بوتين يطمئن بوش عشية غزو العراق: سنؤجل اقرار الاتفاق الاستراتيجي بيننا كي لاتحصل فضيحة (2 من 2)

تنشر "المجلة" دفعة ثانية من محاضر سرية لاجتماعات ومكالمات هاتفية بين الرئيسين الأميركي والروسي. وتغطي ثماني وثائق سرية، أولها مكالمة، صيف 2001، وآخرها اتصال عشية غزو العراق في مارس 2003

المجلة
المجلة

بوتين يطمئن بوش عشية غزو العراق: سنؤجل اقرار الاتفاق الاستراتيجي بيننا كي لاتحصل فضيحة (2 من 2)

تطورت العلاقة الشخصية بين الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن والرئيس فلاديمير بوتين بسرعة لافتة. وتبادلا الأحاديث الخاصة، وتخليا عن الخطاب الرسمي. وفي أقل من ستة أشهر على اللقاء الأول، بدا أن العلاقات تسير نحو صداقة ودعوات عائلية في أجواء غير رسمية. ولعب موقف بوتين من أحداث 11 سبتمبر/أيلول الداعم بقوة للولايات المتحدة في تقريب البلدين كثيرا. وفي المقابل، كشفت محاضر اللقاءات والمكالمات الهاتفية التي حصلت عليها "المجلة"، وتواصل نشرها، أن بوش لم يكن قادرا/أو راغبا في تقديم أكثر من الكلام المعسول، والانتقال إلى قرارات وإجراءات لبناء علاقات على أسس جديدة مع روسيا. وفي مقابل عروض حسن النية، ومقترحات بوتين لدعم إدارة بوش، لم تقدم الإدارة الأميركية على خطوة كبيرة لإنجاح مساعي الكرملين، وبدا أن واشنطن تفضل شراكة انتقائية تتناسب مع مخططاتها وأهدافها العالمية حينها، من دون مراعاة عدم إحراج روسيا أمام شركائها العالميين، ما ساهم لاحقا في اختلاف المسارات بعد خيبة بوتين وتراجع ثقته في حدوث اختراقات كبيرة. ورغم المؤشرات المتتالية لبداية الخلافات، كان لافتا محافظة الرئيسين على اللجوء إلى الحوار ومنع التصعيد الإعلامي.

تحضيرات لزيارة غير مسبوقة

تتطرق مجريات المكالمة الهاتفية التي جرت في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، ورفعت السرية عنها أخيرا، إلى التحضيرات النهائية لزيارة الرئيس بوتين إلى واشنطن ومزرعة بوش في كروفورد في ولاية تكساس. ورغم أن الحديث تطرق إلى مكافحة الإرهاب والأسلحة الهجومية وقانون "جاكسون-فانيك"، فإن جوهر النقاش انصبّ على معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. وقدّم بوش خيارين: الأول هو موافقة روسيا على أن "تجري الولايات المتحدة تجاربها بحرية ودون أي قيود، وأن نتبادل المعلومات معكم"، وفي هذه الحالة ستبقى الولايات المتحدة ملتزمة بالمعاهدة لفترة محددة. أما الخيار الثاني فهو عدم موافقة روسيا على إجراء تجارب غير محدودة، فلا خيار أمام بوش سوى الانسحاب من المعاهدة. وفي حال الذهاب إلى الخيار الثاني، تعهد بوش لبوتين بالقول: "لن أضعك في موقف محرج إذا لم نتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن التجارب". وفي المقابل، يبدي بوتين أملا في تقارب حول موضوع الصواريخ المضادة للباليستي، ويشير إلى أن "لدينا عدة خيارات. كلها جيدة".

تطرق الرئيسان إلى تحسن في التنسيق لمكافحة الإرهاب في أفغانستان، ومخاوف طاجيكستان من تسليح واشنطن لـ"التحالف الشمالي"

وتطرق الرئيسان إلى تحسن في التنسيق لمكافحة الإرهاب في أفغانستان، ومخاوف طاجيكستان من تسليح واشنطن لـ"التحالف الشمالي" (تحالف عسكري سياسي أفغاني في التسعينات لمواجهة "طالبان"). وفي ختام المكالمة، طلب بوش من نظيره إحضار ملابس غير رسمية وأحذية مريحة ليتمكن من القيام بنزهات طويلة في مزرعته في كروفورد. وعرض على بوتين اصطحابه إلى مدرسة ثانوية صغيرة في مسقط رأسه في تكساس. وقال بوش: "أريد أن يرى الناس أنك مفكر معاصر، وأريدك أن ترى الأميركيين".

