"أحلام قطار" وتأملات في العزلة والفقد

"نتفليكس" تصحح المسار بمغامرة بصرية ناجحة

Phillip Faraone / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
Phillip Faraone / GETTY IMAGES NORTH AMERICA / Getty Images via AFP
مايكل كيتون يتحدث خلال عرض فيلم "أحلام قطار" في مقر CAA بلوس أنجليس، 11 ديسمبر 2025

"أحلام قطار" وتأملات في العزلة والفقد

في عام سينمائي يزدحم فيه صناع الأفلام أصحاب السير الذاتية المرصعة، يتسلل كلينت بينتلي بفيلم "أحلام قطار" Train Dreams كأحد أنجح الأفلام نقديا وأجملها بصريا. بينتلي الذي لاقى نجاحا محلوظا مع فيلم "غنّ غنّ" Sing Sing في العام الماضي، يعود هذه المرة ككاتب ومخرج لرواية الكاتب الأميركي دينيس جونسون وهي تحمل العنوان نفسه. يتحدث الفيلم عن روبرت غرينر، حطاب وعامل سكك حديد في بداية القرن العشرين في الولايات المتحدة، وهي فترة جوهرية من ناحية التغيرات الثقافية والعمرانية والصناعية.

يأخذنا الفيلم رفقة غرينر في رحلته الهادئة التأملية وهو يصارع مشاكل نفسية معقدة مثل اكتئاب ما بعد الصدمة والتحول المجتمعي للفردانية في ظل تضخم المدن ومحاولته تخطي فقدان زوجته وابنته في حريق مأسوي. الفيلم من بطولة جول إيدغرتون، في ما قد يكون أفضل أدواره على الإطلاق، يرافقه فيليسيتي جونز وويليام اتش مايسي وكاري كوندون.

جمال طبيعي

الفيلم مصور بطريقة فريدة، حيث العديد من زوايا التصوير الواسعة التي تأخذ كامل محيط الشخصيات في الحيز، باعتماد شبه كامل على إضاءة طبيعية. وبذلك يظهر الفيلم الجمال في هذه البيئة، جمالا ذابل، لأنه بتقدم السنوات والتوسع العمراني سوف تتلاشى هذه الغابات الشاسعة الغنية بالخضرة والحياة، مفسحة المجال لمبان حديثة من صنع الإنسان.

كما يعتمد الفيلم أبعاد تصوير 3:2، وهي الأبعاد نفسها المستخدمة في الصور الفوتوغرافية القديمة. يقول المصور السينمائي أدولفو فيلوسو إنه أثناء عملية البحث والتجهيز لتصوير الفيلم، عاين العديد من الصور في تلك الحقبة ولاحظ وجود هذه الأبعاد بكثرة، فاتفق مع المخرج على استخدام هذه الأبعاد لتصوير كامل الفيلم.

ينجح الفيلم في توثيق مشاهده وكأنها لحظات عابرة ومقتطفة من زمن مضى

استخدام هذه الأبعاد وحده ليس كفيلا بجعل المشاهدين يعيشون أجواء الحقبة الزمنية، ولكن اختيار زوايا التصوير وطريقة وقوف الممثلين في المشاهد يجب أخذهما في الحسبان، إذ يحتوي الفيلم على مشاهد عدة للممثلين وهم ثابتون أو قليلو الحركة ينظرون نحو أفق بعيد، وبذلك ينجح الفيلم في توثيق مشاهده وكأنها لحظات عابرة ومقتطفة من زمن مضى.

Unique Nicole / AFP
(من اليسار إلى اليمين) كليفتون كولينز، فيليسيتي جونز، ويليام إتش. ميسي، كيري كوندون، ألفريد هسينغ، وجويل إدغرتون، خلال العرض الأول لفيلم "أحلام قطار" في المسرح المصري بهوليوود، كاليفورنيا، 3 نوفمبر 2025

هذه الاختيارات الفنية (الأبعاد والإضاءة الطبيعية) مستغربة، كون الفيلم من إنتاج منصة "نتفليكس" المسؤولة عن إنتاج العديد من الأعمال المحبطة التي تساهم بشكل مستمر في تقليص حجم دور العرض والإصدارات السينمائية لصالح الإصدارات الرقمية. ولا نملك سوى التمني بأن النجاح النقدي والجماهيري -على منصات التواصل الاجتماعي على الأقل- كفيل جعل "نتفليكس" تتخذ خطوات إبداعية مستقبلية في هذا الاتجاه.

