عبد الوهاب أبو زيد لـ"المجلة": الشعر سفر دائم وما من وصول

ملاذي وملجئي وخطابي ومرافعتي الواهنة في وجه الموت

عبد الوهاب أبو زيد لـ"المجلة": الشعر سفر دائم وما من وصول

ينتمي الشاعر والمترجم السعودي عبد الوهاب أبو زيد، إلى جيل يملك وعيا عميقا بين الأصالة والحداثة. صدرت له أربع مجموعات شعرية هي "لي ما أشاء" (2008)، "لا قبلها من نساء ولا بعدها من أحد"، (2013)، "عشاء وحيد لروحي الوحيدة" (2020)، و"لا تترك الليل وحده" (2022).

يتحدث أبو زيد عن عصيان الشعر الدائم على التعريف، وعن تأثره بالشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا (1888- 1935)، ويتوقف عند هاجس الموت الذي يجد في الشعر ملاذا آمنا، هنا حوار معه.

في قصيدتك "محاولات بائسة لتعريف القصيدة"، تعترف بإشكالية تعريف الشعر. فهل وصلت إلى تعريف أكثر يقينا، أم أن جوهر الشعر لا يزال يكمن في عصيانه الدائم على التعريف؟

تماما! جوهر الشعر لا يزال يكمن في عصيانه الدائم على التعريف، كما تقول في سؤالك. الشعر حالة سفر دائمة وما من محطات توقف أو وصول. الشعر حالة من القلق الدائم واللايقين والشك. وكل من يحاول فرض تعريف محدد أو حتى مجرد اقتراحه لهذا الكائن الأثيري المتفلت من كل أنواع القيود اللفظية والمنطقية والمفاهيمي، سيبوء حتما بالفشل.

شعراء في شاعر

تأثرت بالشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا وفكرة تعدد الأصوات داخل الذات الواحدة. فهذا التعدد هل يثري التجربة حقا، أم قد يشتت هوية الشاعر ويجعل بصمته أقل وضوحا؟ وكيف تحافظ على خصوصية صوتك وسط هذا التعدد؟

أحب أن أظن أنني تأثرت بالفعل بتجربة هذا الشاعر الهائل المتعدد الأوجه والأصوات والذوات. يعيش الشاعر عمرا واحدا وحياة واحدة وقد يجد في نفسه القدرة على الكتابة بأكثر من شكل ونمط أو قد يجد ذاته في أكثر من شكل ونمط، ولست أرى بأسا في فعله ذلك. ربما يكون لديه من الطاقة الشعرية، إن صح التعبير، ما يمكنه التفجر والتفرع في أكثر من مصب، فما الذي يمنع ذلك ويحول دونه؟ شخصيا كانت معرفتي ببسوا واطلاعي على أعماله وتجربته نقطة تحول في تجربتي الكتابية، كما يحلو لي الزعم. كنت في ما مضى قد وصلت لقناعة بأنني شاعر قصيدة تفعيلة (حرة) تبتعد قدر الإمكان عن الشكل التقليدي والمعاني المباشرة، حتى أن قصائد ديواني الأول كانت كلها باستثناء قصيدة واحدة تدخل في إطار هذا الشكل. ولكنني عدت في مرحلة لاحقة بتأثير من بسوا (وقد تكون هناك مؤثرات أخرى) لكتابة القصيدة بشكلها التقليدي. هذا في ما يخص الشكل.

أنا شاعر رومانسي حالم حينا، وشاعر يتغنى بالطبيعة وتمظهراتها حينا آخر، وشاعر يخوض حمى تجربة وجودية قلقة حينا آخر

 على صعيد محتوى القصائد وموضوعاتها هناك اختلاف وتعدد أيضا، فأنا شاعر رومانسي حالم حينا، وشاعر يتغنى بالطبيعة وتمظهراتها حينا آخر، وشاعر يخوض حمى تجربة وجودية قلقة حينا آخر، وشاعر أقرب الى الإيمان واليقين حينا آخر، وشاعر ساخر حينا آخر.

حتى في ما يخص الشكل، كتبت ولا ازال بكل أشكال القصيدة العربية، فضلا عن الكتابة باللهجة المحلية بالشكلين العمودي والحر. ولي محاولات قليلة جدا للكتابة بلهجات عربية محلية كالعراقية واللبنانية والمصرية. وما قد لا يعرفه كثيرون عني ،هو أنني حاولت الكتابة باللغة الإنكليزية أيضا، ولي نصوص فيها لن ترى النور على الأرجح لأن اقتناعي بها ورضاي عنها شبه معدوم.