بوتين أول زعيم روسي وسوفياتي في غرفة مجلس الوزراء الأميركي

في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2001، بدأ بوتين زيارته إلى الولايات المتحدة بقمة شارك فيها عدد كبير من مسؤولي البلدين، 16 من الجانب الروسي، و12 من الأميركيين. ولإضفاء أهمية كبيرة على اللقاء عقدت القمة في قاعة مجلس الوزراء حيث يجتمع بوش شهريا مع وزرائه. وقال بوش: "ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها رئيس أميركي ورئيس روسي هنا".

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي جورج دبليو بوش يسيران معًا في مقر الإقامة الصيفية الرئاسية بوتشاروف روتشي على البحر الأسود في سوتشي، 6 أبريل 2008

في اللقاء، يسعى بوش إلى تلطيف الأجواء، والتأكيد على أن وجود خلافات أمر طبيعي بقوله: "لطالما كان الرئيس بوتين حريصا على تمثيل مصالح بلاده. أخبرته أنني وزوجتي لا نتفق دائما بنسبة 100 في المئة، لكننا ما زلنا نحب بعضنا. يقول الرئيس بوتين إنه وزوجته يتفقان دائما، زواجه غير عادي، فهو يفعل كل ما تقوله".

كان التزام بوتين بالحرب العالمية على الإرهاب أكثر أهمية بالنسبة للرئيس الأميركي، "لقد كان الرئيس [بوتين] متعاونا للغاية في الحرب على الإرهاب... وكان عمله مع أفغانستان وطاجيكستان وأوزبكستان ذا قيمة لا تُقدّر بثمن". ويشدد بوش على أنه "من مصلحة الشعب الأميركي، ومصلحة أمتي، أن يكون لدينا تحالف مع روسيا على المدى القصير والبعيد".

حرص بوش على معالجة معارضة روسيا لتوسع حلف "الناتو" في دول حلف "وارسو" السابقة. "أما بالنسبة لـ(الناتو)، فأستطيع أن أقول إنه من مصلحة أمتي والعالم أن تُمنح روسيا دورا فريدا مع (الناتو)، وهو دور يمكن أن يشعر كل من الرئيس بوتين ونحن بالراحة تجاهه".

كشفت مكالمة أجراها الرئيس بوتين مع نظيره بوش الابن في 2 أبريل 2002، عن رغبة الكرملين في مساعدة رئيس الحكومة الإيطالية، حينها، سلفيو بيرلسكوني والذي ربطته علاقة صداقة متينة مع بوتين

في نقاشٍ مُفصّل حول الحرب الدائرة في أفغانستان وفرار طالبان من كابول بعد انتصار "التحالف الشمالي" المدعوم من الولايات المتحدة، حذّر بوتين قائلا: "من الصعب تقديم النصيحة، وليس من الصعب فحسب، بل من المستحيل إغلاق الحدود (مع باكستان). علينا أن نقضي عليهم كما يقضى على الجرذان، أو أن نشتري ذممهم. عندما توغلت طالبان في شمال أفغانستان بدعمٍ من باكستان قبل خمس سنوات، كان القادة الميدانيون يكتفون بتغيير زيهم العسكري وأعلامهم وعمائمهم. أما الآن، فالوضع معكوس."

ويشير بوش إلى تحفظاته بشأن بعض حلفائه (في أوروبا)، ثم يطمئن بوتين قائلا: "لا، لست قلقا عليك. أنت من النوع الذي أحب أن يكون معي في الخندق".