صدمات عاطفية

أولى الصدمات العاطفية التي واجهها روبرت غرينر، كانت أثناء عمله على سكة حديد رفقة عامل صيني، حيث تقرر مجموعة من الرجال القبض على العامل دون وجه حق ومن ثم رميه من أعلى السكة الحديد إلى حتفه. الطريقة التي يبدأ بها المشهد، حيث يقوم روبرت بنشر جذع شجرة سوية مع العامل، ومن ثم تتم عملية القبض أمام أنظار الجميع، وبعد ذلك تقع جريمة القتل. يحصل كل ذلك خلال ثوانٍ معدودة، بينما يقف جميع العمال صامتين غير معترضين. أما روبرت فكل ما استطاع القيام به من اعتراض، هو سؤالهم عما اقترفه زميله.

في نظرة إجمالية إلى الفيلم، يمكن تفهم كيف تعتبر هذه النقطة مفصلية في السرد، وكيف أصبح الرجل الصيني رفيقا لروبرت في خياله وأحلامه ويقظته. إنه تذكير دائم بهشاشة الوجود وضعف الحيلة. تنبع الهشاشة هنا تنبع من جانبين. فمن جهة، يقرر  أشخاص عديدون أن أحدهم ليس جديرا بالعيش، والسبب الوحيد خلف ذلك يرجع إلى خلفيته العرقية، وهنا قد يعد روبرت نفسه محظوظا كونه وُلد في المكان الصحيح وفي الزمن الصحيح. لكن ذلك سوف يكون مصدرا عميقا للشعور بالذنب كونه وقف مكتوف اليدين أمام عملية إعدام ظالمة حدثت أمامه. ومن جهة أخرى، تكمن الهشاشة في كون العامل الصيني كان، قبل ثوانٍ قليلة من قتله، منهمكا في عمله غير مدرك أن نهايته وشيكة.

إنه وجود هش، ومضمحل، وعرضة للتلاشي لأدنى سبب. هذه الصدمة والذنب المترسب خلفها، يلاحقان روبرت في أجمل أيام حياته وأسوئها، في تذكير مستمر بأن العيش الرغيد لحظي وامتياز غير مستمر، والأيام السيئة قد تكون عقوبة على عدم اتخاذ موقف أوضح تجاه الظلم.

Netflix via AP
صورة صادرة عن "نتفليكس" تُظهر جويل إدغرتون في مشهد من فيلم "أحلام قطار"

بعد فاجعة الحريق الذي أودى بحياة زوجته وابنته، يواجه روبرت، فضلا عن الفقد وانفطار القلب، معضلة أشد تعقيدا وأثرا على نفسه، فهو لم يجد أثرا للجثتين. بالتالي، يتشبث ببصيص أمل وهمي بأنهما لم تلقيا حتفيهما في الحريق بل استطاعتا الهرب. عدم القدرة على إيجاد خاتمة تحسم أمره في خصوص زوجته وابنته، حتى مع كون هذه الخاتمة مأسوية، هو مصدر ألم نفسي إضافي، ويبقى روبرت معلقا غير قادر على المضي قدما في حياته واستيعاب فقده، وتبقى هذه المشاعر تثقل كاهله خفية وتغذي أملا وهميا لديه.

إبحار في الخسارة

من هناك، يبحر الفيلم في أعماق روبرت فنلاحظ كيف يحاول هذا الرجل المفطور القلب أن يتأقلم مع ما لا يمكن التأقلم معه: خسارة كل ما يعيش ويعمل من أجله، دون التأكد الكامل من هذه الخسارة. تغييرات سريعة تعصف بالبيئة من حوله، ليس على الصعيد الجغرافي والعمراني فحسب، بل على الصعيد الاجتماعي كذلك، وشعور قديم وعميق بالذنب يتسلل إلى السطح في كل مرة يفكر فيها أن يحظى ببعض السلام النفسي.

تذكير مستمر بأن العيش الرغيد لحظي وامتياز غير مستمر، والأيام السيئة قد تكون عقوبة على عدم اتخاذ موقف أوضح تجاه الظلم

رحلة بهذا الشقاء وفي وقتنا الحاضر، سوف نجزم بأنه لا يمكن خوضها دون مساعدة مجتمعية واحترافية وإكلينيكية حتى. لكن روبرت يلتفت حوله وبالكاد يجد بضعة أشخاص مستعدين لمساعدته أو تمضية بعض الوقت معه. فهو يعيش في زمن بدأ المجتمع يتحول فيه من النزعة الجماعية والترابط إلى الفردانية، ويصبح رفيقه الوحيد والمستمر في هذه الرحلة هو الطبيعة بكل ما تحويه من جمال كامن في أشجارها وغاباتها وتحولاتها وحيواناتها.

