تحت وطأة الحرب، تصبح الكتابة استجابة جماعية للصدمة، أو فعلا تعويضيا عن العجز. في حرب غزة، تكدست منصات التواصل بتدفق تعبيري غير مسبوق تنوع بين شذرات، ومقاطع قصيرة، وما يشبه القصائد. كانت اللغة تلهث خلف الحدث، تحاول توثيق المشاعر بتلقائية، وتنقل إحساس الامتثال لأشكال الرعب والفقد والجوع والتشتت التي خلفتها قسوة الحرب. الكثير مما كتب ويكتب، يرى نقاد وشعراء أنه يفقتر إلى اشتغال أدواتي لصنع قصيدة، مما أفرز مفارقة حادة بين نص الصدمة المندفع، ونص الأثر الذي يحاول الحفاظ على المعنى واستمرارية تداوله.
من اللافت أن المنصات الرقمية فرضت شروطها على الأدب، إذ كافأت الخوارزميات النص السريع، ذلك الذي يسهل تداوله واقتباسه. فصعدت نصوص تعتمد المباشرة الفجة، بجمل مكتنزة بالعاطفة الخام، سهلة الترجمة والعبور نحو "الترند". هذه النصوص ينصفها بعض آخر، فيرى أنها أدت وظيفتها كوثيقة بقاء وصرخة احتجاج آنية، وإن ظلت أسيرة اللحظة، وافتقدت الوسيط الجمالي الذي يمنحها الصمود داخل عالم الشعر. القلق الحقيقي الذي عبرت عنه أصوات خجولة خلال الحرب، يكمن في تهميش النص المشتغل عليه شعريا، ذلك الذي لا يرضى بأن يكون مجرد صدى للحدث.
في ظل هذا الصعود لنصوص بعينها، اختفت نصوص أخرى، قل تداولها، بفعل الاستسهال والتراخي من القائمين على منصات النشر والترجمة، وكذلك بفعل العلاقات الإنسانية بين من يكتب ومن ينشر. فهناك العديد من الشعراء في غزة لم تأخذ نصوصهم المكانة التي تستحقها في التوثيق والنقل حول مأساة الإنسان بغزة خلال الحرب.
هذا الواقع يطرح على الشعر أسئلة يتعلق بعضها بجدوى الكتابة نفسها، وبعضها الآخر بما إذا كان يمكن كتابة نص يتجاوز اللحظة الآنية ويبقى بالفعل كوثيقة على المأساة الإنسانية.
لصوص المعنى
تكتب الشاعرة سمية وادي، ضمن تقليد شعري رصين، فلا تزال تلتزم التفعيلة التي يعتبرها البعض قيدا، لكنها بالنسبة إليها ميزان جمالي للسيطرة على فوضى المشاعر. في قولها: "وهذا الموت يشبهني وأشبهه"، يتجلى توازن دقيق، الموت هنا ليس مشهدا خارجيا، بل إعادة تعريف للذات من الداخل. هي ترفض الارتكان للصدمة البصرية، وتذهب نحو بناء علاقة جديدة مع الفكرة.