ويؤكد بوتين استعداد بلاده للمشاركة في البحث والإنقاذ لطواقم الطائرات المنكوبة. كما يشير إلى استعداد في محاربة طالبان إن لزم الأمر، ويقول: "لدينا قوات مسلحة بالوسائل اللازمة، والاتصالات، والمروحيات، ولديها خبرة في الشيشان. هم الآن في دوشنبه. لقد تدربوا هناك مع أفرادكم. لن أتحدث علنا عن هذا، لكننا مستعدون لاستخدامهم في أفغانستان إذا لزم الأمر. لدينا فرقة 12500 رجل في طاجيكستان، بالإضافة إلى 10000 آخرين من حرس الحدود الروس يحمون حدود طاجيكستان".

في المقابل، يشير بوتين إلى استمرار سحب جنوده من جورجيا وإقليم ترانستيريا الانفصالي عن مولدوفا "على الرغم من أن القيادة الجورجية لا تتصرف بشكل جيد اليوم. نحن نقف وراء التزامات إسطنبول التي قطعها الرئيس يلتسين، وسيتم تنفيذها بالكامل". ويعزو بوتين تجاوز الحدود في جنوب القوقاز "لأسباب مفهومة ومبررة"، موضحا: "لا نقاتل الشيشان وحدهم، بل العرب ومقاتلين من دول إسلامية أخرى".. لقد دمرنا حوالي 400 من هؤلاء المقاتلين الأجانب، لكن 500-700 لا يزالون نشطين ضدنا".

تشكيك بنوايا باكستان

وفي موضوع عدم انتشار الأسلحة النووية، ومع تأكيده على العمل لمنع إيران من حيازة أسلحة نووية، يقول بوتين: "أريد لفت انتباه الرئيس وزملائه ليس فقط إلى إيران، ولكن أيضا إلى باكستان. هناك جانب مختلف، وهو أن مشرف يخفي أسلحة. لا ينبغي السماح له بالحصول على شرعية فعلية كقوة نووية في المنطقة في عملية حماية أسلحته النووية. هذا ليس في مصلحتنا، ولا في مصلحتكم. لا ينبغي أن نوسع النادي النووي ليشمل باكستان أو الهند. يجب أن يشعر مشرف بالضغط منكم ومن المجتمع الدولي".

ومع تشكيكه في صدق نوايا باكستان في محاربة طالبان يقول بوتين، "نحن أيضا بحاجة لدعم أوزبكستان وطاجيكستان. باكستان حليف غريب، رفيق غريب. يساعدون، وفي الوقت ذاته، تحرق فيها الأعلام الأميركية".

مجلس "روسيا-الناتو" ومساعدة بيرلسكوني

كشفت مكالمة أجراها الرئيس بوتين مع نظيره جورج بوش الابن في 2 أبريل/نيسان 2002، عن رغبة الكرملين في مساعدة رئيس الحكومة الإيطالية، حينها، سلفيو بيرلسكوني والذي ربطته علاقة صداقة متينة مع بوتين.

وفي المكالمة التحضيرية لزيارة بوش الابن إلى روسيا في 27 مايو/أيار 2002 لتوقيع معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية (معاهدة بوش-بوتين)، أخبر بوتين بوش بأنه ودّع بيرلسكوني قبل لحظات، وأنه يقترح مع رئيس الحكومة الإيطالية البقاء يوما إضافيا في أوروبا والقدوم إلى روما حيث يمكنهما إطلاق مجلس "الناتو-روسيا"، قبل قمة "الناتو" في براغ التي عقدت في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، وهي قمة اتخذ "الناتو" فيها قرارا بضم بلدان البلطيق السوفياتية السابقة، والتي دخلت رسميا الحلف في 2004.

أبدى بوتين تفهماً وتعاوناً كاملين بشأن البرنامج النووي الإيراني. ومع إشارته إلى تقدم في الملف، شدد الرئيس الروسي على أن "المفتاح هو عدم السماح للإيرانيين بتطوير دورة نووية

ورغم اعتراض روسيا الكبير على ضم بلدان البلطيق (لاتفيا وليتوانيا وإستونيا) لـ"الناتو"، والمشاكل التي نشهدها حتى يومنا الحاضر بسبب هذا القرار، فإن بوتين لم يوجه في المكالمة أي انتقاد لتوسّع حلف "الناتو". وأشار إلى أسباب سياسية داخلية في كل من روسيا وإيطاليا، يمكن معالجتها إذا ما زار بوش روما لإطلاق آلية "حلف الناتو-روسيا"، وقال بوتين إن زيارة روما من شأنها "تخفيف التوتر والضغط في بلادي، لذا سيكون من الجيد جدا القيام بها قبل قمة براغ. وسيكون هذا في صالح السيد بيرلسكوني لأنه يمرّ بوضع سياسي صعب، ويتعرّض لضغوط كبيرة من اليسار، ومن الجيد تحويل التوتر السياسي الداخلي إلى قضايا أخرى، وإظهار أهمية إيطاليا على الساحة الدولية".