PATRICIA DE MELO MOREIRA / AFP
نادل يمر قرب تمثال الشاعر البرتغالي فرناندو بسوا، من نحت لاجوا هنريكيس، في مقهى "أ برازيلييرا" الشهير في لشبونة، 14 يوليو 2021

ألهمك بسوا فكرة تعدد الأصوات. من بين "أقنعته" الشعرية، أيها تشعر أنها الأقرب إلى طبيعتك، وأيها الأكثر غرابة أو بعدا عنك؟

ربما يكون أكثرها قربا من نفسي هو ألبرتو كاييرو، الشاعر المحب للطبيعة الذي يرفض أن يقول عناصر الطبيعة ما لا تقوله من تأويلات وانعكاسات للمشاعر والأحاسيس والأفكار. شاعر البساطة والعمق معا. أما أبعدهم عني نسبيا فربما يكون ريكاردو رييس بجنوحه إلى الكلاسيكية وتأملاته الرواقية التي لا تخلو من هيمنة الأفكار وضمور وهج العاطفة.

نصوص جديرة بالبقاء

في إحدى المحاضرات توقفت عند إشكالية وصول الأدب السعودي إلى العالمية. هل تعتقد أن المبدع السعودي يتحمل جزءا من المسؤولية في اختياراته الموضوعاتية ووعيه بآليات الانتشار الثقافي؟

لا يتحمل الكاتب السعودي أو العربي أو أي كاتب من أي جنسية سوى مسؤولية أن يكتب نصا جديرا بالبقاء من بعده إذا ما استعرنا عبارة الشاعر اللبناني بسام حجار(1955-2009)، الشهيرة في إحدى أجمل قصائده. هناك أيضا مسألة مهمة وهي قابلية النص للترجمة وتسامحه معها، بمعنى ألا يكون محض اشتغال لغوي أقرب إلى العبث منه إلى الإبداع، لأن مثل هذا النوع من النصوص لن تكتب له الحياة في أي لغة كانت، وأولها اللغة التي كتب بها.

درويش قدم لنا درسا بليغا ومثالا أعلى في الخروج على الذات وتجديدها من مرحلة زمنية ومرحلة عمرية إلى أخرى

أما ما تسميه "آليات الانتشار الثقافي" فهي أمر من الأحرى بالشاعر والأديب عموما أن ينأى بنفسه عنه، إن كان ذلك يعني كتابة ما يطلبه الآخرون وما يتوقعونه وما يشبع فضولهم وأعينهم المتطفلة على ما يعدونه كامنا في الخفاء.

FETHI BELAID / AFP
الشاعر الفلسطيني محمود درويش خلال أيام قرطاج المسرحية في تونس، 6 ديسمبر 2007

أنت قارئ نهم لمحمود درويش وغيره، لكنك ترفض فكرة "المثل الأعلى" الذي يقلد. كيف ترسم الحدود بين التأثر الواعي الذي يثري التجربة، وبين الوقوع في فخ التقليد أو "استنساخ الذات"؟

هذا سؤال صعب وليتني أملك القدرة على الإجابة عنه، وإن كنت أظن أنه يتطرق الى مسألتين منفصلتين وهما تقليد الآخر الرمز، وهو ما يقع في إطار التأثر بتجارب الآخرين إجمالا، وتقليد الذات، بمعنى استنساخ التجربة الذاتية وإعادة تدوير الكاتب لنصوصه وأفكاره وأساليبه الكتابية. درويش الذي من الصعب أن ينجو شاعر من فتنة التأثر به، سواء أكان الشاعر واعيا بذلك التأثر أم لم يكن واعيا به، قدم لنا درسا بليغا ومثالا أعلى في الخروج على الذات وتجديدها من مرحلة زمنية ومرحلة عمرية إلى أخرى.

غلاف "عشاء وحيد لروحي الوحيدة"

هاجسي الأزلي

توقفت كثيرا عند ثيمة الموت في شعرك، بل أشرت إلى رغبتك في تخصيص ديوان كامل له. هل هو هاجس وجودي خاص بك، أم هاجس إنساني عام يجد في الشعر ملاذا آمنا بعيدا من الخطاب الديني أو الفلسفي المباشر؟

هو هاجس وجودي في الدرجة الأولى بكل تأكيد، وسؤال أزلي وأبدي عمره عمر وجود الإنسان على الأرض أو في أي كوكب آخر يحتمل فيه وجود إنسان آخر أو كائنات أخرى عاقلة عليه. بالطبع، هو لا ينفصل عن الخطابين الديني والفلسفي فلا بد لهذين البعدين من أن يتسللا إلى النصوص التي تدور في فلك الموت وأن يكونا حاضرين بدرجة أو بأخرى، ولكنني لا أزعم امتلاك القدرة ولا الجرأة حتما لخوض غمار هذين الخطابين الإشكاليين. الشعر هو ملاذي وملجئي وخطابي ومرافعتي الواهنة في وجه الموت. أما بالنسبة للديوان، فلم تكن النية مبيتة لذلك، ولكنني اكتشفت أنه أصبح في جعبتي الكثير من القصائد حول الموت، مما يمكن أن يشكل نواة ديوان مستقل لهذه الثيمة.

