدي والمسؤولة في "قسد" إلهام أحمد بصفة مستقلة، لا ضمن وفد سوري موحد. ومع ذلك، شاركا في اجتماعات مشتركة مع روبيو، وأعضاء في مجلس الشيوخ، ووزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان. وسعى عبدي إلى تقديم نفسه للأطراف الدولية شريكا برغماتيا ومسؤولا، متبنيا نبرة اتسمت بضبط النفس وروح المصالحة.

وفي حين لم يصدر عن أنقرة رد رسمي، شنت وسائل إعلام تركية هجوما حادا على قرار السماح لعبدي بالسفر إلى ميونيخ والمشاركة في المؤتمر، إذ لا تزال تركيا تصنف "قسد" منظمة إرهابية وامتدادا لـ"حزب العمال الكردستاني"، بصرف النظر عن الاتصالات الجارية معها. وأثار حضور رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن في ميونيخ تكهنات حول احتمال عقد لقاء خاص مع عبدي، وهي تقارير يصعب الجزم بها في غياب أدلة ملموسة تؤكد حدوثها.

رويترز
رفع العلم السوري فوق تمثال محطم لمقاتلة من "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الطبقة شمال شرقي سوريا في 18 يناير/ كانون الثاني 2026

بعد تراجعها أمام تقدم القوات الحكومية السورية، وانحسار نفوذها في جيب ترابي يتركز حول الحسكة وعين العرب كوباني، بدا أن "قسد"، التي طالما اعتُبرت في وقت سابق الرابح الأكبر من النزاع السوري، قد تعرضت لانتكاسة حاسمة. غير أن قراءة متأنية توحي بصورة أكثر تعقيدا؛ إذ ضمن الأكراد اعترافا رسميا بهم فاعلا سياسيا وعسكريا، وأدرج مفهوم "المناطق الكردية" ضمن الأطر المرجعية الرسمية. وتدار الحسكة اليوم على يد مسؤول كردي، ما يعزز موقعها كمنطقة كردية، كما شكلت أربعة ألوية في الجيش السوري من مقاتلي "قسد" السابقين، احتفظت بهياكلها القيادية وسلاحها، وانتشرت في مناطق ذات أغلبية كردية تشمل ديريك والقامشلي والحسكة وكوباني.

على المستوى المؤسسي، اعتُرف بالكردية لغة وطنية، ونالت المجتمعات الكردية امتيازات تعليمية. ويقارب هذا الترتيب النموذج القائم في العراق، مع اختلاف جوهري في ظروف سوريا من حيث التماسك العرقي وغياب منطقة كردية موحدة ومتصلة جغرافيا.

بعد تراجعها أمام تقدم القوات الحكومية السورية، وانحسار نفوذها في جيب ترابي يتركز حول الحسكة وعين العرب كوباني، بدا أن "قسد"، التي طالما اعتُبرت في وقت سابق الرابح الأكبر من النزاع السوري، قد تعرضت لانتكاسة حاسمة

أما تركيا، بوصفها فاعلا مركزيا في الملف السوري، فبعدما خبرت تبعات فراغ السلطة طويل الأمد في سوريا خلال الحرب، فإنها تنشد دولة سورية مستقرة وآمنة، ترتكز إلى حكومة مركزية قادرة على حماية حدودها وأراضيها من المنظمات الإرهابية والجهات الخارجية التي تعمل بلا تفويض.

والحق أنه لولا النفوذ التركي لدى دمشق، لنالت "قوات سوريا الديمقراطية" شروطا أكثر سخاء من تلك التي أقرت في نهاية المطاف. فمنذ البداية، تمسكت أنقرة بحل هذه القوات ونزع سلاحها كليا، وطالب المسؤولون الأتراك بخروج المقاتلين غير السوريين من صفوفها، وقبلوا مبدأ دمج عناصرها في الجيش السوري شريطة أن يجري ذلك على أساس فردي، لا ضمن وحدات عسكرية متكاملة.