وفي النهاية، وافق بوش على اقتراح بوتين وحضر إلى روما بعد زيارته لروسيا، وفي 28 مايو/أيار 2002 وقّعت روسيا و"الناتو" ما يسمى "إعلان روما" وتضمن إطلاق "مجلس الناتو-روسيا"، والذي نص في إعلانه على أن دول "الناتو" وروسيا ستتفاعل كـ"شركاء متساوين".

رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقائه الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في مقر الرئاسة في نوفو أوغاريفو، خارج موسكو، في 8 مايو 2005

وعلى خلفية إطلاق رئيس الحكومة الإسرائيلية حينها آرييل شارون عملية "السور الواقي" قبل المكالمة بأيام، أعرب بوتين عن قلقه لما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وقال: "لسوء الحظ، الوضع لا يتطور بشكل إيجابي لشارون. تحدث الكثير من الأمور السلبية. على سبيل المثال، أحد الكهنة الأوروبيين أصبح ضحية. إنه أمر محزن للغاية. لقد استولوا على كنيسة أرثوذكسية في القدس". وشدد على ضرورة استمرار العمل في إطار الرباعية الدولية للسلام في الشرق الأوسط.

توافق كامل بشأن إيران

عقد الرئيسان اجتماعا في كاناناسكيس على هامش قمة مجموعة الثماني الكبار في كندا يوم 27 يونيو/حزيران 2002. وتركزت المباحثات على البرنامج النووي الإيراني، والأسلحة البيولوجية، والرد الروسي المحتمل على عجز جورجيا عن التعامل مع الإرهابيين الشيشان وغيرهم ممن يختبئون حول مضيق بانكيسي على الحدود مع روسيا.

وأشاد الرئيسان بالتقدم المحرز في الملف النووي الإيراني. أبدى بوتين تفهماً وتعاوناً كاملين بشأن البرنامج النووي الإيراني. ومع إشارته إلى تقدم في الملف، شدد الرئيس الروسي على أن "المفتاح هو عدم السماح للإيرانيين بتطوير دورة نووية. وهذا يعني تكنولوجيا ومعدات لإنتاج بلوتونيوم بدرجة صنع أسلحة". وفيما يتعلق بالوقود النووي المستهلك، قال بوتين: "أخبرنا الإيرانيين بأننا لن نشحن أي وقود إلا إذا وافقوا على إعادة الوقود المستهلك إلى روسيا. لقد وقّعنا بروتوكولا معهم". في المقابل، أعرب بوش عن تفهمه الكامل للخطط الروسية لشن ضربات دقيقة أو عمليات للقوات الخاصة في بانكيسي إذا لم تتمكن الحكومة الجورجية بقيادة شيفرنادزه من حل المشكلة.

رغم أن بوش لم ينجح في إقناع بوتين بالموافقة على قرار العراق، فإنه حرص على الحفاظ على علاقة إيجابية، وأخبره بأنه "لا ينبغي لنا تعريض علاقتنا للخطر"

مصير عرفات

وعلى خلفية إعلان الرئيس بوش في خطاب قبل المكالمة بأيام أن الولايات المتحدة لن تدعم قيام دولة فلسطينية إلا بعد انتخاب قيادة فلسطينية جديدة في إشارة واضحة إلى مطالبته بإقصاء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، طرح بوتين الموضوع. وقال الرئيس الروسي: "نحن مستعدون لدعمك من حيث المبدأ. كانت لنا علاقات خاصة مع العرب وعرفات. من الصعب جدا القفز من موقف إلى آخر، لكننا نعتقد أنهم بحاجة إلى دم جديد". ويناقض حديث بوتين الموقف الرسمي الروسي وحتى تصريحاته ردا على خطاب بوش، وفيها حذر بوتين في 23 يونيو/حزيران 2022 من خطورة إبعاد رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، حينها، ياسر عرفات عن الساحة السياسية. وقال بوتين أثناء مؤتمر صحافي إن "إبعاد عرفات عن الساحة السياسية يعتبر أمرا خطيرا وخاطئا ويؤدي فقط إلى التشدد في الحركة الفلسطينية"، وشدد على أن تسوية الأوضاع يجب أن تنطلق من تنفيذ القرارات الدولية.

