"برليناله 76" ينطلق بخيارات أكثر انفتاحا على التجارب الجديدة

الألماني فيم فندرز يرأس لجنة التحكيم

RALF HIRSCHBERGER / AFP
RALF HIRSCHBERGER / AFP
دبّ برليناله على واجهة قصر برليناله مع بدء التحضيرات لمهرجان برلين السينمائي الدولي، 6 فبراير 2026

"برليناله 76" ينطلق بخيارات أكثر انفتاحا على التجارب الجديدة

تفتتح مساء الخميس 12 فبراير/شباط، الدورة السادسة والسبعون من مهرجان برلين السينمائي الدولي، لتدشن معها واحدة من أكثر دورات المهرجان تنوعا على مستوى البرامج والاتجاهات، رغم الغياب النسبي للأسماء السينمائية الكبرى، وتمتد العروض حتى 22 فبراير، في دورة تبدو، منذ لحظتها الافتتاحية، معنية بإعادة ترتيب أولوياتها أكثر من السعي إلى لفت الأنظار.

تحت الثلوج التي تغطي العاصمة الألمانية، يدخل المهرجان أسبوعه الأول في مناخ ينسجم مع طبيعته التاريخية، إذ يبدأ بالقراءة والتأمل ويطرح أسئلته بكل هدوء.

وتأتي هذه الدورة في لحظة دقيقة يمر بها المهرجان الذي يتقاطع سعيه الدائم إلى الحفاظ على هويته كمنصة سينمائية ذات حس اجتماعي وسياسي، مع انفتاح متزايد على أشكال سردية وتجريبية متباينة.

 حضور لافت لأفلام تنطلق من العائلة والعلاقات القريبة بوصفها مدخلا لفهم تحولات أوسع تمس الفرد والمجتمع

فبرنامج هذا العام يعكس هذا التوازن بوضوح، من خلال تشكيلة تجمع بين مخرجين في منتصف مسيرتهم وأصوات جديدة، وبين أفلام روائية ووثائقية، وأعمال تحريك وتجريب تشارك داخل المسابقة الرسمية نفسها، في إشارة إلى رغبة المهرجان في توسيع تعريفه للسينما الفنية من دون التخلي عن جذوره.

Christophe SIMON / AFP
المخرج الألماني فيم فندرز يتحدث خلال ختام مهرجان كان السينمائي 2024

يرأس لجنة تحكيم المسابقة هذا العام، المخرج الألماني فيم فندرز، في اختيار يمنح المنافسة بعدا سينمائيا قائما على الخبرة الطويلة في التعامل مع الصورة والذاكرة والمكان. وجود صاحب "أجنحة الرغبة" على رأس لجنة التحكيم، ينسجم مع طبيعة دورة لا تراهن على الصخب أو المفاجآت السريعة، تاركة مساحة للتأمل في الأسلوب والمضمون، بالإضافة إلى العودة الى الشكل أو الهيكل الذي بنى المهرجان إرثه عليه.

AMELIE HEIDUK / AFP
تريشا توتل، مديرة مهرجان برلين السينمائي الدولي، خلال مؤتمر صحافي في برلين، 20 يناير 2026

وتضم المسابقة الرسمية 22 فيلما تمثل 28 دولة، في استمرار لسياسة المهرجان القائمة على التعدد الجغرافي والثقافي، وإبراز أصوات تنطلق من هوامش اجتماعية وسياسية مختلفة. وعند النظر إلى اختيارات هذه الدورة، يبرز حضور لافت لأفلام تنطلق من العائلة والعلاقات القريبة بوصفها مدخلا لفهم تحولات أوسع تمس الفرد والمجتمع. ولا تطرح هذه الثيمة كعنوان مباشر بقدر ما تتقاطع عبر عدد من الأعمال التي تعالج الفقد، والذاكرة، والإرث، والانكسارات اليومية داخل البيت، في سياقات اجتماعية معاصرة، تسجل لنا وعدا في تحول العائلة إلى مساحة اختبار، تتجسد فيه الضغوط السياسية والاقتصادية في تفاصيل الحياة الخاصة، ويتحول الخاص إلى مرآة لما يحدث في المجال العام.

