انعقد مؤتمر ميونيخ للأمن لعام 2026 في لحظة تاريخية مفصلية، يعاد فيها رسم ملامح النظام الدولي القائم على القواعد، ضمن ما اصطلح على تسميته "الحقبة الترمبية". وشهدت أروقة ميونيخ كلمات بالغة الدلالة ألقاها المستشار الألماني فريدريش ميرتس، ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب مسؤولين رفيعي المستوى، عرضوا فيها قراءاتهم للتحولات المتسارعة، واستشرفوا مسارات المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، استأثر الملف الكردي السوري باهتمام خاص، إذ شارك في المؤتمر من سوريا قائد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) مظلوم عبدي، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية فيها إلهام أحمد، وشارك من العراق نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق.
وخلال سنوات الحرب الأهلية السورية، أعاد الأكراد تنظيم صفوفهم عسكريا وسياسيا، مستفيدين من الدعم الأميركي، ومنخرطين مع واشنطن وحلفائها في الحرب على تنظيم "داعش". ولم تمض سنوات حتى أحكمت "قسد" سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية، بما في ذلك مناطق ذات أغلبية عربية مثل دير الزور والرقة، إضافة إلى حقول نفطية استراتيجية، ومعابر حدودية، وسدود ومجارٍ مائية، ومساحات زراعية واسعة.
غير أن هذا المشهد تبدل على نحو دراماتيكي في يناير/كانون الثاني الماضي، حين شن الجيش السوري هجوما واسعا أجبر قوات "قسد" على التراجع، فأعاد رسم التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد. وأدى ذلك إلى فقدان "قسد" ما لا يقل عن 80 في المئة من الأراضي التي كانت خاضعة لنفوذها، وخسارة موردها المالي الرئيس المتمثل في حقول النفط، وفقدان دعم مكونات قبلية عربية ضمن صفوفها، فضلا عن تراجع الدعم الأميركي غير المشروط الذي لطالما حظيت به.