رفض لغزو العراق وفصل عن الملفات الأخرى

شكلت المكالمة بين بوش وبوتين في 18 مارس/آذار إخطارا رسميا أميركيا بشأن غزو العراق الذي حصل في اليوم التالي. وتعدّ هذه المكالمة خاتمة سلسلة من المحادثات والمكالمات التي بدأت قبل فترة طويلة، والتي حاول خلالها بوتين إقناع بوش بعدم غزو العراق. وفشل بوتين، عبر الإقناع والتعاون الكامل وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة، في منع غزو أميركي للعراق أهم حلفاء روسيا في الشرق الأوسط. وأسهم الفشل الروسي في حماية الرئيس الراحل صدام حسين في إلحاق ضرر إضافي بسمعة روسيا في المنطقة، وإضعاف نفوذها المتراجع أصلا بعد نهاية الحرب الباردة.

رويترز
صدام حسين في لقطة مصورة بعد أسره، نُشرت في 14 ديسمبر 2003

وجاءت المكالمة بعد قرابة أسبوعين من سحب الولايات المتحدة مشروع قرار في مجلس الأمن في 6 مارس/آذار 2002، يجيز استخدام القوة العسكرية ضد العراق، بعد تلويح روسيا باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد القرار.

وبدا أن بوتين كان حريصا على مواصلة علاقة وثيقة مع بوش، وعدم السماح للخلافات حول الحرب بتقويض هذه الشراكة الجديدة. ورغم أن بوش لم ينجح في إقناع بوتين بالموافقة على قرار العراق، فإنه حرص على الحفاظ على علاقة إيجابية، وأخبره بأنه "لا ينبغي لنا تعريض علاقتنا للخطر". وأضاف بوش أن "عملية الأمم المتحدة قد انتهت بالنسبة لي"، وشكر بوتين على عدم "تأجيج المشاعر المعادية لأميركا"، وأعرب عن تقديره لموقفه: "لقد كنت حازما في رأيك، لكنك احترمت علاقتنا، وأود أن أشكرك على ذلك".

وفيما يمكن وصفه بجهود اللحظات الأخيرة، طلب بوتين مرة أخرى إيقاف الغزو، وأصر على ضرورة مراعاة القانون الدولي. وبعد تذكيره بوش بأنه كان يقول "إن الهدف هو تغيير النظام، إلا أن هذا ليس أمرا منصوصا عليه في ميثاق الأمم المتحدة أو القانون الدولي"، شدد بوتين على أن "الأهم، وقد ذكرت هذا سابقا، هو أن لا نستبدل القانون الدولي بقانون القوة".

وفي إقرار بأن الغزو حاصل، قال بوتين: "علينا أن نبحث معا كيف يمكننا تقليل الضرر الذي يلحق بالأمم المتحدة. أود أن أكرر هذا. أعلم بمشاعر مساعديك، وأعتقد أنه ينبغي لنا إعادة العملية إلى الأمم المتحدة"، وتحدث عن النتائج الإيجابية التي تحققت بفضل الدبلوماسية والتعاون الأميركي-الروسي في الشرق الأوسط.

أخبر بوتين بوش بأن تصديق البرلمان الروسي على المعاهدة الروسية-الأميركية لنزع الأسلحة الاستراتيجية سوف يتأجل في حال شن حرب على العراق "حتى لا تكون هناك فضيحة"

واتفق الزعيمان على الاختلاف، لكنهما اتفقا أيضا على الحفاظ على شراكتهما. وقال بوتين لبوش: "لا أستطيع أن أقول إنني أتفق مع كل شيء في الخطاب، لكنني أعتقد أن الأهمية الأساسية لعلاقاتنا كدولة هي الأكثر أهمية. والأهم بالنسبة لي هي علاقاتنا الشخصية، وكما ترى، فأنا أمتنع عن التعليق على خطابك. إذا بدأت العملية العسكرية، فسأضطر للتعليق، لكنني لن أعلق بطريقة تقلل من شأن علاقتنا الشخصية".