هذه العزلة المفروضة على روبرت وطريقة إقباله عليها بكل تفاصيلها، ترغمنا على استحضار أهمية استشعار تفاصيل حياتنا الكثيفة، في زمن تستمر مشاعرنا بالتبلد والاختلاط والتلون بلون رمادي موحد خالٍ من أي ردود فعل إنسانية حقيقية. يساهم في نجاح هذا الأمر، الأداء الرائع من جول إيدغرتون الذي يحمل تقاسيم وجه يبدو أنها خُلقت لتمثيل دور من تلك الحقبة، يرافقه ظهور منعش للغاية من المخضرم ويليام إتش مايسي، ودور مطعم بلمسات كوميدية وتراجيدية متوازنة.

صوت الراوي

لعل ما يُضعف الفيلم هو الحضور المتكرر لصوت الراوي، وقد يكون كلينت بينتلي في حرصه على توفير اقتباس صادق للمادة الأدبية، قرر أن يضيف العديد من الأسطر المأخوذة مباشرة من الرواية دون تغييرها، بل حرص على أن يكون صوت الراوي هو الصوت نفسه الموجود في النسخة الصوتية من الرواية. أعتقد أنه يرى أن هذا الصوت الفريد الموجود في الرواية، جزء مهم من العمل، ولا يمكن اقتباسه دون أن يكون حاضرا بكثرة في النسخة النهائية للفيلم.

Eugene Gologursky/Getty Images for Netflix/AFP
كلينت بينتلي خلال حضوره عرض فيلم "أحلام قطار" ضمن فعالية NY AMPAS Tastemaker في فندق ويتبي، نيويورك، 14 أكتوبر 2025

إيجابيا، قد يكون الراوي أحد أسباب نجاح الفيلم جماهيريا، فهو يجعل من عملية استهلاك الفيلم أسهل بكثير في ظل قلة الحوارات والعديد من المشاهد الصامتة التأملية، التي بدورها لن تجعل الفيلم مقبولا لدى ذوق المشاهد المتوسط لمنصة "نتفليكس". لكن مما لا شك فيه أن عدم وجود الراوي في النسخة النهائية، سوف يجعلنا أمام فيلم أعمق يجبر المشاهد على ما هو أكثر من مرافقة روبرت في رحلته، بخوض حوار مع النفس حول المواضيع والثيمات الخفية التي سوف يمررها الفيلم بسلاسة من خلال عرض أحداثه دون صوت راوٍ يلقنه إياها تلقينا.

Netflix via AP
صورة صادرة عن "نتفليكس" تُظهر جويل إدغرتون (يسار) وكيري كوندون في مشهد من فيلم "أحلام قطار"

سوف يتحول الفيلم إلى عمل فني أكثر حدة وضراوة، ومن الممكن أن تنفر المشاهد الصامتة والبطيئة العديد من المشاهدين، ولكن من يبقى، عليه أن يكون مجبرا على استشعار مصائب روبرت ومحطات حياته دون يد تقوده خلال مشاعره. وفي وقتنا الحالي قد يكون هذا أكثر ما يرعب المشاهدين.

اقتباس مادة أدبية عميقة تلمس جرحا في التاريخ الأميركي، واختيار مخرج وكاتب شاب لتنفيذ هذه المهمة، فيه نوع من الرهان لم نعتده من شركات إنتاجية بهذا الحجم

فيلم "أحلام قطار" هو خطوة نادرة في الاتجاه الصحيح من الناحية السينمائية لـ"نتفليكس"، فاقتباس مادة أدبية عميقة تلمس جرحا في التاريخ الأميركي، واختيار مخرج وكاتب شاب لتنفيذ هذه المهمة، فيه نوع من الرهان لم نعتده من شركات إنتاجية بهذا الحجم، وتبقى الإشكالية في قرار "نتفليكس" عرض الفيلم في دور محدودة فقط وبثه على المنصة بشكل مباشر. ففيلم بهذه الجماليات، ومصنوع بصريا بهذه العناية، يستحق أن يشاهده الجمهور على الشاشة الكبيرة.

font change

مقالات ذات صلة