ضمن هذا الإطار، يبرز فيلم "تشذيب شجيرة الورد" للمخرج البرازيلي كريم عينوز، وهو كوميديا سوداء معاصرة، تنطلق من وفاة الأم لتفكك علاقات الأشقاء، وتكشف عن توترات كامنة داخل العائلة، وعن اختلالات قديمة في ميزان السلطة والعاطفة. وتعزز مشاركة عينوز حضور السينما اللاتينية داخل "برليناله"، وتؤكد اهتمام المهرجان بأعمال تشتغل على العلاقات الإنسانية بوصفها بنى تقوم على العوامل الاجتماعية المعقدة.

وفي السياق نفسه، يأتي فيلم "جوزفين"  للمخرجة الأميركية بيث دي أراوجو، في أول مشاركة لها داخل المسابقة الرسمية، وذلك بعدما حصد جوائز في مهرجان "صندانس" قبل فترة قصيرة. وهو يروي قصة والدين يسعيان إلى العدالة بعد حادثة عنف تتعرض لها ابنتهما، في عمل يبدو مرتكزا على أثر الصدمة في البنية العائلية، وعلى تحول الإحساس بالأمان إلى سؤال مفتوح. هذا الاختيار نظريا يعكس اهتمام المهرجان بأعمال تضع الفرد في مواجهة مباشرة مع أنظمة العدالة والمجتمع، من دون اللجوء إلى خطاب سياسي صريح.

كما يشهد البرنامج أيضا عودة المخرج السنغالي آلان غوميس إلى المنافسة بفيلمه "داو"، بعد فوزه بالدب الفضي عام 2017، وتدور حبكته بين فرنسا وغينيا بيساو، ويتناول ثيمات الإرث والانتماء في سياق قد يضعنا في تقاطع بين الشخصي والتاريخي. إذ أن حضور غوميس يندرج ضمن مشاركة أفريقية لافتة هذا العام تعكس استمرار اهتمام "برليناله" بسينما القارة، وخصوصا تلك التي تنطلق من تجارب فردية لفهم تحولات أوسع.

وضمن المسابقة الرسمية أيضا، يشارك المخرج المجري كورنييل موندروتشو بفيلمه "على البحر"، الذي يتناول قصة امرأة تعود إلى منزل عائلتها بعد فترة علاج من الإدمان، في مواجهة مع صدمات الماضي وفقدان الهوية. موندروتشو، المعروف بأفلامه التي تمزج بين الجسد والسياسة، يواصل هنا اشتغاله على العلاقة بين الفرد والفضاء. في السياق نفسه، تعود المخرجة الألمانية أنغيلا شانيليك إلى المنافسة بفيلم "زوجتي تبكي"، وهو عمل يعتمد على الإيقاع البطيء والتقطيع السردي، ويحول حادثا يوميا بسيطا إلى مساحة للتأمل في العلاقات والتفكك العاطفي.

Dia Dipasupil / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
ليلى بوزيد خلال عرض افتتاح «Fire» في نيويورك، 3 مارس 2022

حضور عربي

أما الحضور العربي في هذه الدورة، فهو يكتسب أهمية خاصة، سواء داخل المسابقة الرسمية أو في الأقسام الموازية. ففي المسابقة الرسمية، تشارك المخرجة التونسية ليلى بوزيد بفيلمها "همي"، وهو عمل يحكي قصة امرأة تعود إلى تونس لحضور جنازة أحد أفراد عائلتها، فتواجه ماضيها وعلاقة معقدة بعائلة لا تعرف الكثير عن حياتها في باريس، ولا عن خياراتها الشخصية. يندرج  الفيلم ضمن سينما نفسية تهتم بالمساحات الداخلية للشخصيات، وبالتوتر بين الفرد والمحيط الاجتماعي، في امتداد واضح لاهتمامات بوزيد السينمائية السابقة.