وأخبر بوتين بوش بأن تصديق البرلمان الروسي على المعاهدة الروسية-الأميركية لنزع الأسلحة الاستراتيجية سوف يتأجل في حال شن حرب على العراق "حتى لا تكون هناك فضيحة". وردا على سؤال من بوش بشأن ثقته بتمرير المصادقة على المعاهدة، قال بوتين ستمر، وأود أن أكرر أن هدفنا هو التعاون مع الولايات المتحدة. ستمر. القضية الوحيدة هي التكتيكات من حيث الإطار الزمني". وللإشارة فقد صادق البرلمان الروسي ومجلس الاتحاد على المعاهدة في شهر مايو/أيار من العام ذاته.

وفي ختام المحادثة، كرر بوتين دعوته لبوش لزيارة سانت بطرسبرغ "بغض النظر عن تطورات الوضع في العراق"، للمشاركة في احتفالات المدينة بالذكرى 300 لتأسيسها في 31 مايو منذ ذلك العام.

وحضر بوش الاحتفالات المذكورة، ووقّع مع بوتين في حفل بمدينة سانت بطرسبورغ، مطلع يونيو 2003 بروتوكول تبادل وثائق التصديق على معاهدة خفض الأسلحة النووية الهجومية.

وننشر هنا النص الحرفي لمداولات المكالمة الهاتفية بين الرئيسين بوش وبوتين في 18 مارس 2003:

مجلس الأمن القومي

العاصمة واشنطن 20504

20 مارس/آذار 2003

قضية رُفع عنها التصنيف: رقم 78134

التاريخ: 8-25-2025

مذكرة إلى: السيّد لويس ليبي، مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس

السيّد كارل هوفمان، الأمين التنفيذي، وزارة الخارجية

العقيد جيمس أ. ويتمور، الأمين التنفيذي، وزارة الدفاع

الموضوع: مذكرة محادثة هاتفية مع الرئيس فلاديمير بوتين، رئيس الاتحاد الروسي (غير سري)

المذكرة المرفقة هي محادثة هاتفية بين الرئيس والرئيس بوتين، رئيس الاتحاد الروسي، بتاريخ 18 مارس/آذار 2003، وتُقدَّم للاطلاع الحصري لنائب الرئيس، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع.

غريغوري ل. شولت

الأمين التنفيذي

البيت الأبيض- واشنطن

مذكرة محادثة هاتفية

المشاركون:

الرئيس

الرئيس بوتين

مدونو الملاحظات: آندي غرين، ماركو بروز، جيف بلير

المترجم: بيتر أفاناسينكو

التاريخ والوقت والمكان: 18 مارس/آذار 2003، من 9:29 إلى 9:50 صباحا بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، المكتب البيضاوي

الرئيس: مرحبا فلاديمير، كيف حالك اليوم؟ (غير سري).

الرئيس بوتين: أنا بخير، ويسعدني أن أسمع صوتك. (غير سري).

الرئيس: قلت لك إننا سنواصل مناقشة قضايا العالم. هذه فرصة أخرى لمواصلة الحديث مباشرة بين قائدين. (غير سري)

الرئيس بوتين: نعم. كنت أتطلع إلى اتصالك. (غير سري)