وصفت الترجمة بأنها "صعوبة مستلذة" وشبهتها بكتابة نص خاص بك. في لحظة الترجمة، هل تشعر أنك تقترب أكثر من الشاعر الأصلي، أم أنك تبتعد عنه لتخلق شيئا جديدا يخصك وحدك؟

هي بالفعل صعوبة مستلذة، خاصة في ترجمة النص الإبداعي والشعري على نحو أدق بالنسبة لي. أما بالنسبة لسؤال ثنائية الاقتراب والابتعاد، فلا بد للمترجم من أن يقترب من عوالم الشاعر الذي يترجم له، بمعنى أن يطلع ما أمكنه ذلك على أبعاد تجربته وكتبه ونصوصه وما كتب عنه، والحوارات التي أجريت معه لتتشكل لديه صورة متكاملة عنه تتيح له فهما أدق واقترابا أكبر من فهم واستيعاب وتشرب أبعاد تجربته.

حاولت أن أكتب قصيدة النثر وفشلت فشلا ذريعا لأن بنائي وتكويني الشعري راسخ الجذور في الموسيقى والأوزان والبحور

كما أنه لا بد للمترجم من أن "يبتعد" بمعنى من المعاني عن النصوص التي يتصدى لترجمتها، بمعنى ألا يلتزم حرفيتها وتطابقها مع النص المترجم لكي يقرأ هذا النص لا بوصفه ترجمة بل بوصفه نصا قريبا قدر الإمكان من كونه قد كتب بلغة المترجم الأولى التي يترجم إليها.

غلاف "ولا قبلها من نساء ولا بعدها من أحد"

طارق بابي الأول

في قصائدك حضور قوي للخيال والعيون والمرأة. عندما تستيقظ صباحا، أي من هذه العوالم يطرق بابك أولا: وجه امرأة تحلم بها، صورة شعرية تريد تعقبها، أم مجرد إيقاع موسيقي عابر يتمنى أن يتجسد؟

غالبا ما يبدأ الأمر بإيقاع موسيقي يبحث عن شكله وتشكله المناسب بالكلمات والتعبيرات الملائمة. أنا شاعر مسكون بالإيقاع والموسيقى حد الهوس وحد العجز عن مجرد فكرة التخفف منه، دع عنك التخلي عنه. ولا أخفيك أن هذا الأمر يزعجني أحيانا. حاولت مثلا أن أكتب قصيدة النثر وفشلت فشلا ذريعا لأن بنائي وتكويني الشعري راسخ الجذور في الموسيقى والأوزان والبحور التي قد لا يعرف كثيرون أنني لم أدرسها ولا أعرف كيف أفرق ما بينها.

غلاف "لا تترك الليل وحده"

كتبت عن الليل كله في ديوان "لا تترك الليل وحده". في الليل تحديدا، هل تولد القصيدة من رحم الظلمة أم من رحم الصمت؟ وأيهما أكثر رعبا للشاعر: ظلمة العيون أم صمت الأوراق البيضاء؟

منهما معا. الظلمة والصمت، وأضيف لهما العزلة، لأن القصيدة تحب الاستئثار بشاعرها ولا ترتضي لها شريكا أو شريكة فيه. لا أحسن كتابة القصائد في الأماكن العامة والمقاهي كما يفعل بعض الشعراء، إلا في حالات نادرة جدا، شريطة أن أكون وحدي. الحالة المثالية هي أن نكون معا، القصيدة وأنا، بين جدران أربعة، أو حتى في سيارتي في سفر طويل غالبا، بلا ضجيج أو منغصات. حينها فقط تتفاعل كيمياء القصيدة وتولد من تلك الرحم.

لا بد للمترجم من أن "يبتعد" عن النصوص التي يتصدى لترجمتها، بمعنى ألا يلتزم حرفيتها وتطابقها مع النص المترجم

أما في سؤال ما هو أكثر رعبا للشاعر، فهو حتما صمت الأوراق البيضاء. تلك الأوراق التي يدخل الشاعر دائما في مغامرة التفتيش فيها عن احتمال قصيدة كامنة فيها، تماما كما يفتش النحات في كتلة مصمتة من الحجارة عن التمثال المخبأ فيها. 

font change

مقالات ذات صلة