Alain JOCARD / AFP
الممثلة والمخرجة هيا عباس خلال جلسة تصوير قبيل جوائز سيزار 2026 في باريس، 19 يناير 2026

وتظهر الممثلة هيام عباس في أكثر من عمل هذا العام، من بينها فيلم دانيال عربيد، "لا يفوز إلا المتمردون"، الذي تدور أحداثه في بيروت، عن علاقة تنشأ بين امرأة فلسطينية لبنانية أرملة وشاب سوداني، في سياق يجهز لنا مواجهة مباشرة مع بنى اجتماعية قائمة على التمييز والعنف الرمزي، وهو عمل يستخدم العلاقة الشخصية كنقطة انطلاق لقراءة واقع اجتماعي أوسع، ضمن تقليد سينمائي لطالما احتفى به مهرجان برلين.

وفي الأقسام الأخرى، يتواصل هذا الحضور العربي عبر أفلام قصيرة ووثائقية تعالج قضايا العزلة والحصار. حيث تشارك المخرجة اللبنانية ماري روز أسطا في المسابقة القصيرة بفيلم "يوما ما ولد"، الذي يتناول علاقة طفل بعمه داخل فضاء منزلي غير مكتمل، في وصف جاء ليتوعد لنا بسرد يلامس فكرة الاختلاف وحدود "الطبيعية"  كما يفرضها المجتمع.

 يتواصل الحضور العربي عبر أفلام قصيرة ووثائقية تعالج قضايا العزلة والحصار

أما في قسم "وجهات نظر"، فيشارك المخرج الفلسطيني عبدالله الخطيب بفيلمه الروائي الأول، "وقائع زمن الحصار"، الذي يروي قصة مجموعة من الأشخاص تنقلب حياتهم رأسا على عقب بفعل الحصار الإسرائيلي، وبشكل خاص يبدو تمهيدا للخبرات القاسية التي يفرضها واقع الحرب. أما في قسم "بانوراما"، فيعرض الفيلم الوثائقي السوري، "الجانب الآخر من الشمس"، للمخرج توفيق صابوني، الذي يعود إلى سجن صيدنايا بعد سنوات من الإفراج عنه، برفقة عدد من الناجين، في محاولة لاستعادة الأصوات والقصص التي حاول العنف طمسها.

 

تكريمات

Mohd RASFAN / AFP
ميشيل يوه تلوّح خلال فعالية إطلاق "زوروا ماليزيا 2026" في كوالالمبور، 3 يناير 2026

تكريمات

على مستوى التكريمات، يمنح المهرجان هذا العام الدب الذهبي الفخري للممثلة الماليزية ميشيل يوه تقديرا لمسيرتها السينمائية العالمية، فيما تمنح كاميرا برليناله للملحن ماكس ريختر، احتفاء بإسهاماته في توسيع دور الموسيقى داخل التجربة السينمائية المعاصرة، علما أنه وضع الموسيقى التصويرية لفيلم "هامنت" المرشح للعديد من جوائز أوسكار 2026.

 Alberto E. Rodriguez / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
ماكس ريختر خلال عرض "هامنت" ضمن فعاليات بافتا في لوس أنجليس، 19 نوفمبر 2025

ومع انطلاق عروض المهرجان، تبدأ صورة هذه الدورة بالتشكل تدريجيا، على أن تتضح اتجاهاتها الفنية والفكرية مع توالي المشاهدات والنقاشات خلال الأيام المقبلة. في هذه المرحلة الافتتاحية، يفتح مهرجان برلين السينمائي الدولي دورته السادسة والسبعين على مساحة واسعة من الترقب، في انتظار ما ستقوله الأفلام حين تبدأ فعلا في مواجهة الجمهور والنقاد ولجان التحكيم.

font change