الرئيس: شكرا لك، لدي نقطتان أود طرحهما قبل أن أستمع إلى ما لديك. أقدّر المقالة التي كتبها إيغور في بعض صحفنا بشأن الشراكة الأميركية الروسية. لا ينبغي أن نعرض هذه العلاقة للخطر. هذا ما ناقشناه أنا وأنت، وأقدّر حديثك إلى الشعب الأميركي بهذه الروح. أعلم أننا لن نتوصل أبدا إلى النتيجة نفسها بشأن صدام حسين، لكنني بذلت جهدا كبيرا داخل الأمم المتحدة للوصول إلى توافق. من وجهة نظري، انتهت العملية داخل الأمم المتحدة. للأمم المتحدة دور بعد العمليات، إذا وقعت عمليات عسكرية. سيكون للأمم المتحدة دور في العراق بعد صدام، وبعد الحرب. أردت فقط أن أؤكد لك ذلك. وأقول إذا وقعت حرب، لأن مبادرتك التي سعيت إليها قد تؤتي ثمارها، وقد يتمكن صدام من المغادرة. وأخيرا، أرى أنه من المهم أن نراقب مسألة المشاعر المعادية لأميركا. لقد كنتَ حذرا في عدم تأجيج هذه المشاعر، لكن بعض العواصم لم تبد القدر نفسه من الحذر. على سبيل المثال، في باريس تسود مشاعر مناهضة لأميركا، وبسبب ذلك ظهر رد فعل عكسي واسع ضد فرنسا يصعب عليّ احتواؤه. أعلم أنك تدرك ذلك، وأقدّر تفهّمك، لكن هناك فرقا بين الاختلاف في الرأي وتأجيج مشاعر الناس بلا داعٍ من خلال الشعارات المناهضة لأميركا وانتقاد القادة. لقد كنت ثابتا في موقفك، لكنك حافظت على احترام علاقتنا، وأنا أشكرك على ذلك. هذا كل ما لدي اليوم، وأنا واثق بأننا سنواصل الحوار كلما تطورت الأمور. أقدّر تلقيك مكالمتي.

الرئيس بوتين: شكرا لك يا جورج. أشكرك على اتصالك، فهذا مهم بالنسبة لي. صحيح أن مواقفك بشأن العراق تختلف عن مواقفي. لقد درست خطابك إلى الأمة بعناية، ولا أستطيع أن أقول إنني أتفق مع كل ما ورد فيه، لكنني أعتقد أن الأهمية الجوهرية للعلاقة بين دولتينا هي الأكثر أهمية. وما يهمني أكثر هو علاقتنا الشخصية، وكما ترى، أنا أحجم عن التعليق على خطابك. إذا بدأت العملية العسكرية، فسأضطر إلى التعليق، لكنني لن أفعل ذلك بطريقة تنتقص من علاقتنا الشخصية. أما بشأن خلافنا السياسي، فسأكتفي بالقول إننا ناقشناه أكثر من مرة، وأرى أن هناك بعض الأمور المحددة التي أجدها غير صائبة. أعتقد أنه لو عملنا معا وبثبات من دون اللجوء إلى القوة العسكرية، لكنا استطعنا أن نحقق النتيجة نفسها. وهذا لا يتعلق بالعراق فقط، بل يشمل أيضا سائر منطقة الشرق الأوسط. كان في وسعنا أن نضغط على دول أخرى بطريقة تعود بالنفع على المنطقة بأكملها.

النقطة الثانية التي أود لفت نظرك إليها أراها بالغة الأهمية. قلتَ إن الهدف هو تغيير النظام، غير أن هذا الهدف لا ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة ولا القانون الدولي. كما أنه ليس من الإنصاف القول إن العراقيين لم يفعلوا شيئا. إن استعداداتك العسكرية وقنواتك الدبلوماسية دفعت العراق إلى اتخاذ عدة خطوات. والأهم من ذلك، وقد ذكرت هذا من قبل، يجب أن لا نستبدل قانون القوة بالقانون الدولي. أنا أتفق على ضرورة إعادة هذه العملية إلى مسار الأمم المتحدة، ويجب أن يجري ذلك بصرف النظر عن كيفية تطور الوضع في العراق. وفي هذا السياق، أعطيت تعليماتي لإيفانوف بالتوجه الليلة إلى نيويورك. إن مهمته لا تهدف إلى تحقيق مكاسب دعائية بشأن الوضع في العراق، ولن تكون لإشعال المشاعر المعادية لأميركا داخل الأمم المتحدة، بل تتركز على تحديد مستقبل عمليات التفتيش. لقد أرسلنا المفتشين إلى هناك لتيسير العملية، ويجدر بنا على الأقل أن نعبر عن شكرنا لهم. فبعضهم، كما تعلم، فقد حياته. تحدثت في وقت سابق اليوم مع رئيس جمهورية الصين الشعبية الجديد، وأبلغني أن أحد أفضل رجاله توفي هناك. هذه أداة مهمة في منظومة التفتيش الدولية، ولا ينبغي أن نفقدها. علينا معا أن نبحث في كيفية تقليل الضرر الذي لحق بالأمم المتحدة. أود أن أكرر ذلك. أنا على دراية بميول مساعديك، وأرى أننا يجب أن نعيد العملية إلى مسار الأمم المتحدة.