أ.ف.ب
المستشار الألماني فريدريش ميرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء المملكة المتحدة كير ستارمر، معًا في بداية اجتماع مجموعة الدول الثلاث (E-3) خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، ميونيخ في 13 فبراير 2026

من بين هذه الشروط، برز خروج نحو ألف مقاتل غير سوري من الأراضي السورية باتجاه شمال العراق بوصفه الخطوة الملموسة الوحيدة التي نفذت حتى الآن. ومع ذلك، تجنبت أنقرة تصعيد هذه المسألة علنا أو ممارسة ضغط مكثف في هذه المرحلة، إذ توازن القيادة التركية بين سياساتها في سوريا وانعكاساتها الداخلية، ولا سيما فيما يتصل بتعاملها مع "قسد" والقضية الكردية عموما، على ضوء مسار السلام الجاري مع الأطراف الكردية داخل تركيا.

بناء على ذلك، تحول الملف السوري إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي التركي وأصبح عاملا مؤثرا في السياسة الداخلية، خصوصا مع اقتراب انتخابات 2027، حيث يسعى "حزب العدالة والتنمية" الحاكم إلى توسيع قاعدته الانتخابية الكردية عبر إحراز تقدم في مسار السلام.

سيعتمد المسار المقبل إلى حد كبير على كيفية تنفيذ الاتفاقات بين دمشق و"قوات سوريا الديمقراطية"، رغم استمرار التباين في تفسير بنودها، وهو تباين وصفه قائد "قسد" مظلوم عبدي بأنه خلاف في المصطلحات لا في الجوهر. ويطرح سؤال آخر لم يحسم بعد، يتعلق بإمكان إدراج هذه الترتيبات ضمن الإطار الدستوري السوري المرتقب وبأي صيغة. فقد دعا مظلوم عبدي وإلهام أحمد في تصريحات علنية إلى دسترة "المرسوم رقم 13" الخاص بالحقوق التعليمية والثقافية الكردية، وشدد عبدي على ضرورة دمج "الإدارة الذاتية" في مؤسسات الدولة السورية.

تحول الملف السوري إلى ركيزة أساسية في معادلة الأمن القومي التركي وأصبح عاملا مؤثرا في السياسة الداخلية

غير أن إشارات عبدي الأخيرة إلى "أجزاء كردستان الأربعة" سوريا وتركيا والعراق وإيران، ودعوته إلى توحيد الأكراد تحت سلطة سياسية مشتركة، تعمق المخاوف القائمة في أنقرة وغيرها.

داخل سوريا، يحمل رد فعل الأغلبية العربية السنية وبقية المكونات من دروز وعلويين وتركمان ومسيحيين تجاه الامتيازات التي نالها الأكراد مؤشرات إلى توترات محتملة. ففي الجنوب، يسود بين الدروز قلق حذر، حيث أفسحت المعارك الواسعة المجال لهدوء هش، بينما يراقب قادتهم عن كثب كيفية تعاطي دمشق في نهاية المطاف مع الملف الكردي.

يبرز فارق جوهري بين شمال سوريا وجنوبها في مواقف دول الجوار؛ ففي الشمال تدعم تركيا دمشق في مواجهة "قسد"، بينما قدمت إسرائيل في الجنوب دعما لأطراف درزية معارضة لدمشق.

يبقى التحدي الأكبر أمام دمشق إعادة إعمار بلد أنهكته الحرب وإنعاش اقتصاد متعثر، وهو مسار لن يتقدم من دون معالجة مظالم الأقليات وتسوية النزاعات السياسية العالقة. وستشكل هذه المعادلة الدقيقة اختبارا حاسما للرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يواجه مهمة إدارة التوازن بين القوى الداخلية، والعلاقة مع الأقليات، وتشابك مصالح القوى الخارجية في آن واحد.

font change

مقالات ذات صلة