الرئيس: دعني أتأكد أننا على تفاهم بشأن هذه النقطة. أرى أن على الأمم المتحدة أن تشارك لاحقا إذا حدثت عمليات عسكرية، لكن أعتقد أن دور الأمم المتحدة قد انتهى.

الرئيس بوتين: هذا ما قصدته.

الرئيس: حسنا. (غير سري).

الرئيس بوتين: إذا بدأت الحرب، فعلينا لاحقا أن نعود إلى مسار الأمم المتحدة. هذا سيكون في مصلحة الولايات المتحدة.

الرئيس: حسنا. فهمت ما تقوله. أوافقك الرأي. (غير سري).

الرئيس بوتين: رغم الخلافات بشأن العراق، ينبغي للولايات المتحدة وروسيا أن تتعاونا في سبيل خدمة السلم والاستقرار الدوليين. أعلم أن مجلس الشيوخ الأميركي صادق على معاهدة خفض الإمكانات الاستراتيجية، وقد أحلنا المعاهدة إلى مجلس الدوما، ومن المقرر أن يُجرى التصويت عليها يوم الجمعة المقبل.

الرئيس: جيد جدا، يا فلاديمير. شكرا لك. (غير سري).

الرئيس بوتين: في حال بدء عملية عسكرية، قد يكون من الأفضل إرجاء ذلك نظرا لتطورات الأوضاع في العراق، تفاديا لوقوع فضيحة.

الرئيس: أفهم ذلك. (غير سري).

الرئيس بوتين: هذا قد يزيد الأمور سوءا.

الرئيس: لدي ثقة في ذلك. ألست واثقا من قدرتكم على إقرارها؟

الرئيس بوتين: بلى. ستُقر، وأود أن أكرر أن هدفنا التعاون مع الولايات المتحدة. ستُقر. المسألة الوحيدة تتعلق بالتكتيك من حيث الإطار الزمني.

الرئيس: أفهم ذلك. (غير سري).

الرئيس بوتين: أنا أتفق معك على أن من المهم الآن أن نظهر أن التزامنا الطويل الأمد هو التعاون مع الولايات المتحدة.

الرئيس: هذا مؤكد. إنه أمر رائع. (غير سري).

الرئيس بوتين: شكرا لك يا جورج. (غير سري).

الرئيس: هذا كل شيء لليوم. (غير سري).

الرئيس بوتين: أخيرا، أود أن أكرر دعوتي لك لزيارة سانت بطرسبرغ في وقت لاحق من هذا العام. ستكون هذه الزيارة مهمة، بغض النظر عن كيفية تطور الوضع في العراق، لأنها ستكون فعالية غير رسمية إلى حد ما. بل سيكون من الأفضل أن نلتقي لبحث هذه المسألة وغيرها من القضايا المهمة أيضا.

الرئيس: آمل أن أتمكن من ذلك. أعلم أنك بذلت جهدا كبيرا في التخطيط لها. سانت بطرسبرغ واحدة من أعظم مدن العالم. هناك أمر آخر، أنا أقدّر توجيهاتك لإيغور بأن لا يقوم بتأجيج المشاعر. أنا أقدّر ذلك كثيرا. أنت تعرف كيف يتصرف هؤلاء الدبلوماسيون، وأنا أيضا أواجه صعوبة مع دبلوماسيّي.

الرئيس بوتين: نعم. ينبغي أن لا يصبح ذلك سلوكا اعتياديا. (غير سري).

الرئيس: أواجه صعوبة في كبح جماحهم أيضا. فلاديمير، سأتحدث إليك قريبا. أبلغ تحياتي إلى عائلتك.

الرئيس بوتين: أطيب الأمنيات لعائلتك أيضا. (غير سري).

font change

مقالات ذات صلة